تبوّأ مثقّف عربي معروف مجلساً للمعارضة: أصبح برهان غليون الرئيس التنفيذي للمجلس الوطني السوري. الأمر ذو دلالات تتعلّق بدور المثقّف العربي. لا حاجة إلى التعليق على تجربة المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا. ليس بسبب انتشار ميليشياته التي تعيث في الأرض فساداً وقتلاً (على طريقة الطاغية القذّافي) كما جاء في تقرير لباري مالون الذي يكتب في «رويترز»، وفي تقرير آخر لمنظمة العفو الدوليّة. وجود أعلام خضراء أو رفع شعارات مناهضة للمجلس كاف للاعتقال والطعن أو حتى القتل. والمثقّف محمود جبريل يلعب دوراً تنفيذيّاً أيضاً في ذاك المجلس. وجبريل، بعدما حصل على شهاداته، عمل في جهاز النظام وكان مستشاراً قريباً من سيف الإسلام القذّافي. يُقال إنّه كان مُرشده الأقرب. أي هو مثل رئيسه، مصطفى عبد الناتو، من متخرّجي النظام القمعي البائد. لكن غليون أمر آخر، لأنّه لم يتّسخ بتعاط مع أي نظام عربي.

وكتابات برهان غليون في الديموقراطيّة قديمة ومتواصلة وجديّة، وقد أرفقها بمواقف مبدئيّة ضد إسرائيل وجرائمها، ورفض أي دور للصهيوني برنار هنري ــ ليفي في الموضوع السوري، خلافاً لجوقة عبد الناتو التي دعت ليفي وهلّلت له، وأعطته، وفقاً لروايته هو، تطمينات عن حسن النيّات نحو إسرائيل. وبرهان غليون، مثله مثل كثيرين من المثقّفين العرب، كرّس سنوات من الكتابة للترويج لموضوع الديموقراطيّة في العالم العربي. ووسم ذلك الترويج مرحلة كاملة (عقوداً طويلة) في حياة النخب الثقافيّة العربيّة: عُقد عددٌ هائل من الندوات والمؤتمرات وورش العمل عبر السنوات من أجل الديموقراطيّة. والطريف أنّ هبّة الديموقراطيّة تزامنت مع الاجتياح الأميركي الأوّل للعراق، واستعرت إبّان الاجتياح الثاني. حتى مؤسّسة دراسات الوحدة العربيّة، وهي شاملة وجامعة للهموم العربيّة ومن دون تفريط في الربط بين القضايا الداخليّة وقضايا التدخّل الخارجي والاحتجاجات، انصرفت إلى جمع مثقّفين عرب من مختلف البلدان للحديث في موضوع الديموقراطيّة. لكن لماذا؟ وما هي نتائج ضخ الدعاية عن الديموقراطيّة إذا كانت تؤدّي إلى عقد مؤتمرات في عواصم أجنبيّة، وتحت رعاية دول غير ديموقراطيّة وفي أجواء يلعب فيها الإخوان المسلمون دور «أم العروس»؟ ولماذا تصبح الديموقراطيّة وحدها هي الحلّ المنشود، دون الإشارة إلى الفقر وسوء توزيع الثورات والاحتلالات ومعارضة
العولمة؟
إنّ تراث غليون في الدفاع عن الديموقراطيّة والتبشير بها طويل، كما أنّ مواقفه ضد استبداد نظام الأسد مُشرّفة. وغليون، خلافاً للكثير من المُبشّرين بالديموقراطيّة في الوطن العربي، واع للمسألة الطبقيّة وأفرد لها مساحة في كتاباته المُبكّرة (راجع «بيان من أجل الديموقراطيّة» الذي صدر في أوّل طبعة في 1978). وغليون لم يهادن في ربطه بين النضال ضد العسف الداخلي والعسف الخارجي (ص 14). أكثر من ذلك، يستمرّ غليون بتأييده لمبدأ المقاومة ضد احتلال إسرائيل، لكنّني أتساءل إذا كان يذكر أنّه كتب في 1978 أنّ «المقاومة هي عندنا أوّل مراتب الحريّة». (ص 14). نتمنّى أن يكون موقف غليون هنا غير موقف الإخوان المسلمين في مجلسه، وخصوصاً أنّ الغزل بين إخوان سوريا وإسرائيل يزداد صفاقة. لكن غليون ـــــ وقد يكون ذلك سبباً في فهمنا (أو في عدم فهمنا) لانضوائه في مشروع معارضة غير مستقلّة وغير ديموقراطيّة ـــــ أغفل مُبكّراً العامل الخارجي في تحليل غياب الديموقراطيّة في الوطن العربي (راجع ص 25 مثلاً)، وتغييب العامل الخارجي لا يؤدّي إلا إلى الوقوع في الإيغال في التحليلات التي تنزع نحو المبالغة في الموانع الثقافيّة والتاريخيّة للديموقراطيّة. ذلك بالضبط ما وقع فيه غليون في كتابٍ لاحق له.
إنّ غليون في كتابه «اغتيال العقل: محنة الثقافة العربيّة بين السفليّة والتبعيّة» يفصل من دون قصد بين الموانع الخارجيّة والداخليّة لغياب الديموقراطيّة، بسبب التعميمات المُطلقة عن «العقل العربي»، والعبارة التي تعرّضت لتهشيم من علم الاجتماع الغربي بعد صدور كتاب الإسرائيلي المُتطفّل على علم الأنثروبولوجيا، رافييل باتاي، في كتابه «العقل العربي»، ترد في كتاب غليون. طبعاً، لم يصل غليون في كتابه إلى مستوى التعميمات السلبيّة (والمبتذلة من منظار علم الاجتماع) التي تضمّنها كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» (وقد كتبتُ عنه بالتفصيل هنا)، لكنّه يسلسل عدداً من النواقص التي تكاد تصيب القارئ العربي بالإحباط. أكثر من ذلك، إنّ إغفال العنصر الخارجي في غياب الديموقراطيّة، بات أكثر وضوحاً في خلله بعدما اعترفت الحكومات الغربيّة، أو بعضها، بأنّها بالفعل كانت مسؤولة عن استمرار حكم مبارك سادات ونظام بن علي. إن تدخّل الناتو في ليبيا، من بين عدّة أسباب، كان يهدف إلى تضليل الرأي العام العربي بشأن حقيقة موقف أميركا (وفرنسا بريطانيا ليستا أكثر من كومبارس) من الانتفاضات العربيّة. إنّ تجاهل الدور الأميركي في دعم الاستبداد العربي يظهر، من منظار التحليل السياسي المحض، أكثر فداحة من
قبل.
أكثر من ذلك، إنّ أدبيّات دعم الديموقراطيّة، ولنتخذ من كتابات غليون مثالاً، تتخذ من التجربة الغربيّة مثالاً خالياً من الجدليّة أو من التناقض أو من الصراعات غير المحسومة. وعليه، يصبح الغرب علمانياً (دون التمييز بين أميركا، مثلاً، وفرنسا) وعقلانيّاً. يكتب غليون عن الغرب: «ألغوا مفهوم المعرفة اليقينيّة المطلقة وأبدلوه بمفهوم المعرفة الموضوعيّة» (ص 210). يغيب من هذا التعميم (الذي يوازي في إيجابيّته تعميم الإطلاق السلبي عن العقل العربي) التعايش أو المساكنة بين العلم والغرب. يبدو غليون أحياناً كأنّه يحكم على الغرب لا من خلال واقعه بل من خلال التفاؤل الـ«فيبري» بمستقبل التطوّر العلماني في الغرب. إنّ الغيب والإيمان بالملائكة يعيشان إلى جوار المعرفة العلميّة. نصف الشعب الأميركي متيقّن من أنّه محميّ من خلال «ملاك حارس» خاص به (وبها)، كذلك فإنّ خمس الأميركيّين مقتنعون بأنّ الله يتحدّث إليهم. يفعل غليون الشيء نفسه في حديثه عن العلمانيّة، إذ إنّه لا يميّز بين تطوّر علماني متقدّم وآخر متأخّر في الغرب نفسه: إنّ المعارضة لنظريّة داروين تقوى في أميركا، ولا تضعف، وهناك بعض الولايات التي فرضت تدريس نظريّة داروين بإزاء فكرة النشوء الديني.
والحداثة تصبح أيضاً خيراً لا ضرر منه، وتغيب الإسهامات النظريّة لمدرسة فرنكفورت، مثلاً، في نقد الحداثة والتنوير. الحداثة أصبحت الشغل الشاغل لسجالات ليبراليّي النظام السعودي، في بلد يجمع بين أحدث الأسلحة الفتّاكة (التي تباع لحماية أميركا) وبين قطع الرؤوس والأطراف. إنّ حروب بوش وأبو غريب وقصف الناتو في ليبيا ذروة الحداثة، فيما يصرّ مثقّفو الديموقراطيّة ومثقّفاتها عندنا على أنّ الغرب هو غرب فولتير وروسو وآينشتاين. إنّ الغرب في الكتابات العربيّة الليبراليّة والديموقراطيّة ليس غرباً معيشاً، بل هو غرب مُتخيّل. وإلا ما معنى أن يقول سركيس نعّوم هذا الأسبوع على محطة «الجديد» أنّ احتجاجات «وول ستريت» لا تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة لأنّ الغرب، حسب قوله، حقّق العدالة الاجتماعيّة.
ليس الغرض هنا الحديث عن دور المُثقف ـــــ حتى الكلمة تصيبني بالامتعاض أو بالاشمئزاز ــــ هي من نتاج عقليّة فصل أو تقسيم الأعمال، باللغة الماركسيّة، إذ ينصرف العامّة إلى العمل اليدوي، فيما ينصرف ذوو العقول ـــــ وكأنّ العامّة تفتقر إليها ـــــ إلى شؤون الفكر. لا تختلف عن تقسيمات العمل (الفكري واليدوي والعسكري) في جمهوريّة أفلاطون. إنّ الإيمان بدور لـ«المثقّف» هو تكريس لتعظيم العمل الذهني على حساب اليدوي. من الأفضل اعتبار «المثقّف» جزءاً من العامّة كي لا يتميّز عنها بالقدرات أو حتى بالمسؤوليّة. ولماذا يكون للمثقّف دور منفصل، وليس للحدّاد أو السمكري مثلاً؟ لم يكن الشاب الذي أحرق نفسه في تونس «مثقّفاً» وفق التصنيفات التي تزخر بها الأدبيّات الحديثة عن المثقّفين والثقافة، وفعلته أبلغ من الكم الكتابي العربي عن الديموقراطيّة.
والمثقّف أحياناً، مثله مثل «شيخ الإسلام» في الدولة العثمانيّة، مؤتمن على مصلحة الدولة العليّة ويأتمر بأوامرها، إن قطن في وطنه أو في المنافي الغربيّة. لم يغيّر المثقّفون التاريخ: لم يطيحوا الممالك ولا الأنظمة في منطقتنا. لا يعني ذلك أنّه لم يكن هناك عدد من المثقّفين الشجعان ممن كانوا في سجون الأنظمة بسبب كتاباتهم ونشاطاتهم، لكنّهم لم يكونوا إطلاقاً تلك النخبة الطليعيّة التي تحدّث عنها لينين في واحد من أسوأ كتبه على الإطلاق، «ما العمل؟» (ربّما لأنّه كتبه في 1902) قبل الثورة، عندما كانت ثقته بوعي الجماهير الطبقي منعدمة للأسباب المعروفة.
ليس الحديث هنا بالضرورة عن برهان غليون، بل عن مآل الديموقراطيّة والدعاية لها. من قرّر مثلاً أنّ الديموقراطيّة هي الحلّ؟ من قرّر فجأة، وبتزامن لافت بين المثقفّين العرب، أنّ ما يحتاج إليه العرب هو الديموقراطيّة، لا غيرها؟ وكيف تزامن تقرير التنمية العربيّة (الذي يمثّل مادة للحديث مرّة كل شهر على الأقل لتوماس فريدمان ـــــ والطريف أنّ وليد جنبلاط اكتشف تقرير التنمية العربيّة هو أيضاً أخيراً، وقرّر أنه يتّسق مع مطالبته بالديموقراطيّة والإصلاح في سوريا، في الحديث نفسه الذي اعتبر فيه وكيل الاحتلال الإسرائيلي، محمود عباس، «بطلاً»، ولقّب «عظيمه»، الملك السعودي ـــــ الذي لا يزال يقاطع جنبلاط رسميّاً بالرغم من استجداءات مُذلّة ـــــ بـ«مُحرّر» المرأة السعوديّة) مع كل ذلك؟ طبعاً، تموّل الولايات المتحدة تقارير التنمية العربيّة قبل أن تتطوّع السعوديّة لتمويل التقارير. والهدف من التقارير هو عكس حالة التحذير من الخطر الخارجي المتمثّل في إسرائيل والاستعمار الغربي الجاثم. إن كون السعوديّة، عبر مؤسّسة الأمير خالد الفيصل، الكفيلة بإصدار تقارير التنمية العربيّة الدوريّة، يوحي بأغراض ليست الديموقراطيّة بينها.
أفاض مثقّفون عرب في الحديث عن الديموقراطية. وليس ذلك فقط لأسباب سياسيّة سأتطرّق إليها أدناه، بل أيضاً لأنّ الحديث عن الديموقراطيّة يغني عن الإفاضة في الحديث عن شكل النظام المنشود. يكفي ترداد شعارات الديموقراطيّة حتى يرتاح المرء من عناء التفكير والعثور على حلول للمشاكل المستعصية. عطّلت أدبيّات الديموقراطيّة عقولنا.
وهناك عواقب جمّة لذلك الهوس بطوطم الديموقراطيّة على ما عداه. ما هي عواقب الترويج للديموقراطيّة على أساس أنّها الحلّ الأمثل للمشاكل العويصة التي تواجه العالم العربي؟ لم تحلّ الديموقراطيّة مشكلة الفصل العنصري في الغرب: إنّ الحكومة الفدراليّة في أميركا طبّقت قوانين منع الفصل بالقوّة وضد إرادة معظم السكّان البيض في الجنوب. كذلك فإنّ الديموقراطيّة لم تحلّ بعد مشكلة الموقع الدوني للمرأة في الغرب، على مختلف المستويات.
يتحمّل مثقّفو دعم الديموقراطيّة في العالم العربي، دون الحديث عن تمويل منظمات الترويج للديموقراطيّة، مسؤولية الربط بين دعم الديموقراطيّة وقبول مرجعيّة ما يُسمّى زوراً «الشرعيّة الدوليّة»: إنّ تزوير تدخّل الولايات المتحدة في الشؤون الداخليّة للأوطان تحت حجب وستائر وعناوين مختلفة من الخداع، يجري تحت مسميّات «الشرعيّة الدوليّة». كان جورج بوش الأب واضحاً كلّ الوضوح في كتابه «عالم متغيّر» عن نيّة الولايات المتحدة استغلال المنظمة الدوليّة لأهداف السيطرة الأميركيّة على العالم. لم يأت تدخّل الناتو في ليبيا من العدم، كما أنّ السفير الأميركي في سوريا قال هذا الأسبوع في حديث مع «مؤسّسة واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» (وهي ذراع الأبحاث للوبي الصهيوني، وقد استضافت عدداً من ثوّار الأرز، مثل نهاد المشنوق ووليد جنبلاط ومصباح الأحدب) إنّ الشباب السوري «يرغب في تدخّل الناتو». لن نجادل في حق ذلك السفير في التحدّث بالنيابة عن الشعب السوري ـــــ على الطريقة الاستعماريّة التقليديّة ـــــ لكن الرغبة من قبل البعض في سوريا بتدخّل الناتو أو غيره (يحاول «قادة» المجلس الوطني المُعارض التذاكي عبر القول إنّهم ضد تدخّل حلف الناتو لكنّهم مع التدخل المدني من أجل حماية المدنيّين، وكأنّ حلف الناتو لم يتدخّل بقصفه في ليبيا إلا تحت ذريعة حماية المدنيّين. كذلك فإنّ غليون رفض المساواة بين الناتو والأمم المتحدة، وقال إنّ الناتو ليس الأمم المتحدة. هو على حق من دون أن يدري: لأنّ الأمم المتحدة هي ذراع الناتو، وليس العكس).
إنّ تنصيب الولايات المتحدة كالمُتحكّم في شؤون الكون بعد الحرب الباردة أتى من خلال دعاية خطاب «دعم الديموقراطيّة». حتى دعم أنظمة قطع الرؤوس في الخليج يجري من باب دعم الديموقراطيّة. ذلك ما عناه مسؤول أميركي رفيع هذا الأسبوع، عندما سوّغ صفقة الأسلحة الجديدة إلى البحرين بالقول إنّها تهدف إلى حماية البحرين من «العدوان» ـــــ كان يعني الديموقراطيّة. ومختلف الهيئات الرجعيّة والصهيونيّة في أميركا، التي تفتح المكاتب وتنفق الملايين في البلاد العربيّة، تصول وتجول باسم دعم الديموقراطيّة. والحملة على سلاح مقاومة إسرائيل في لبنان وفي فلسطين يستخدم، زوراً طبعاً، خطاب دعم الديموقراطيّة، وكأنّ أموال مقرن والحريري هي من الجذر الديموقراطي، وكأنّ محمود عباس الذي يرفض خوض انتخابات رئاسيّة، هو نموذج للديموقراطيّة.
والديموقراطيّة وحلولها قاصرة في العالم العربي، حتى على مستوى التمثيل الشعبي الحرّ. وذلك هو المعنى المحض للديموقراطيّة، لأنّ الباقي تشعّبات. للديموقراطيّة جوانب وفروع تنطلق من حق انتقاء الشعب ممثليه من أجل صنع القرار. وهناك أشكال وألوان من نماذج ديموقراطيّة تفتقر إليها الأدبيّات العربيّة عن الموضوع. حتى الكتابة عن «الديموقراطيّة التوافقيّة» في لبنان يغفل أنّها إسقاط فكري على تجارب ديموقراطيّة متعدّدة في مجتمعات شديدة الانقسام الاجتماعي. فحق التمثيل الحرّ معدوم في العالم العربي إلى إشعار آخر (حتى في تونس ومصر)، لأنّ الأموال الخارجيّة (وهي ممنوعة هنا في أميركا) من بديهيّات سياسة أميركا في دعم الديموقراطيّة. لقد هدّد الكونغرس الأميركي بقطع المعونات عن مصر إذا انساقت الطغمة العسكريّة الحاكمة وراء رغبة الشعب في منع المال الخارجي. إنّ أميركا تناضل بصفاقة من أجل التمتّع بحق الإنفاق غير المحدود على من يحظى بالرضى الأميركي. أي إنّ أميركا تؤمن جهاراً بحقّها في التأثير، لا بل تزوير إرادة الشعب المصري. والمال السعودي والقطري بدأ يهطل على أكثر من دولة عربيّة تنزع نحو «الاختيار الديموقراطي».
هناك كتابات غربيّة عن «الديموقراطيّة الجذريّة»، أي تلك التي تربط بين حريّة الاختيار السياسي المحض والعدالة الاجتماعيّة (راجع كتاب شانتال موفه وإرنستو لاكلاو بعنوان «الهيمنة والاستراتيجيّة الاشتراكيّة»): إنّها تهدف إلى الربط بين الحريّة والمساواة والتنوّع، لأنّ نقد الديموقراطيّة الغربيّة (وهو غائب إلا في خطاب الإسلام السياسي المُتبذل الذي لا يزال، على طريقة محمّد عمارة ـــــ وهو يساري سابق وإن نسي البعض زمن اشتراكيّته في الستينيات ـــــ يعد بـ«التسامح») يلحظ قمع الأقليّات الإثنيّة والعرقيّة والمهاجرة وتهميشها. حتى في زمن الإغريق، كان هناك ربط (غير مُعترف به في أميركا) بين المضمون السياسي والاجتماعي للديموقراطيّة، فتقرأ أنّ بيريكليس قال إنّ اليونان ديموقراطيّة لأنّ الغني لا يشعر بأنّ له ميزة (سياسيّة) على الفقير. والديموقراطيّة الجذريّة ترى أنّ الديموقراطيّة الحقّة يجب أن تتصدّى للبرامج النيو ليبراليّة. ويمكن أن نضيف بعداً رابعاً لديموقراطيّة جذريّة على النسق العربي: واجب مقاومة التدخّل الخارجي والاحتلال من زاوية النضال الديموقراطي. إنّ تحقيق الديموقراطيّة يتطلّب مقاومة إسرائيل: لن تنمو الديموقراطيّة في مصر وتزدهر، لا بل ولن تتحقّق، بوجود السفارة الإسرائيليّة في مصر. يغفل مناضلو الديموقراطيّة في مصر أنّ نضالهم لا يمكن أن ينفصل عن النضال ضد كامب ديفيد من أجل نسفه.
أما الكلام (من وليد جنبلاط وغيره) على استحالة المقاومة بلا ديموقراطيّة (وجنبلاط آخر من يستطيع أن يفتي في مواضيع المقاومة) فهو مُناقض للتجارب التاريخيّة. إنّ المقاومة تتعارض مع الديموقراطيّة، لأنّ الأكثريّة، عادة، تعارض المقاومة، على الأقل في البداية، والشروع فيها يجري ضد رغبة الأكثريّة. نمت المقاومة في لبنان في ظلّ حكم أمين الجميّل الإسرائيلي، وهو أبعد ما يكون عن الديموقراطيّة. قد تكون الديموقراطيّة (المزيّفة، طبعاً والرازحة تحت رشى النفط القطري والسعودي) مقبرة المقاومة، لا أرضها الخصبة. إنّ الوعود عن الديموقراطيّة (لا) تخفي اغراض الاستعمار. الاستعمار يتسرّب من خلال الحروب ومن خلال الأدب السياسي العربي عن الديموقراطية. عندما تقرأ أبواق آل سعود في صحف الأمراء تعظ بالديموقراطيّة، تعلم أنّهم لا يعنون الديموقراطيّة
بحديثهم.
إنّ المجلس الوطني السوري هو المقدّمة الأولى للاديموقراطيّة. لم تحط بظروف ولادته شفافيّة أو صدق. تستّر الإخوان واختبأوا خلف ليبراليّين وليبراليّات. لم يُنتق الأعضاء وفق عمليّة ديموقراطيّة، ولم تجر عمليّة اقتراع. المجلس الانتقالي الليبي لم ينتظر طويلاً كي ينشئ حكم الميليشيات الظالمة، إذ يطلق المسلّحون «الثوّار» النار على من تسوّل له نفسه الاحتفاظ بعلم أخضر، أو من يجرؤ على رفع شعارات سياسيّة مناوئة للقادة الجدد. أجل، تستطيع أن تحمّل خطاب الديموقراطيّة ودعاته بين أوساط المثقّفين المسؤوليّة. ألم يجنّد نظام حسني مبارك النخبة المثقّفة في التسعينيات كي يحارب الأخطار على نظامه، ورفعوا في تأييدهم له شعارات «الدولة المدنيّة» والاعتدال ونبذ التطرّف؟ إذا كان بعض المثقّفين قد خدموا أنظمة الاستبداد، فإنّ بعضاً آخر يسهم، بسابق تصوّر وتصميم أو ببراءة، في تشييد دعائم أنظمة استبداديّة جديدة.
ليس الاستعمار خفيّاً. يكفي أن ترى لبنان: «نجح» فريق 14 آذار برعاية أميركيّة إسرائيليّة سعوديّة في وضع كل مقدّرات لبنان (السياسيّة والاقتصاديّة والقضائيّة والأمنيّة وحتى الثقافيّة) في يد سلطة دوليّة مُتحالفة جهاراً مع إسرائيل. أميركا لا تخفي نيّتها وضع المنطقة برمّتها تحت إرادة إسرائيل. ها هي الصومال: لا تكتفي أميركا بإرسال قوّات خاصّة إلى الصومال، بل جنّدت الجيشين الكيني والإثيوبي لمحاربة أعدائها هناك، وأمرت الاتحاد الأفريقي بإرسال قوّة احتلال إلى الصومال. الخطاب الديموقراطي في الأدب الثقافي العربي ليس وحده مسؤولاً عن جرّ الاستعمار إلى بلادنا (يبدو أنّ أعلام الدول التي كانت مُستعمرة ستعود)، لكنّه يتحمّل جزءاً من المسؤوليّة. إنّ شعارات الديموقراطيّة والعلمانيّة والعقلانيّة شعارات برّاقة لكنّها لن تؤديّ إلى أكثر من مجلس الطنطاوي في مصر، ومجلس الناتو في ليبيا. نحتاج إلى معارك جديدة، على كل الصعدّ. ونحتاج إلى معركة ضد خطاب الديموقراطيّة، لعلّنا نصل إليها عن حق.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)