تتحرك الانتفاضة الشعبية البحرينية ضمن إطار محلي ومحيط إقليمي ودولي، يؤثر بالضرورة في مساراتها، وقد يحسم نهاياتها. إنّه الواقع الذي يفترض أن يأخذ بالاعتبار مقاربة أكثر شمولية للخيارات أو النهايات التي تنتظر الحدث السياسي البحريني الراهن. بدايةً، من المهم القول، إنّ انتفاضة البحرين حدث داخلي بامتياز: شكوى مريرة من الاستئثار بالسلطة وسيطرة الحكم الأحادي، وما يفرزه ذلك تلقائياً ـــــ كأي حكم دكتاتوري ـــــ من فساد وغياب للقانون وسيطرة أجهزة الأمن على القرار السياسي. وفي البحرين، يغذي ذلك تمييز يزداد رسوخاً ومنهجية ضدّ المواطنين الشيعة، الذين لا يزالون يمثلون أغلبية الثلثين على الأقل، رغم عمليات التجنيس غير القانونية التي تقوم بها السلطة.


ويعكس تجدد التوتر الداخلي، واستمراره حوالى قرن، على الأقل، مدى عمق الأزمة وديمومتها، إذ يطالب البحرينيون منذ الثلاثينات ببرلمان منتخب ونظام ينظر إلى المواطنين وفق القانون.
وأزعم أنّ الجيوبوليتيك قد تكون رسخت الأوضاع غير الديموقراطية في جزر البحرين الصغيرة، وربما تسهم في استمرارها إلى حين. وعلى الأقل، فإنّ مواصفات السلطة البحرينية، ونموذج الاقتصاد الريعي فيها، يؤجل الانتقال الديموقراطي، ويسهم المعطى الجغرافي في تأخير زعزعة بنية الدولة القبيلة. كيف ذلك؟ هنا محاولة سريعة للإجابة.
الجيوبوليتيك أو «الجغرافيا السياسية، هو العلم الذي يبحث في تأثير الجغرافيا على السياسة، أي الطريقة التي تؤثر بها المساحة، والتضاريس والمناخ في أحوال الدول والناس». وهو يهدف إلى «تفسير تطورات السياسة العالمية من منظور جغرافي. وبما أنّ المساحة الجغرافية للعالم محدودة، تتصارع الدول في ما بينها للحصول على الثروات التي تراها ضرورية لبقائها وقوتها».
تقع البحرين وسط محيط إقليمي مضطرب، لم تغادره الحروب منذ نشأت الدولة الحديثة تقريباً. في هذا الإقليم (السعودية ودول الخليج)، تحكم قبائل شبيهة بقبيلة آل خليفة التي تحتكر القرار السياسي والثروة القومية في البحرين منذ 230 عاماً. ولا ترتاح تلك الدول، بل لا تقبل حصول تحولات ديموقراطية عميقة، تحيل الشعب حاكماً فعلياً.
وتعد السعودية البحرين حديقة خلفية لها، ونفوذها فيها لا يمس، وحين شعرت بأنّه مهدد بسبب التظاهرات التي عمت المنامة بين منتصف شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين، تدخلت عسكرياً، في سابقة هي الأولى على هذا النحو الفج. ويزداد التشدد السعودي في الحالة البحرينية بالنظر إلى الخسائر التي تسجلها الرياض على صعيد مناطق أخرى. ويزيد وجود أغلبية شيعية في المنطقة الشرقية في السعودية، من التحفظ الإقليمي والغربي على التحوّل الديموقراطي في المنامة، الذي سيؤدي تلقائياً إلى زيادة النفوذ الشيعي في البحرين، بالنظر إلى الأكثرية الشيعية فيها.
ولطالما تطلع بعض الناشطين البحرينيين، ولا يزالون إلى نشاط في المنطقة الشرقية يربك الجارة الكبرى. بيد أنّ ذلك هو بالضبط ما يجعل السعودية حريصة على لجم الحراك البحريني السلمي، والمتطلع إلى آفاق تخيف الحكم السعودي. ويسهم وجود العراق ضمن المحيط البحريني، في المحصلة، في حالة من التردد الدولي في قبول تحوّل ديموقراطي جاد في البحرين. وينظر المحيط الإقليمي والإطار الغربي إلى عراق ما بعد صدام على أنّه عراق شيعي. فيما يرى بعض دعاة التغيير في البحرين أنّ العراق قادر على المساهمة في دور إيجابي في دعم الحراك المطلبي الداخلي البحريني، ودون شك، فإنّ ذلك صحيح، والتعاطف الشعبي العراقي مع الحدث البحريني يحوّله مسألة عراقية. بيد أنّ العراق المرهق قد لا يكون قادراً على أن يقدم دعماً يفوق المال والإعلام للانتفاضة الشعبية في المنامة، المحاصرة عالمياً. من دون أن ننسى أنّ العراق الدكتاتوري لم يكن يرحب أصلاً ببحرين ديموقراطية، يراها تلقائياً شيعية ومعادية. ومع ذلك، فإنّ العراق يمكن أن يؤدي أدواراً ما لتقريب وجهات النظر بين آل خليفة والمعارضة، وكذا بين ايران والسعودية، اللتين تعدان البحرين امتداداً لهما.
إذاً، فالعراق في الجوهر مكسب للحركة الديموقراطية البحرينية، ولا يمكن تجاهل وجود رأسمال بشري وسياسي وتاريخي للدولة العراقية على إرباكاتها. وفي تلك الحالة فإنّ الجيوبوليتيك تخدم الرأي العام المنتفض في المنامة، بيد أنّ كون العراق شيعياً يعزز من القلق الإقليمي والغربي من زيادة التطلعات الشيعية في المنطقة.
أما النفوذ الإيراني المتنامي إقليمياً وفي الشرق الأوسط، فإنّه يمثل هو الآخر مزيداً من القلق من وجود قرار وطني في البحرين، يظل ينظر إليه على أنّه شيعي، ذلك أنّ أيّة ديموقراطية حقيقية في البحرين، ستحيل الشيعة قوة فعلية. بيد أنّ إيران هي الأخرى تمثل داعماً للحراك الديموقراطي في البحرين...
كما يتضح، فإنّ الصراع الإقليمي يبدو محتدماً بين رؤيتي العراق وإيران، ودول الخليج بقيادة السعودية. وذلك بالضبط ما يعطي الدور الأميركي مركزية في الحدث البحريني. وتعد واشنطن لاعباً حاضراً في الخليج، وفي البحرين خصوصاً، حيث ترابط قيادة الأسطول الخامس الأميركي.
ويرى خبراء أميركيون، على نحو لافت، أنّ البحرين قد تكون أكثر أهمية استراتيجياً من القاهرة، في ظل وجود منابع النفط في الخليج والقلق الأميركي من إيران الواقعة على طول ضفته الشرقية. ويأخذ القرار الذي يرسمه البيت الأبيض عن كيفية التعاطي مع الحالة البحرينية بعين الاعتبار الصورة التي تبدو السعودية وإيران في مركزها. لذا تجد القرار الأميركي مؤيداً للسلطة البحرينية القائمة، انتصاراً للأسر الحاكمة في الخليج والحكم المطلق ضد الشعوب، وللدكتاتوريات ضد الربيع العربي، لكن أيضاً انتصاراً للسعودية ضد إيران.
ويدرك الرئيس باراك أوباما أنّ تأييداً أكثر صراحة لمطالب الشعب البحريني المشروعة قد يعدّ في الداخل الأميركي تأييداً للنفوذ الإيراني في البحرين، بالنظر إلى الثقاقة السائدة في واشنطن وغيرها، لأسباب عدة، عن وجود رابط بين إيران الشيعية، والشعب البحريني بأكثريته الشيعية.
لا يغيّر ذلك من طبيعة الإشكال الداخلي المعقد أصلاً، لكنّه يزيدها تعقيداً، حين يرتب على الجمهور المنتفض أعباءً قد تكون اكبر من طاقته، أو على الأقل تفرض عليه توسيع أفق الصراع، إقليمياً ودولياً.
إن أبرز التحديات التي تواجه الحراك الشعبي البحريني غير المسبوق هو هذا الذي يسمى في العلم الحديث «الجيوبوليتيك»، والذي يكاد يكون العامل الأكثر تأثيراً في تعطيل وصول الجماهير البحرينية إلى مبتغاها في الديموقراطية وتداول السلطة.
ماذا يفرض ذلك على الرأي العام البحريني المنتفض؟
إنّه يتطلب إدراكاً متنامياً لعقدة الجيوبوليتك، بما يحتاج إليه، من ذلك تقديم تطمينات إلى دول الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا، وكل دول العالم، عن حقيقة المواقف السياسية للشعب المنتفض، وعن أنّه يؤكد على علاقات شقيقة واستراتيجية مع الدول الخليجية، فيما المصالح الأميركية والبريطانية ستكون مصونة إذا ما كتب للقطاعات الشعبية أن تنال حقها في أن تحكم نفسها بنفسها. الوصول إلى توافق بين عائلة آل خليفة والشعب، يحتاج أيضاً إلى توافق إقليمي ودولي للدور الذي سيؤديه الشيعة في البحرين.
وإذا كان الجهد المعارض، منصباً على الداخل البحريني، واستمر في بعض خطابه غير مدرك للحساسيات الخليجية والأميركية، فإنّ ذلك يعكس عدم إدراك طبيعة الجغرافيا التي تعيق المطالب الشعبية البحرينية. ودون شك، فإنّ الأساس هو مطالب عادلة، معتدلة، منطقية، وقانونية. وحراك شعبي سلمي، مستمر، وذو نفَس طويل. بيد أنّ ذلك غير كاف لتحقيق انتصارات تاريخية، لذا يراد أن يضاف إليه جهد شعبي إقليمي ودولي يوصل الفكرة الحقيقية عن العقيدة التي تتبناها الجماهير المنتفضة على الظلم السائد.
ويجدر إبراز أنّ تلك الجماهير كما هي حقيقتها مؤمنة بالسلام والتنمية، والعيش المشترك، ومدركة لإقليمها الخليجي، العربي، الإسلامي، والتزاماتها الاستراتيجية في الأمن الدولي.
ويبدو ذلك الجهد مطلوباً أكثر بالنظر إلى أنّ السيرورة التاريخية تؤشر إلى أنّ الوضع في البحرين قادم على تغيير، ولو بعد حين، ذلك أنّ الأسس التي تبنيها العائلة الحاكمة تقوّض الحكم فيها، كما يقوّض الدكتاتوريون سلطاتهم عادة.
* صحافي وكاتب بحريني