أمضى المحللون والنقّاد الأسبوعين الماضيين وهم يفكّرون في المؤامرة الإيرانيّة المزعومة لاغتيال دبلوماسي سعودي في واشنطن، ويُعزى ذلك جزئياً إلى أنّ الجمهورية الإسلاميّة لا تملك أبداً أيّ دافعٍ أو منفعة للقيام بذلك. فإيران، المعروفة باعتمادها كثيراً على تحاليل التكلفة والفائدة لحساباتها الجغرافية السياسيّة، تفشل فشلاً جليّاً في تحقيق مكاسب ماديّة أو سياسيّة من أيّ من الادّعاءات حتى الآن. ما المشكلة بالتالي؟

عوضاً عن التمحيص في أسباب تورّط إيران، ربما من الأجدى التدقيق في الدافع أمام واشنطن لتقديم ذلك الاستعراض السّياسي. تبِعَت الاتهامات الجنائيّة تصريحاتٌ رفيعة المستوى وتسريباتٌ رسميّة من البيت الأبيض، وكلّ من وزارة الخارجيّة والعدل والمال والدفاع ومكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات المركزيّة، مُنسّقة بطريقة تضمن إحداث الأثر الأكبر. ثم سعت الحكومة الأميركيّة إلى إقناع المجتمع الدولي بخطورة الاتّهامات من خلال مجلس الأمن و«اتصالات هاتفيّة بعدد كبير من العواصم».

تخطّى ذلك الاستعراض حدود خدمة محاكمة عن جريمة واحدة. والأرجح أنّ الاتهامات الموجّهة ضد إيران جاءت لخدمة «الدبلوماسيّة العامّة»، أي محاولةٌ لصياغة سيناريو أوسع يخدم قراراً سياسيّاً. ليس الترويج لرواية «الوحش» الإيراني بالأمر الغريب في الأوساط السياسيّة الأميركية، لكن الجديد ربما هو التشديد على تلك القصّة عقب الانتفاضات العربيّة الممتدة عبر الشرق الأوسط.


استقدام «الفريق الأحمر»

في آذار الماضي، اكتسحت الثورات العربيّة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فأجرت القيادة المركزية العسكرية الأميركية لـ 20 دولة ـــــ بما في ذلك إيران، السعوديّة، العراق، مصر، اليمن، البحرين والأردن ـــــ تدريباً لـ«الفريق الأحمر» بغية البحث في سيناريو سياسيّ يضع باستمرار العرب والإيرانيين في مواجهة بعضهم البعض، وذلك بحسب مصدر مشارك في المشروع.
أخبرني ناطق باسم الفريق الأحمر التابع للقيادة المركزيّة العام الماضي أنّ ذلك الفريق تشكّل في 2006، «للتفكير على نحو مختلف ومبدع، وتقديم فكرٍ معاكس و... شحذ المنطق وفرض صرامة فكرية»، في ما يتعلّق بمسائل حسّاسة لمصلحة كبار المسؤولين العسكريين.
في ما يلي بعض الفرضيّات والأسئلة التي تضمّنها تدريب القيادة المركزيّة لتأليب العرب ضد الإيرانيين. (ملاحظة: يشير الفريق الأحمر إلى الإيرانيين بكلمة الفُرس).
فرضيّة: «ديناميكية العرب ـــــ الفرس هي الانقسام. فالتاريخ، الديانة، اللّغة والثقافة تطرح جميعها وببساطة الكثير من العوائق التي ينبغي تخطّيها».
فرضيّة: «تعني عقدة دونيّة عامّة بين العرب، مقارنة بالفرس، أنّ الكثيرين من العرب يخشون من توسّع الفُرس وهيمنتهم عبر الشرق الأوسط. في باطن عقولهم، لم تنته الإمبراطورية الفارسية قطّ، وهي تتمتّع باكتفاء ذاتي أكثر من معظم الدول العربيّة».
فرضيّة: «الحؤول دون «صراع الحضارات» ـــــ أي حروب صليبية حديثة، الإسلام ضد اليهود/ المسيحيين، حرب بين الغرب/ إسرائيل والعرب/ الفُرس ـــــ يبدو أنّه ما من سيناريو تتضافر في إطاره قوى العرب والفُرس ضد الولايات المتّحدة/ الغرب».
سؤال: «هل من المناسب وضع النقاش في إطار العرب ـــــ الفُرس أم أنّ من الأنسب وضعه في إطار السُنّة ـــــ الشيعة؟»
سؤال: «إذا افترضنا وقوع شقاق، ما الذي يمكن أن يوحّد العرب والفُرس ولو مؤقّتاً؟»
تفترض تلك السيناريوات أمرين: أنّ الانقسام بين الإيرانيين والعرب أمر واقع وأنّ الاتحاد الأكبر بين هاتين المجموعتين عقب الانتفاضات العربيّة يمثّل تهديداً محتملاً للمصالح الأميركية. من هنا السؤال القلق: ما الذي قد يوحّدهم ولو مؤقّتاً؟ هل يصبح الهدف عندئذٍ ضمان حالة من العداء المزمن بين الإيرانيين والعرب؟
أخبر الناطق باسم الفريق الرائد تي جي تايلور صحيفة «صالون» الإلكترونيّة أنّ المخططين في القيادة المركزيّة «يفترضون سيناريوات عدّة ونتائج محتملة للتمكّن من توقّع وفهم طبيعة منطقة معقّدة ومتنوّعة بصورة أفضل. فمن خلال ذلك التخطيط العسكري الحذر والبحث الثقافي تمكّنّا من تقدير السبيل الأمثل لحماية مصالح الولايات المتّحدة وشركائها بشكل أفضل، مع الحدّ في الوقت عينه من خطر حصول خطأ في الحسابات ينبع من خلافات إثنيّة ووطنيّة».
ممّا لا شكّ فيه أنّ المنطقة تعجّ بالانقسامات السّياسيّة التي تفرّق بين الشعوب. أسمّي الثلاثة الكبرى قنابل الرائحة الكريهة في الشرق الأوسط: السُنّة مقابل الشيعة، العرب مقابل إيران، الإسلاميّون مقابل العلمانيّين. في حين قد ينشأ بعض التوتّر الطبيعي بين تلك المجموعات، ظهرت منذ الثورة الإيرانية في 1979، زيادة ملحوظة في السيناريوات التي تدعو إلى الخوف من الشيعة، الإيرانيين والإسلاميين، وذلك من أجل مكاسب جغرافيّة سياسيّة. وقد كان حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة، أي الأردن، السّعوديّة، مصر، الكويت، البحرين واليمن، في طليعة من قام بتلك الجهود.
ارتبطت تلك الأفكار بروايات سطحيّة عن الشرق الأوسط تتكرّر في وسائل الإعلام. لم يكن تدريب الفريق الأحمر استثنائياً من نواحٍ متعدّدة، بيد أنّ أمرين كانا مميزين جداً فيه: التوقيت والراعي الحصري. وهنا يبرز السؤال المُحيِّر: لمَ قرّر الجيش الأميركي أن يلقي الضوء على حكاية العرب ضد إيران بعد 3 أشهرٍ على الانتفاضات التي اكتسحت العالم العربي؟ لمَ لم يلجأ إلى تقويمٍ أشمل وأكثر إلحاحاً لكيفيّة إعادة تنسيق المصالح الأميركيّة مع اللاعبين الديموقراطيين الناشئين في المنطقة؟


تبدُّل ميزان القوى

عند تنفيذ تدريب الفريق الأحمر، كانت الاحتجاجات السياسيّة السلميّة قد اكتسحت الأنظمة الموالية للولايات المتّحدة في تونس ومصر وبلغت حجماً هائلاً في البحرين واليمن. تؤوي الأولى الأسطول الخامس التابع للبحريّة الأميركيّة، أمّا الأخيرة فهي عبارة عن مركز عمليّات لتنظيم القاعدة وساحة معركة بديلة للتوتّرات السّعوديّة ـــــ الإيرانيّة.
يملك صانعو السياسات الأميركيون سبباً للقلق. فالمستفيد بحكم الواقع من تلك الانتفاضات هو إيران، دولة تحدّت على مدى ثلاثة عقود صدارة المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة في الشرق الأوسط. بالتالي فإنّ سقوط المستبدّين الموالين للولايات المتّحدة ضَمن على نحو شبه مؤكّد أنّه في أيدي قادة شعبويين جدد، من المرجّح أن تميل السياسة الخارجية في المنطقة نحو إيران، وإن من دون دفعٍ منها.
وبحسب دايفيد سانغر، من صحيفة «نيويورك تايمز»، لم تغفل الإدارة الأميركية أبداً عن ذلك التقدّم. في شهر شباط الماضي، قبل شهر من تدريب الفريق الأحمر كتب: «يخضع كلّ قرار ـــــ من ليبيا إلى اليمن فالبحرين وسوريا ـــــ للتدقيق من منظور كيفيّة تأثيره على ما كان، حتى منتصف كانون الثاني، المُعادلة المُسيطرة في استراتيجيّة إدارة أوباما الإقليمية: كيفيّة إبطاء تقدّم إيران النووي وتسريع ظهور فُرص حصول انتفاضة ناجحة هناك».
قدّمت رؤية الانتفاضات العربيّة، عبر عدسة إيرانيّة، أفضليّة محتملة للولايات المتحدة. تُؤثِر استطلاعات الرأي العام العربي باستمرار إيران عندما تُقارن بالولايات المتحدة، لكن ليس بالقدر نفسه عندما تُقارن بأنظمة عربيّة أخرى، حتى تلك التي لا تتمتّع بالشعبيّة. لطالما سمح ذلك الميل لخصوم إيران بزرع بذور الفتنة في العالم العربي، حتى قبل الثورة الإسلاميّة في 1979، إنّما بعدها بشكلٍ خاص. انتشرت السيناريوات حول طموحات الإيرانيين الشيعة التوسّعيّة والعدوانيّة على نطاق واسع في وسائل الإعلام العربيّة التابعة للسعوديّة، بالرغم من عدم وقوع أي صراع خطير بين الإيرانيين والعرب منذ نهاية الحرب الإيرانيّة العراقيّة في 1988.
منذ ذلك الحين، وكدليل على قوّة الدعاية وما تشجّعه من نقص في المعرفة، نضج انعدام الثقة بين إيران والكثير من الدول العربيّة على نار هادئة. وفيما تسعى واشنطن إلى الحدّ من خسائرها وتأكيد سيطرتها على التطورات المستقبلية في المنطقة، يتحوّل ذلك السيناريو إلى طريقة فعّالة من حيث التكلفة، لاستعادة جزء من صدارتها، وذلك من خلال رسم شرق أوسط جديد وجذب الآخرين إلى تلك الافتراضات.

وزارة الدفاع الأميركيّة ومواقع التواصل الاجتماعي

لم يُنَفَّذ تدريب الفريق الأحمر في فترة من الفراغ. فقد كانت الثورات العربيّة إلى حدّ كبير مُحفّزة بفعل وجود مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصالات القيّمة في دول لا تشجّع التجمّعات العامة، أو بالأحرى تحظرها.
تسعى وزارة الدفاع الأميركيّة جاهدة إلى فهم تلك المنابر الإعلاميّة والرسائل التي تنقلها والتأثير فيها والتحكّم بها. ففي تمّوز، أعلن القسم التقني في وزارة الدفاع، «داربا» (وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة)، برنامجاً بقيمة 42 مليون دولار يمكّن الجيش الأميركي من «رصد، تصنيف، قياس ومتابعة تشكّل الأفكار والمفاهيم، تطوّرها وانتشارها» في مواقع التواصل الاجتماعي.
تصف مجلة «وايرد» المشروع بأنّه «الآلية الدعائية التابعة لوزارة الدفاع الأميركية ضمن وسائل الإعلام الاجتماعيّة» بسبب خططه الهادفة إلى «اعتراض رسائل عن عمليات التضليل المُعادية التي تم رصدها». في سبيل «السماح باستعمال المعلومات بشكل أكثر ذكاءً لدعم العمليّات [العسكريّة]» و«الحماية» من «العواقب الوخيمة»، سيتيح المشروع أتمتة العمليّات بغية «تحديد المشاركين وما يقصدونه وقياس تأثيرات حملات الإقناع»، وأخيراً التسلل إلى الحملات التي تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي في الخارج وإعادة توجيهها عند الحاجة.
مع اعتماد الفضاء الإلكتروني الآن «كنطاق عمليّات» للقوّات المسلّحة، لا نعرف متى ستُحشَد تلك الأدوات الإلكترونية وأين. لكن يمكننا أن نكون واثقين من أنّ أحد الأهداف المحتملة هو إيران التي أعلنت في وقت سابق من هذا العام خططاً للانقطاع عن باقي العالم وإقامة شبكة إنترنت وطنيّة خاصّة بها.

صناعة السيناريوات

يخدم الترويج للسيناريو الذي يطرح إيران كتهديدٍ وطني للدول العربيّة مصالح ملحّة عدّة اليوم: يبرر عمليّة بيع الأسلحة الوشيكة التي تتعدّى قيمتها 120 مليار دولار إلى حكومات عربيّة، ويهدف إلى منع إيران من التوغّل أكثر في العراق ما إن تُنجِز القوّات الأميركيّة انسحابها في كانون الأوّل.
لكنّ الانتفاضات العربيّة عرقلت خطة واشنطن. فالسعوديّة، الخصم الأساسي لإيران والحليف العربي الأقرب إلى الولايات المتحدة، أرسلت قوّاتٍ إلى البحرين لقمع الاحتجاجات بعنف، وقدّمت ملاذاً للطغاة المُحاصَرين، كما أنّها تغذّي عدداً كبيراً من الأنظمة الاستبداديّة العربيّة الباقية في المنطقة.
تضمن خزانة السعودية الضخمة المخصصة لمكافحة الثورات أن تُسمَع وجهة نظرها في واشنطن. فالسعوديون سيدفعون أكثر من نصف القيمة الإجمالية لعمليات شراء الأسلحة المثيرة للجدل في المنطقة، ما يوازي 67 مليار دولار. كذلك يعمل ذلك النظام الملكي على تشكيل قوّة من النخبة تضم 35 ألف رجل لحماية «ثروات المملكة النفطية ومواقعها النووية المستقبلية»، وذلك تحت إشراف القيادة المركزيّة ذاتها.
تمثّل الثورات العربيّة تهديداً لتلك الأعمال. ففي الأشهر الأخيرة، واجهت إدارة أوباما صعوباتٍ كبيرة في الحصول على الموافقة على بيع شريحةٍ صغيرة من مبيعات الأسلحة، بقيمة 53 مليار دولار، للبحرين التي أُدينت دولياً بشدّة لقمعها الاحتجاجات السّلميّة. لكن الأسبوع الماضي، وبعد مقاومة ضغوط الكونغرس ومجموعات حقوق الإنسان، أعلن أخيراً مسؤولٌ في وزارة الخارجية الموافقة على عملية البيع. وقد صرّح ناطق باسم وزارة الخارجية لصحيفة «أخبار الخليج» بأنّ «تلك الصفقة تمثّل خطوة في طريق الدفاع عن البحرين من أي اعتداء»، وذلك في إشارةٍ واضحة إلى إيران.
فيما تستمر الانتفاضات العربيّة بتشتيت الوضع الراهن في المنطقة، يبدو في شتى الظروف أنّ الولايات المتحدة تتصرّف بما لا يتماشى مع قيمها المُعلَنة، وتسمح عوضاً عن ذلك للحسابات المالية وتلك المرتبطة بالهيمنة بأن تحكُم سياستها الخارجيّة. ترخي السيناريوات المُفبركة لدعم تفوّق المصالح القصيرة النظر على القيم الأساسية بظلالها القاتمة على قدرتنا على تأدية دور ريادي في الشؤون العالمية. نحن لا نستمد الخلاصات، بل نلفّق التفسيرات. وفي حالة هذا الشرق الأوسط الجديد الهَش، لا أحد أكثر منا براعة في إذكاء الصّراع.
* أستاذة مساعدة في كلية سان انتوني في جامعة أوكسفورد (ترجمة باسكال شلهوب)