أعادت زيارة رئيس الأركان الصيني لإسرائيل في 14 آب الماضي طرح التساؤلات المعهودة عن طبيعة العلاقات بين البلدين، ومداها وحدودها وتأثيراتها على الصراع في المنطقة، بل والأهم تأثير ذلك على العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية. ما يعزّز تلك التساؤلات هو زحمة الزيارات المتتالية لقيادات صينية عسكرية للكيان الإسرائيلي، إذ سبق تلك الزيارة زيارة مماثلة قام بها في أيار الماضي قائد البحرية الصينية، وتبعتها بشهر زيارة لوزير الدفاع الصيني. وقد سبق ذلك زيارة تاريخية لوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك للصين، في منتصف حزيران الماضي، أكد فيها التعاون العسكري والتجاري بين البلدين، موجهاً دعوات للمسؤولين العسكريين لزيارة الكيان الإسرائيلي. وقد خاطب إيهود باراك الصينيين بالقول «إنّ إسرائيل دولة صغيرة جداً، ولا سوق داخلية كافية لتكنولوجيتنا»، وهو ما اعتبره الصينيون دعوة غير مباشرة لتجاوز هواجسهم السلبية بشأن امتناع إسرائيل عن التعاون عسكرياً معهم بسبب الضغوط الأميركية.


لقد مثّلت تلك الرسالة إشارة انفراج في علاقات البلدين، بعد سنوات عجاف، بسبب الموقف الأميركي الضاغط بوجه هذا التعاون. وعلى ما يبدو، فإنّ الصينيين ــ كما عادتهم ــ لم يضيّعوا الفرصة، ويسعون الى إعادة الحيوية للتعاون العسكري مع إسرائيل.
بداية، من المفيد استكشاف موجز للدور الصيني في الشرق الأوسط. تاريخياً، كان الموقف الصيني أقرب الى الموقف العربي، متأثراً بالبعد الشيوعي في الصين. ولكن منذ بدء تحوّل السياسة الخارجية في السبعينيات، من البعد العقائدي باتجاه البراغماتية، أصبحت سياساتها أكثر واقعية، وابتعدت عن اتخاذ مواقف سياسية واضحة تجاه طرفي الصراع. وقد تأثرت تلك السياسة في فترة الثمانينيات والتسعينيات بمبيعات الأسلحة الصينية لدول المنطقة، ولا سيما السعودية والعراق وإيران التي كان التعاون النووي جزءاً أساسياً منها. وبناءً عليه، ينحصر الاهتمام الصيني في المنطقة بتأمين موارد الطاقة، وبيع السلاح، ثم لاحقاً شراء السلاح الإسرائيلي ذي القدرة التقنية والتكنولوجية العالية.
لطالما تركّزت وتمحورت العلاقات الصينية ــ الإسرائيلية حول الشأن العسكري، كما تمحورت حول النفط مع الدول العربية وإيران، إذ تستفيد الصين من التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي تنتجها الصناعات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما في مجالات أجهزة التحكم والسيطرة، والتقنيات الدفاعية الجوية، والتجهيزات البحرية، إضافة الى الخبرات العملياتية الإسرائيلية، إذ لم تخض الصين أي مواجهة عسكرية منذ السبعينيات، فيما تستغل إسرائيل الحظر الدولي على مبيعات السلاح للصين ــ الذي أعقب أحداث ساحة تيانانمين في 1989ــ لكي تجعل من بكين قبلة صادراتها العسكرية، لتحتل موقعاً رئيسياً مع روسيا في قمة لائحة الدول المصدرة للسلاح الى الصين. لطالما كانت تلك الانتهازية الإسرائيلية موضع انتقادات قاسية، ونقطة جدالية مع الأوروبيين والأميركيين على السواء.
تبرز محورية العلاقات العسكرية بين كلا البلدين من واقع أنّ التعاون العسكري بينهما انطلق منذ بداية الثمانينيات، سابقاً تطبيع العلاقات السياسية الذي تأخر الى بداية التسعينيات. إلا أنّ التعاون العسكري بينهما لم يكن خالياً من العوائق والأعباء، بل شهد أزمات عدّة، بسبب الموقف الأميركي تجاه مبيعات السلاح الإسرائيلية للصين، ولا سيما التي تشمل أسلحة عالية التقنية، وذات أبعاد استراتيجية على توازن القوى في المحيط الهادئ. أجبر ذلك الموقف الأميركي الضاغط إسرائيل مراراً على إلغاء اتفاقيات مبرمة مع الصين، ما مثّل العائق الأكبر للتعاون العسكري بين البلدين.
لقد شهد عام 2000 التوتر الأبرز بين الولايات المتحدة وإسرائيل، على خلفية نية إسرائيل بيع الصين نظام «فالكون للإنذار الجوي المبكر»، ما دفع واشنطن إلى تعليق بعض البرامج العسكرية الحساسة مع إسرائيل، خوفاً من تسريبها للصين، كبرنامج طائرات «إف 35». أجبر ذلك إسرائيل على إلغاء الصفقة، والتعهد بعدم بيع الصين أسلحة من شأنها «تهديد الأمن القومي الأميركي».
إلا أنّ الواقع الحالي يشتمل على محفزات عدّة قد تدفع إسرائيل الى إعادة تقويم جزئي لسياستها السابقة، وبثّ الحيوية في العلاقات مع الصين، أو هكذا تأمل الصين على الأقل؛ أولاً في ظل الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية، يمكن أن تمثل الصادرات العسكرية إلى الصين دفعاً للواقع الاقتصادي الإسرائيلي، لا سيما في لحظة تحوّل استثنائية، تبدي فيها بكين ميلاً واضحاً نحو تعزيز قدراتها العسكرية، كما ظهر في تدشينها لحاملة الطائرات الصينية الأولى منذ أيام. ثانياً، أصبح الدور الصيني أكثر حضوراً في قضايا الشرق الأوسط ــ لا سيما في الملف الإيراني وملف مبيعات السلاح الصيني لحزب الله وحماس كما يصرّح الإسرائيليون ــ وبناءً عليه تحتاج إسرائيل الى الاستفادة من ذلك النفوذ، خاصة في لحظة التراجع الإقليمي للولايات المتحدة.
ثالثاً، تواجه إسرائيل تحدياً مهماً في الشهر الحالي، مع سعي الرئاسة الفلسطينية للتوجه إلى الأمم المتحدة لتحصيل اعتراف بالدولة الفلسطينية، وهنا يمكن الصين أن تؤدي دوراً مؤثراً في مجلس الأمن، كما في المحافل الدولية الأخرى التي تواجه فيها إسرائيل اتهامات متزايدة بشأن مخالفة القانون الدولي وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. رابعاً، لقد دأبت الدولة العبرية على ابتزاز الولايات المتحدة من خلال صادراتها العسكرية للصين، بهدف الضغط عليها في ملفات محددة مرتبطة بالتسوية والقضايا الإقليمية، وهو ما قد تفعله مجدداً للحدّ من انتقادات إدارة أوباما لها.
إذاً، لا يمكن الحديث عن العلاقات الثنائية بين إسرائيل والصين إلا وتكون الولايات المتحدة ثالثتهما، ويمثّل الموقف الأميركي متدخلاً مؤثراً في الحسابات الإسرائيلية في علاقاتها مع بكين. من هذا المنطلق قال يورام إفرون، من مؤسسة دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في مقالة بعنوان «زيارة رئيس الأركان الصيني الى إسرائيل: تجديد العلاقات العسكرية؟»، إنّ «على إسرائيل حالياً، بخلاف الماضي عندما كانت تتجاهل التوترات بين الطرفين أو تفضّل طرفاً على آخر، أن تجد طريقاً للمناورة بدهاء بينهما». عند المقارنة بين الصين وإسرائيل، يكاد من المستحيل معرفة من منهما أكثر براغماتية وانتهازية ودهاءً، وهو ما يجعل علاقاتهما درساً مغرياً في فنون السياسة.
* باحث لبناني