أحدثت الأزمة في سوريا خللاً في العلاقات السياسيّة (وحتى الاجتماعيّة) بين التقدميّين العرب. ويُضاف هذا الانقسام إلى انقسام آخر في جسم الثقافة السياسيّة العربيّة، إذ تعسكرت الأحزاب والتنظيمات العربيّة الأساسيّة بين معسكريْن متنازعيْن: المعسكر السعودي ـــــ الإسرائيلي في مواجهة المعسكر الإيراني ـــــ السوري. وانضوت تيّارات وشخصيّات في هذا الخندق أو ذاك. لكن التقدميّين العرب، أو مَن بقي من اليساريّين الذين يستفيدون من حالة الغليان الشعبيّة العربيّة، كانوا ولا يزالون في حيرة من أمرهم. هم يعارضون المشروع الإسرائيلي بالضرورة، لكنّهم لا يرتاحون في المعسكر الإيراني ـــــ السوري لأسباب عقائديّة عميقة، كما أنّ هذا المعسكر لا يلحظ مشروع العدالة الاجتماعيّة الذي يتصدّر الهمّ اليساري، بالإضافة إلى الهم المُؤرق حول تحرير فلسطين. لم تتحرّر فلسطين بعد، لا على يد هذا المعسكر ولا ذاك. أما الإسهام الخطابي، فحدِّث ولا حرج. لكن قبل الاستمرار في الحديث، يجب التوضيح أنّ الحديث هنا يتعلّق بمواقف لقوى وشخصيّات عربيّة تقدميّة، يساريّة أو قوميّة عربيّة، لا بعثيّة، ولا يتطرّق إلى مواقف 14 آذار اللبنانيّة ورديفها السوري. هؤلاء يساريّون سابقون انضمّوا إلى رهط الليبراليّين العرب (والليبرالي العربي يميني رجعي، وإن ظهر في لباس تنكّري).

يمكن اختصار المواقف والجدالات حول الوضع في سوريا بثلاثة مواقف متميِّزة. هناك الموقف الصارم والواضح في خدمة النظام السوري مهما فعل. يتماثل ذلك الموقف مع موقف فريق 8 آذار في لبنان، وإن كان فريق 8 آذار في لبنان لا يجب أن يندرج في إطار الموقف التقدّمي، لأنّ هدف العدالة الاجتماعيّة ليس من أولويّاته أو حتى اهتماماته. كما أنّ فريق 8 آذار يضمّ قوى وفصائل موغلة في الرجعيّة. ثم هل هناك من يضع حزب البعث في خانة التقدميّة واليسار؟ ليس فايز شكر نسخة معدّلة عن ياسين الحافظ. الشبه بعيد. على العكس، فقد تولّى فريق (ما تحوّل في ما بعد إلى) 8 آذار عمليّة تدجين الحركة العمّاليّة في لبنان وقمعها، في خدمة الحريريّة، وبأمر من النظام السوري. تناوب حزب البعث والحزب القومي على السيطرة على الحركة العمّاليّة الواعدة التي شكّلت معارضة مبكّرة للحريريّة. لكن هناك من التقدّميّين من يتشرّب موقف حزب الله من النظام السوري، أو من يجترّه: أنّ النظام، مهما قيل فيه أو مهما فعل، يبقى داعماً للمقاومة وهو الذي فتح الأبواب والنوافذ أمام المقاومة من أجل مدّها بالعون الصاروخي وغير الصاروخي، قبل حرب تمّوز وبعدها. ومسألة دعم المقاومة ليست أمراً عابراً، لمن يؤمن بأنّ تحرير فلسطين من بديهيّات العمل التقدّمي واليساري. لا يمكن الاستخفاف بالدعم العسكري للمقاومة، بعدما تخلّت كل الأنظمة العربيّة عن الممارسة العسكريّة لتحرير الأرض. الإجماع العربي حول مشروع آل سعود للسلام مع إسرائيل يعني أنّ أهل المقاومة هم وحدهم. وطبيعة النظام العربي القائم، قبل الانتفاضات العربيّة وبعدها، تطرح مخاوف جديّة عن قدرة المقاومة على الاستمرار والنموّ في ظل تشكيل نظام عربي متكافل مع المحور السعودي ـــــ الإسرائيلي. فنظام المشير طنطاوي ـــــ وهو مُفترض نظريّاً، وفق نظرة السذّج فقط، أن يكون نظاماً جديداً ـــــ استمرّ في خدمة إسرائيل، وهو يقوم بواجبه لحماية حدود إسرائيل. والوفود العسكريّة الإسرائيليّة تتوالى في القاهرة كما يرد في الصحف العبريّة. أكثر من ذلك، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، في خبر لم يحظ باهتمام الصحافة العربيّة، أنّ الحكومة الإسرائيليّة طلبت من المشير طنطاوي أن يعطي أمره كي تغطّي الصحافة المصريّة عمليّة «إيلات» من وجهة نظر «معاناة» إسرائيل. وقد أطاعهم المشير الذي يطلب الإذن، مثله مثل مبارك، من السيّد الإسرائيلي كي يحرّك جنوداً في سيناء: سيناء التي يُفترض أن يكون قد حرّرها اتفاق كامب ديفيد. وتحريك الجنود في سيناء لم يكن من أجل تكريس السيادة المصريّة أو حماية حدود مصر، بل لحماية احتلال إسرائيل ومطاردة المقاومات العربيّة. هكذا يُراكم المشير طنطاوي نياشينه.
يخشى بعض التقدّميّين من إصابة المقاومة في لبنان بحصار خانق جرّاء سقوط النظام السوري. ويرفض دعاة تلك الحجّة الكلام على إمكان تغيير النظام بنظام آخر يمكن أن يستمرّ في سياسة دعم المقاومة، أو إمكان قيام نظام يفوق في دعمه للمقاومة دعم النظام الحالي (أي من بعيد وبالسرّ ومن دون نقل سياسة المقاومة إلى الجولان المُحتلّ). الفريق المذكور يرى في المؤامرة السعوديّة في المنطقة العربيّة شرّاً إسرائيليّاً تقتضي مواجهته بكلّ الطرق، حتى لو تعامل النظام السوري معه بكثير من الخفر والسريّة والباطنيّة (قبل أن يُسارع المذهبيّون المتمرّسون إلى ربط الباطنيّة والتقيّة بطوائف أو مذاهب معيّنة دون غيرها، وجب التذكير أنّ الصفتيْن من سمات الممارسة السياسيّة، شرقاً وغرباً، وليستا صفتين حصريّتين ببعض الطوائف، كما يرد في الإعلام السعودي والحريري الكريه). الحرص على المقاومة وعلى دعمها يجعل من ذاك الفريق الحليف القوي لحزب الله. ويمكن وضع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني في تلك الخانة، وإن صدر عنه كلام عن ضرورة الإصلاح في سوريا (يبدو أنّ وزير الخارجيّة الإيراني قد تخطّى موقف الحزب الشيوعي اللبناني في التشديد على ضرورة تلبية مطالب الشعب، مع أنّ النظام الإيراني ليس في موقع إعطاء دروس في هذا الصدد، وإن كانت قاعدته الشعبيّة أكبر من القواعد الشعبيّة للأنظمة العربيّة). باختصار، يرى أهل ذاك الفريق أنّ النظام في سوريا هو أفضل إنتاج ممكن للشعب السوري. لكن إحراج الفريق يكمن في أنّ طبيعة النظام ذاك، بعيدة جدّاً عن التقدميّة، كما أنّ «إصلاحات» بشار الأسد الاقتصاديّة كانت نسخة عن انفتاح أنور السادات المشؤوم.
ويزيد من حدّة موقف الفريق التقدّمي ذاك طبيعة القيادة السياسيّة للمعارضة السياسيّة. يخشى ذلك الفريق أن يؤدّي تغيير النظام إلى تصليب عود المعسكر السعودي المُتحالف مع إسرائيل، وإلى فرض حصار خانق على كلّ فصائل المقاومة في العالم العربي، بغية فرض خطة السلام السعوديّة (التي وافق عليها النظامان السوري واللبناني، حتى السيد حسن نصر الله بدا كأنّه يوافق على خطة السلام السعوديّة ضمناً، عندما قال في «يوم القدس»: «أما إقامة دولة فلسطينيّة على أراضي 67 فهي شأن فلسطيني يقرر فيه شعبنا الفلسطيني». والخوف من تغيير في طبيعة النظام الإقليمي يتعزّز، بعدما انطلقت الثورة المُضادة لتحمي ظهر مجلس التعاون الاستبدادي، وتمنع إلحاق المزيد من الخسائر ببنيان التحالف الأميركي ـــــ الصهيوني في المنطقة العربيّة. وحذر ذلك الموقف من قيادة المعارضة السوريّة يعود لتاريخ طويل من العداء بين اليسار والإخوان الرجعيّين، ويعود أيضاً لتاريخ الإخوان وتحالفاته الإقليميّة (التي مرّت بالسعوديّة والأردن وحزب الكتائب اللبنانيّة وآل الحريري ونظام صدّام حسين ـــــ وهذا فقط في التعداد الإقليمي).
الحجّة الثانية، تعارض النظام السوري من منطلق التأييد العام وغير المشروط لكل الانتفاضات العربيّة. ترفض الحجّة الثانية، أو الفريق الثاني، منطق الفصل أو التمييز بين الانتفاضات على أساس السياسة الخارجيّة للنظام المُهدّد. وهناك نزعتان بين أنصار تلك الحجّة: هناك من يرى أنّ الهوس المُبالغ فيه بالسياسة الخارجيّة للنظام السوري يجرّ إلى دعم القمع والقتل الأكيديْن من قبل النظام، وفي ذلك افتئات على مصالح الشعب السوري المقهور. النزعة الثانية لا ترى في السياسة الخارجيّة للنظام السوري، تحت شعار الممانعة، ما يكفي لدعم بقائه على طريقة دعم بعض اليسار العربي في الماضي للنظام المصري الناصري من باب تقوية الموقف العربي ضد إسرائيل. والحزب الشيوعي المصري، كما هو معلوم (وكما درسه الزميل جويل بينين في كتاباته التاريخيّة عن اليسار المصري) قَبِلَ بأن يحلّ نفسه، من أجل أن يتيح للنظام المصري الانكباب على تحرير الأراضي العربيّة المُحتلّة. طبعاً، كانت النتيجة فظيعة، إذ إنّ الأراضي لم تتحرّر، وقُمع اليسار في ظلّ النظام الناصري. أنصار تلك الحجّة بين التقدميّين يصرّون على دعم كلّ الانتفاضات العربيّة، مهما كان وبأي ثمن، ومن دون سؤال. وذلك المنطق هو الذي دفع ببعض التقدميّين العرب إلى تأييد المجلس الليبي الانتقالي، والتهليل له، بصرف النظر عن رعاية حلف الناتو، والأنظمة العربيّة الرجعيّة، له. والمنطق التقدّمي بدعم كلّ الانتفاضات العربيّة دون استثناء، ينبع من منطق قوي يصعب ردّه بسهولة أو خفّة. إذا كان الإجماع التقدّمي يعتمد على تصنيف كل الأنظمة العربيّة بلا استثناء على أساس أنّها استبداديّة، يصعب عندها الاستثناء ولو على أسس تقويم إيجابي للسياسة الخارجيّة لدولة ما. والأمر يتعلّق طبعاً بميزان تقويم السياسة الخارجيّة للنظام السوري: هل له من الإسهامات والإنجازات ما يكفي لغض النظر عن خرقه لحقوق الإنسان، أو لتسويع القتل الوحشي الجاري في أنحاء مختلفة من سوريا؟ أي أنّ المعيار يعتمد على الموازنة بين النواحي الإيجابيّة التي يعزوها البعض للنظام السوري وبين وتيرة القمع. لكن ازدياد وتيرة القمع على امتداد الأشهر الماضية أضعف منطق من يقوّي دفّة التقويم الإيجابي لسياسة ما يُسمّى الممانعة (يجوز السؤال المنطقي عن كيفيّة المواءمة بين شعار الممانعة وسياسة استجداء إسرائيل لمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة التي ينتهجها النظام السوري). يعني ذلك أنّ حجّة التقويم السلبي لسياسة الممانعة في صدد دعم الانتفاضة السوريّة الجارية قويت في الأشهر الماضية، ولم تضعف. وسياسة الدعم المطلق لكلّ الانتفاضات العربيّة جذّابة للشباب العربي التقدّمي وقد أحدثت شرخاً بين أوساط التقدميّين في لبنان، وفي مصر وفي غيرها من البلدان العربيّة. طبعاً، هناك عند بعض التقدميّين نزعة قطريّة ترفض الهم القومي المُنبِّه للخطر الإسرائيلي الجاثم.
ويناقش ذلك الموقف سياسة حزب الله في دعم النظام السوري، وإن كانت قد خضعت لبعض التعديل أخيراً، نتيجة تمادي النظام السوري في غيّه، ونتيجة إدراك الحزب لخسارته قطاعات هامّة في الرأي العام السوري، نتيجة مناصرته للنظام السوري، وخصوصاً في الحقبة الأولى من الانتفاضة. والدعم المطلق للانتفاضات من وجهة نظر التقدميّين والتقدميّات العرب يمنع المفاضلة أو المقارنة بين مختلف المعارضات العربيّة. ويصبح عليه التأييد للإخوان المسلمين في سوريا مماثلاً لتأييد حزب العمّال الشيوعي التونسي. لكن دعم المعارضات العربيّة ينطلق، في وجهة النظر تلك، من وضع مطلب تغيير النظام في أعلى سلّم الأولويّات. طبعاً، يمثّل ذلك الموقف إشكاليّة سياسية، لأنّه يؤدّي إلى دعم حركات وتنظيمات موغلة في الرجعيّة، مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر، أو الحركات السلفيّة في أكثر من بلد عربي. وتطرح تلك الإشكاليّة مسألة الرعاية الخارجيّة لبعض حركات المعارضة العربيّة. هل يخدم قضيّة الانتفاضات الدعم المُلطق للمعارضات العربيّة دون استثناء، حتى لو أدّى صعود بعضها إلى منع تحقيق مطالب الشعوب المُنتفضة؟
أما الموقف الثالث فينهج سياسة مختلفة تماماً. يعطي الشعب السوري الحق في تغيير النظام، ويدعم مبدأ قلب كل الأنظمة العربيّة دون استثناء، ويقبل الموقف الأوّل من حيث تأييد الانتفاضات العربيّة كلّها. ويعطي ذلك الموقف الحقّ باستعمال كل الوسائل في تغيير الأنظمة، لكنّه يقف موقفاً صارماً ضد التدخّل الخارجي (غير الشعبي المُناصر ـــــ وهو تدخّل محمود). إنّ المناصرة الشعبيّة للثورة الجزائريّة وحملات جمع التبرّعات، بالإضافة إلى دعم النظام المصري لها ولثورة اليمن ـــــ بصرف النظر عن الوسائل وعن الغايات ـــــ المناصرة الشعبيّة أمر، وتدخّل الانظمة الاستبداديّة أو الاستعماريّة في شؤون بلداننا أمر آخر. كما أنّ تدخّل تيّار الحريري وأدوات آل سعود اللبنانية في الانتفاضة السوريّة، لا يدخل في باب المناصرة الشعبيّة، بل هو صنو التدخّل الرجعي السعودي الخارجي، لأنّ هؤلاء ما هم إلا وكلاء عن مصالح الاستخبارات السعوديّة التي يديرها الأمير مقرن، الذي جاء بمعظم أفراد كتلة الحريري وحلفائهم في الانتخابات النيابيّة الأخيرة في لبنان. ويعتبر ذلك الموقف أنّ من حق الشعب السوري، منذ 1970، العمل بكل الوسائل لقلب نظام جاء بالقوة.
ويختلف ذاك الموقف مع الموقف الثاني الذي لا يميّز بين المعارضات العربيّة، ويجد حجّة قويّة في ضرورة دعمها كلّها من دون استثناء. يميّز ذلك الموقف بين المعارضات، ليس فقط على أساس برامجها الداخليّة في الانتفاضات من ناحية معارضة البرامج الرأسماليّة المفروضة من القوى الاستعماريّة وأجهزتها الماليّة العملاقة التي ترتبط مصالحها عضويّاً بمصالح الأنظمة الاستبداديّة في العالم العربي، بل أيضاً على أساس معارضتها أو موافقتها على مشروعيّة تدخّل القوى الاستعماريّة في العالم العربي. ميّز ذلك الموقف بين الذين أيّدوا تدخّل حلف الـ«ناتو» في ليبيا، ومَن عارضه منذ البداية (لماذا لم يشر أي من دعاة القانون الدولي في المجتمع المدني العربي إلى حقيقة ساطعة: أنّ حلف الـ«ناتو» هو الذي خرق القرار 1973 أكثر من نظام القذّافي الوحشي. فالقرار المذكور منع مدّ أي من الأطراف بالأسلحة، كما أنّه ربط بين التدخّل العسكري وحماية المدنيّين. أي أنّ قتل المدنيّين بواسطة صواريخ الـ«ناتو» لا يمكن أن يدخل في عداد حماية المدنيّين أنفسهم).
والموقف من المعارضات يرتبط بالموقف من تدخّل القوى الرجعيّة، المحليّة والعالميّة، السعوديّة والإسرائيليّة على حدٍّ سواء. وتشكيلة المعارضة السوريّة تتضمّن ما يؤثّر على تسعير الخلاف بين المواقف الثلاثة. فالمعارضة السوريّة المنظمّة ـــــ لا الحركة الاحتجاجيّة الشعبيّة ـــــ تخضع لتأثير قوي من الإخوان المسلمين. يمكن الموقف الثاني أن ينكر ذلك، لكن مجلّة «إيكونومست» الرصينة، وغيرها، تحدّثوا عن تمويل الأخوان لمؤتمرات المعارضة السوريّة في تركيّا، مثلاً. والحركة لها تاريخ عريق من الإرتهان للقوى الرجعيّة، أثناء الحرب الباردة، وبعدها. وقد اعترف الملك حسين الرجعي بتعاونه مع الإخوان في السبعينات وأوائل الثمانينات، كما أنّها تحالفت في ما بعد مع نظام صدّام حسين. والحركة حاليّاً جزء من الثورة المضادة التي يقودها الحلف السعودي القطري الجهنمي من خلال محطتيْ حلف الـ«ناتو»: «العربيّة» و«الجزيرة».
والموقف الثالث يؤيّد حق الشعب السوري في تغيير نظامه، مع الحذر الشديد من رغبة الإخوان ـــــ ومَن وراءهم ـــــ في سرقة الحركة الاحتجاجيّة من أجل تنفيذ مخطّط القوى الرجعيّة. لكن التحذير من مخططات الإخوان لا يتساوى مع قبول رواية النظام السوري عن «عصابات إرهابيّة مسلحّة» تجول على غير هدى في مختلف المدن والأنحاء السوريّة، ومن دون أي هدف سياسي (يبدو انّ قيادة الحزب الشيوعي اللبناني قبلت رواية النظام عن العصابات الجوّالة في بيان رسمي لها). إنّ التخبّط في الموضوع السوري ينبع من الكم الهائل من الأكاذيب والدعاية الفجّة في إعلام النظام، وفي إعلام الثورة المضادة. لكن الموقف الثالث لا ينكر وجود مؤامرة خارجيّة ضد النظام السوري، وإن كان يرفض ان يعتبر أنّ المؤامرة الخارجيّة تتطابق مع الحركة الاحتجاجيّة. يؤدي ذلك السيناريو إلى إختزال جائر للشعب السوري المُنتفض. لكن الموقف السعودي القطري لم يعد خافياً أو مستوراً. قد يريد البعض أن يصدّق أنّ الحكومة القطريّة والحكومة السعوديّة حريصتان بصدق على مسيرة الإصلاح السياسي في سوريا، لأنّ السلالتيْن الحاكمتيْن هناك متشرّبتان الإصلاح بالوراثة التقليديّة. وقد يريد ذلك البعض، في الموقف الثاني، أن يصدّق أنّ حسن النيّة يحكم مواقف دول الرجعيّة العربيّة المُنضوية في مجلس التعاون الخليجي. لكن هجوم الثورة المُضادة بعد سقوط النظام المصري يسلك طريقيْن إثنيْن: طريق الحفاظ على الأنظمة الملكيّة كلّها، وطريق السيطرة على عمليّة التغيير المنشود في الأنظمة الجمهوريّة من أجل لجم أهواء الجماهير، وقولبتها باتجاه يتوافق مع النظام الإقليمي الذي ترعاه السعوديّة بالإتفاق مع إسرائيل وأميركا. ويدخل الوضع السوري في نطاق حملة الحرب المذهبيّة التي قادتها المملكة السعوديّة، وبنجاح يخفى على قيادة حزب الله، بعد الغزو الأميركي للعراق.
لكن الموقف الثاني يخشى من انتقاد المعارضات العربيّة، خصوصاً السوريّة، لأنّ إعلام حركة 14 آذار السوريّة ـــــ وهي ذيل لحركة 14 آذار اللبنانيّة ـــــ يقمع أي نقد لأيّ فصيل من فصائل المعارضة السوريّة، ويعتبره خدمة للنظام. لكن التنبيه من النزعات الفاشيّة والرجعيّة والاستبداديّة لفصائل في المعارضات العربيّة واجب سياسي بالمنظار التاريخي، من وجهة نظر الموقف الثالث. هل نسي البعض أنّ حزب البعث نفسه كان في يوم ما، وفي سنوات، حركة معارضة عربيّة تتشدّق بالحريّات والتحرير؟
لم تتوضّح الصورة في سوريا بعد من ناحية الصراع على السلطة. بات المسؤولون الغربيّون يصرّحون بالنيابة عن الشعوب العربيّة، كما فعلت المفوّضة العليا في الإتحاد الأوروبي. يفتون بغياب أو وجود الشرعيّة السياسيّة لهذا النظام أو ذاك. وتفاقم القمع والقتل في سوريا سيزيد من حدّة الخلاف بين مختلف المواقف التقدميّة في العالم العربي. يبدو أنّ تأثير الانتفاضات العربيّة على الثقافة السياسيّة في العالم العربي، وعلى التشكيلات السياسيّة في مختلف الدول العربيّة، سيكون بالغ الأثر. وليس الإختلاف بين المواقف نتيجة إرتباطات خارجيّة، أو نتيجة «عناصر مشبوهة» في صفوفه، كما يُقال بلغة حزب البعث الممجوجة. على العكس، إنّ الخلاف بين التقدميّين سيساهم في بلورة اتجاهات سياسيّة جديدة قد تساعد في بلورة يسار عربي جديد ومُتجدّد.
لكن عفويّة الانتفاضات العربيّة تتعرّض للضغط اليوم. لا يُراد للشعب العربي أن يعبّر بحريّة عن عواطفه ومطالبه ومخاوفه وأحلامه. إنّ إسرائيل والثورة العربيّة المُضادة تخشيان أكثر ما تخشيان من التعبير الحرّ. لذلك، فإنّ القوى الاستعماريّة التقليديّة تسعى لفرض سياسيّي المهجر (المنتقين بعناية على طريقة اياد علاّوي وأحمد الشلبي). لكن الحماسة الشعبية في سوريا وفي كل البلدان العربيّة (باستثناء دول الخليج التي نجحت في إقامة جمهوريّات فاضلة، وفق رواية الليبراليّين العرب) تناقض محاولة التأثير الخارجي الجارية، وإن كان التقليل من حجم التدخلات الخارجيّة في الانتفاضات وضدّها ضارّ. الاحتجاجات تستمرّ والربيع العربي يقترب من خريفه، ويصله بالدماء.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)