قبل 59 عاماً، تولى مجلس عسكري مقاليد الحكم في مصر، فحوّلها من ملكية إلى جمهورية، وحقق الاستقلال الكامل عن الاستعمار البريطاني، وواجه سيطرة رأس المال والإقطاع، وحاول تلبية طموحات وآمال المصريين الذين لم يكونوا في انتظاره أصلاً، ولكنّه فاجأهم فجر 23 تموز/ يوليو 1952. واليوم، بعد ستة عقود، يتولى مجلس عسكري آخر مقاليد الحكم في البلاد. الفارق بين المجلسين، ليس فقط الأعوام التسعة والخمسين، وبغض النظر عن الخلاف في وصف ما جرى في «يوليو 1952»، سواء كان انقلاباً عسكرياً أو ثورة، فإنّ الفارق بين المجلسين يظهر أكثر وضوحاً في ما يريده ويقوم به كلاهما.

يبدو الفارق واضحاً عند النظر إلى الخطوات والإجراءات السريعة التي اتخذها الضباط الأحرار للتعبير عن توجههم وتثبيت مسارهم في الأيام الأولى بعد 23 تموز/ يوليو، بينما تمرّ الشهور على المجلس الأعلى الحالي وهو يطالب بالصبر. وجه الشبه الوحيد بين من تسلموا السلطة في «يوليو 1952» ومن آلت إليهم الأمور في شباط/ فبراير 2011 أنّ كليهما عسكري.
لا يخلو التاريخ من مفارقات ذات معنى عميق. يذكرنا الأسطول الذي يحمل مواد إغاثة لغزة المحاصرة، وتعذر وصوله لمنع اليونان مروره، بما حدث عقب 23 تموز/ يوليو. حينها، طاف «قطار الرحمة» محافظات مصر لجمع الإغاثة لفلسطين، ووقف رئيس الوزراء محمد نجيب بنفسه في وداع القطار الذي انطلق من القاهرة. كانت القواعد العسكرية البريطانية لا تزال قائمة في مدن القناة، بينما كانت خيارات الضباط الأحرار واضحة كما عبّروا عنها في أهدافهم، وهي «القضاء على الاستعمار وأعوانه». لذا، كان من الوارد أن تشنّ مصر هجوماً شديداً على ألمانيا بسبب موافقتها على منح تعويضات لإسرائيل، واعتبرت ذلك عملاً عدائياً. الفارق كبير بين هذا الموقف وقضية الغاز المصري الذي يصدّر إلى إسرائيل، وجلّ ما يمكن الوصول إليه بعد الثورة هو إعادة تسعيره إن أمكن، لا وقفه أو حتى استعادة فروق الأسعار. المفارقات لا تنتهي. فالسودان الذي انفصل جنوبه قبل أسابيع، كان من أولى القضايا التي تصدى لها الضباط الأحرار عقب تموز/ يوليو 1952، ودخلوا في مفاوضات طويلة هدفت إلى استقلال السودان وحماية وحدته. وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 1952، جرى في القاهرة التوقيع على الاتفاق المصري ــ السوداني الذي تضمن الحكم الذاتي للسودان حتى تقرير المصير، وتأليف لجنة للسودنة. يبدو أنّ مصر المستعمرة ساعتها، كان في وسعها أن تقوم بدور أكبر من اليوم، إذ يجري تقسيم السودان من دون ردود فعل. على كل حال، لم تبق مصر مستعمرة كثيراً عقب 23 تموز/ يوليو، فقد كانت قضية الجلاء من أولى القضايا التي طرحها الضباط الأحرار، لا على مائدة التفاوض كما جرى في أعقاب تموز 52، ولكن أيضاً عبر دعم الكفاح المسلح في مدن القناة ضد القواعد البريطانية. وذلك أمر يجتهد الضباط الأحرار في إخفائه، فعبد الناصر تحدث صراحة عن «شن حرب عصابات ضد الإنكليز». وعندما سئل عن جدية حديثه، قال «إذا لم تجل قواتهم عن مصر، فالتصريح قائم اليوم وفي المستقبل أيضاً». لم يكن ما قام به عبد اللطيف بغدادي في 1953 مفاجئاً، عندما أنذر السفارة البريطانية بإخلاء طريق الكورنيش، وأعطاها مهلة 48 ساعة. وعندما لم تنفذ، أمر باجتياح مباني السفارة لفتح طريق الكورنيش بالقوة، مسدداً الضربة التي حطّمت فك الأسد البريطاني. ما قام به الضباط الأحرار منذ اللحظة الأولى كان يؤكد أنّ الاستقلال والكرامة الوطنية في صدارة مهماتهم. ولم يعن ذلك بالطبع أنّهم مقدمون على إعلان الحرب، أو على إلغاء الاتفاقيات المبرمة، أو القيام بأي مغامرة من أي نوع، بل كان يعني أنّ الإرادة الشعبية التي عبرت عن عدائها ورفضها للهيمنة الاستعمارية والتبعية طوال عقود، ستكون الموجه للقرار السياسي، وليس الاتفاقيات والمعاهدات التي اضطرت أي حكومة أو نظام إلى توقيعها في وقت من الأوقات. لم يتم جلاء القوات البريطانية عن مدن القناة في ليلة وضحاها، ولكن ما استطاع الضباط الأحرار القيام به، منذ اليوم الأول، هو بدء طريق التحرر من التبعية والاستعمار. كذلك عبّروا عن موقفهم بوضوحٍ حَشَد خلفهم تأييد الشعب. ما أعلن عقب تنحّي مبارك كان مختلفاً: «مصر ملتزمة بكافة المعاهدات والاتفاقيات التي وقّعت عليها». الرسالة واضحة: لا تغيير في السياسة الخارجية، فاتفاقيات كامب ديفيد والكويز وتصدير الغاز، محل التزام نظام ما بعد مبارك. الحقيقة أنّ الإجابة جاءت بلا سؤال، فقد كان ذلك تطوعاً من طرف واحد، فيما الحديث عن استقلال القرار الوطني والحفاظ على السيادة وعدم الخضوع لأي ضغوط أو توجيهات خارجية وتفضيل إرادة الشعب، ما كان ليعني، إن قيل، إعلان حرب على أي طرف، أو خرق أي اتفاق أو معاهدة.
فارق كبير آخر يكمن في الطريقة التي وصل بها الضباط الأحرار إلى الحكم في 1952، والطريقة التي آلت بها مقاليد الأمور في مصر إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011. فالجدل بشأن ما حدث في تموز/ يوليو لا يزال دائراً: يراه البعض ثورة، ويراه آخرون انقلاباً عسكرياً، بينما ما حدث في 2011 يجمع العالم على أنّه ثورة شعبية من أهم الثورات في التاريخ. كان أكبر الضباط الأحرار الذين أطاحوا الملك برتبة جنرال «لواء»، وكان القائد الفعلي مجرد «بكباشي»، أي مقدم، وكانوا جميعاً من صغار الضباط، وأعمارهم في أوائل الثلاثينيات، بينما المجلس الأعلى الذي نقل مبارك صلاحياته إليه، بعد تخليه عن السلطة، لا يضم سوى كبار القادة. سبق وصول المجلس الأعلى إلى السلطة ثورة الملايين، واستشهاد المئات، بينما جاء الضباط الأحرار بهدوء أكثر، وعلى خلفية احتقان لم ينفجر. ورغم كلّ تلك الفروق وغيرها، حظي الاثنان بالحفاوة والتأييد نفسيهما، من جموع المصريين والقوى السياسية. حصل الضباط الأحرار على الشرعية عندما شهروا سلاحهم في وجه الملك، بينما نال المجلس الأعلى شرعيته عندما التزم الحياد أمام مشاهد الصدامات الدموية بين الثوار وقوات الأمن. وانعقدت الآمال على كلّ منهما في التصدي لما عانى منه المصريون من استبداد وقهر وإفقار. في 23 تموز/ يوليو 2011، مرّ على المجلس الأعلى للقوات المسلحة أكثر من 160 يوماً في اختبار السلطة، وهي ليست بالفترة الطويلة بالطبع. ولم يكن أحد ليتصور أنّ المجلس الأعلى يمتلك العصا السحرية التي يلبّي بها كلّ مطالب المصريين بضربة واحدة.
ما واجهه الضباط الأحرار، بعد بيانهم الذي بدأ بالعبارة الشهيرة «بني وطني»، كان يشبه، إلى حد ما، ما واجهه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد بيان مبارك الذي تلاه عمر سليمان، بادئاً بعبارة «قرر السيد الرئيس». كان الفساد مستشرياً في الواقع المصري، والاستبداد يعوق أي انفتاح سياسي، وحفنة من الملاك يستحوذون على ثروات المجتمع تحت حماية النفوذ السياسي. ورغم الفارق بين بلد تحتله القواعد العسكرية البريطانية، وبلد يوصف بأنّه حليف لواشنطن، طرح الوضعان قضية الاستقلال الوطني، بدرجات متفاوتة. كانت التركة ثقيلة في المرتين، والآمال كانت عظيمة أيضاً، والخصوم كانوا متربصين. واليوم، بعد مرور ما يقرب من ستة أشهر على تولّي المجلس الأعلى شؤون البلاد، لا يستطيع أحد الادّعاء بأنّها فترة طويلة كان يمكن أن ينجز فيها الكثير مما يطمح إليه من خرجوا ثائرين في وجه النظام المخلوع. ولكن يمكن أيضاً النظر إلى ما أنجزه الضباط الأحرار في الأشهر الستة الأولى من تولّيهم الحكم، في 1952، وحتى في الأيام الأولى بعد 23 تموز/ يوليو، وخاصة أنّ كلا منهما، الضباط الأحرار والمجلس الأعلى، جاءا إلى الحكم بلا راية سياسية محددة، حزبية كانت أو مذهبية، كذلك تحمّل كلاهما عبء أزمات صنعها نظام مخلوع. ولكن لم يتخذ كل منهما الخطوات نفسها بالسرعة نفسها، سواء على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أو على صعيد السياسة الخارجية، أو على صعيد إعمال العدالة ومحاسبة النظام المخلوع. نعم هي فترة قصيرة للغاية بالنسبة إلى أيّ نظام حكم، حتى أكثرها ثورية. قصيرة بالقياس إلى حجم المهمات والتركة الثقيلة، ولكنّها كانت تبدو كافية للضباط الأحرار ليعبّروا بوضوح وحسم عن إرادتهم وتوجّههم الحقيقي. ومهما كان الاختلاف على وصف ما جرى في 1952، وما آلت إليه الأحداث لاحقاً، ورغم الموقف من بعض ما قام به الضباط الأحرار، مثل محاكمة عمال كفر الدوار أمام القضاء العسكري، وإعدام اثنين من قادة إضرابهم، إلا أن ما قاموا به في الأيام الأولى بعد عزل الملك فاروق وطرده من البلاد، بإرادة وانحياز واضحين، يؤكد أنّ ما يفتقده المجلس الأعلى للقوات المسلحة اليوم ليس المزيد من الوقت. قبل انقضاء 72 ساعة على حركة الضباط الأحرار، كان الملك فاروق خارج البلاد. وفي 22 كانون الأول/ ديسمبر 1952، صدر قرار إسقاط الجنسية المصرية عنه، تطبيقاً لقانون الغدر. وبدأت الاحتياطات الأولى تتخذ لإعمال العدالة. من أول القرارات التي اتخذها الضباط الأحرار، منع مغادرة البلاد إلا بإذن خاص، حتى لا يهرب المطلوبون إلى العدالة. كان ذلك في 29 تموز/ يوليو، وفي اليوم التالي صدرت قائمة بأسماء الممنوعين من مغادرة البلاد. وفي اليوم السابق، كان قد أُفرج عن المعتقلين السابقين من مدنيين وعسكريين، واعتُقل في الوقت نفسه بعض رجال الملك، مثل الصحافي كريم ثابت مستشار الملك، وإلياس أندراوس مستشاره الاقتصادي. سبق ذلك الإجراء تحطيم جهاز مراقبة التلفونات الذي كان يستخدم في التجسس لمصلحة القلم السياسي والقسم المخصوص. وقبل نهاية الأسبوع الأول، كان قرار قد صدر بحل القسم المخصوص بوزارة الداخلية، وإلغاء أقسام القلم السياسي بالمحافظات. في اليوم التالي، تألفت محكمة خاصة لمحاكمة الوزراء تضم ثمانية من مستشاري محكمة النقض. تلى ذلك في الرابع من آب/ أغسطس 1952، إصدار قانون تطهير الأداة الحكومية وإنشاء لجان لتطهير الوزارات والمصالح العامة والهيئات، والبحث والتحقيق في الجرائم والمخالفات التي وقعت فيها. كذلك صدر في اليوم نفسه، قانون الكسب غير المشروع الذي ألزم موظفي الدولة بتقديم إقرارات الذمة المالية. وتألف مجلس لمحاكمة الموظفين المسؤولين عن المخالفات المالية. وبدأت التحقيقات في مضاربات السلطة لمصلحة أصحاب النفوذ. ومن ناحية أخرى، صدر عفو شامل عمّا سمّي جرائم العيب في الذات الملكية. وفي السادس من آب/ أغسطس، كان قد ألغي قانون حظر نشر أخبار القصر. تلك هي بعض الإجراءات الفورية التي اتخذها الضباط الأحرار في أقل من أسبوعين فقط. والواضح في تلك الإجراءات أنّها لم تكن تهدف إلى تطبيق العدالة أو إرضاء الرأي العام فقط، ولكنّها هدفت إلى شل النظام القديم، وحرمانه من القدرة على المواجهة، وإضعاف «فلوله» وبقاياه في أجهزة الدولة. ولكن الأهم من كلّ ذلك، أنّ تلك الإجراءات تبدو طبيعية جداً عند إطاحة أي نظام فاسد ومستبد، لمحاسبته وانتزاع أسباب قوته. ما لا يبدو طبيعياً أنّ نظاماً ثار عليه الملايين وأعمل القتل في الثوار، يُمنح رجاله الفرصة ليهربوا وينجوا من عدالة الثورة. ما لا يبدو طبيعياً أيضاً أنّ ماكينة العدالة، قضاءً وتشريعاً، التي صمّمها نظام مبارك وأحكم صنعها لحماية الفساد والاستبداد، هي نفسها التي يؤول إليها تطبيق العدالة على مبارك ورجاله. حافظ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الأجهزة الأمنية التي حلّها الضباط الأحرار في الأسبوع الأول من سلطتهم، وذلك حتى اقتحمها الثوار. وساعتها فقط صدر القرار بتغيير اسمها من أمن الدولة إلى الأمن الوطني، دون المساس بالجلادين الذين فرضوا على الشعب سوء العذاب لعقود. وتستمر جرائم شاهدها المصريون على شاشات التلفزيون، كأنّها ألغاز وطلاسم عصيّة على العدالة، مثل اصطياد القناصة للثوار، ودهس مصفحات الداخلية للمتظاهرين، وفتح السجون للمجرمين لترويع المواطنين، وحتى اغتيال ضباط الشرطة الذين رفضوا المشاركة في الجريمة، مثل محمد البطران الذي يشتبه في اغتيال الداخلية له. في المقابل، تحرك الضباط الأحرار بثقة من اليوم الأول بعد 23 تموز/ يوليو في اتجاه القضاء على نظام فاروق. لم يكن الأمر يحتاج إلى معجزة أو قدرة خارجية. فقط مجموعة من الإجراءات الاحترازية والخطوات الجادة، بينما يقدم المجلس الأعلى على نصف خطوة تحت ضغط إحدى المليونيات التي تعبّر عن نفاد صبر شعب أنجز ثورته وينتظر بعض ثمارها.
ستة شهور مرت على تقلّد المجلس الأعلى للحكم، والغموض لا يزال يكتنف المحاكمات. لم تكف 160 يوماً، ومليونيات التطهير والقصاص والغضب والمحاكمة وغيرها، لزحزحة النافذين في كبرى الهيئات الذين ولّاهم مبارك ولم تخلعهم الثورة. المسؤولون الذين اضطهدوا العمال والموظفين لا يزالون يمارسون الاضطهاد نفسه في أماكنهم، بينما تفتح المحاكم العسكرية والسجون الحربية أبوابها لعمال ومتظاهرين وفلاحين طالبوا بإحلال العدالة. كان يمكن فعل الكثير في الشهور الستة المنصرمة، على طريق العدالة وعلى طريق منع فلول النظام من الاستمرار بنشاطها. كانت بعض الإجراءات كافية لوضع عجلة العدالة على الطريق الذي يريده الشعب. كان هناك وقت كافٍ، لو أراد المجلس الأعلى كما أراد الضباط الأحرار، وفقط لو أراد.
يحتاج حلّ أزمات الفقر والبطالة إلى سنوات طويلة حتى تبدأ نتائجه بالظهور. ولكن هناك إجراءات يمكن أن تبيّن طبيعة الاتجاه الذي ستأخذه السياسة الاقتصادية في ما بعد. لم يكن الضباط الأحرار، عند وصولهم إلى السلطة على الأقل، يحملون توجهاً اقتصادياً بعينه. فلم يكونوا اشتراكيين ولا رأسماليين. ولكن كانت هناك أزمات يعاني منها المصريون، متمثلة في تركّز الثروة في أيدي حفنة من كبار الملاكين، ومعاناة غالبية الشعب من الفقر والحاجة. وكان الضباط الأحرار يشعرون بتلك الأوضاع. واتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة لا يؤدي بالضرورة إلى حل أزمات المجتمع، ولكنّه يبيّن نية حسم السلطة وجديتها في هذا الاتجاه. ما قام به الضباط الأحرار في الأسابيع الأولى من توليهم السلطة عَكَسَ ليس فقط الجدية ولكن أيضاً الإرادة التي تحلّوا بها لمعالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ففي الأسابيع الأولى من تولّي الضباط الأحرار السلطة، كانت قضيتا الضريبة التصاعدية وتحديد الملكية الزراعية مطروحتين للمناقشة، وأقرّ بالفعل تحديد الملكية الزراعية بمئتي فدان، رغم المعارضة الشديدة التي وصلت إلى حدّ المقاومة المسلحة، من جانب كبار الملاكين. وبموجب ذلك، صودرت أراضي 111 من كبار الملاكين، من الملك وعائلته. وتلى ذلك قرار بحل الأوقاف، وتوزيعها على المستحقين، وتطبيق قرارات تحديد الملكية عليها، في ما عدا الأوقاف الخيرية. وسبق ذلك إلغاء الرتب والألقاب، وهو الإجراء الذي حمل إشارة إلغاء التمييز والتفاوت، حتى ولو لم يكن له مردود اقتصادي مباشر. الموازنة التي صدرت في آب/ أغسطس 52، تضمنت خفض نفقات الديوان الملكي من 800 إلى 500 ألف جنيه، إضافة إلى خفوضات أخرى في المصروفات السيادية. وقبل انتهاء أيلول/ سبتمبر، كان مشروع إقامة مجمع للحديد والصلب مطروحاً أمام السلطة، لتدخل به مصر عصر الصناعة الثقيلة. وفي مطلع تشرين الاول/ أكتوبر، تألف المجلس الدائم للإنتاج لتطوير الصناعة. وبعد مرور ثلاثة أشهر، كان الضباط الأحرار يضمّون قصر الزعفران الملكي إلى جامعة عين شمس، كما سبق أن ضُمّ المقر الصيفي للحكومة بالإسكندرية إلى جامعة الإسكندرية، ضمن قصور أخرى خصصت للمنفعة العامة. كذلك تقرر تخصيص سيارة شعبية واحدة لكل وزير، وبيع السيارات الفاخرة التي تملكها الدولة بالمزاد. في الفترة نفسها، صدرت ثلاثة قوانين عمالية متعلقة بعقد العمل والنقابات والمنازعات العمالية. وكان قرار بوضع حد أدنى لأجر العامل الزراعي قد صدر بقيمة 18 قرشاً يومياً، وهو ما يساوي بحسب دراسة للخبير الاقتصادي أحمد النجار 2000 جنيه شهرياً اليوم. وأُلفت لجنة لبناء 750 ألف منزل للفلاحين. وبدأت في الفترة نفسها دراسة إنشاء السد العالي لتطوير الزراعة وتوليد الكهرباء. تلك الإجراءات وغيرها مما أقدم عليه الضباط الأحرار منذ الأيام الأولى لتوليهم الحكم، لم تكن لتحدث تغييرات فورية في حياة المصريين التي تدهورت عقوداً، ولكنّها كانت رسالة قوية وواضحة للمجتمع المصري، مفادها أنّ الذين يجلسون في السلطة يعرفون ما يعانيه الشعب، ويعملون على رفع المعاناة. الرسالة التي وصلت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم تكن بالقوة نفسها، ولا حتى المضمون نفسه. فرسالة السلطة الجديدة في مصر كانت الاستمرار بسياسات السوق نفسها التي انتهجها النظام المخلوع، ورفض الحديث عن إعادة تأميم الشركات التي بيعت بصفقات فاسدة، ورفض تطبيق الضرائب التصاعدية على الدخل. وعندما وضعت موازنة تضمّنت ضريبة على الأرباح الموزعة والدمج والاستحواذ، جرى التراجع عنها سريعاً تحت ضغط رجال الأعمال، ثم وضعت موازنة تقشفية يدفع فيها الفقراء ثمن عجز الموازنة الذي لم يصنعوه. ورغم دفع ربع مليار جنيه تعويضات لملاك الأسهم في البورصة، لتعويضهم، جرى تجاهل تعويض الفقراء، وتأخّر تعويض شهداء الثورة ومصابيها شهوراً طويلة، حتى انتفض أهاليهم.
الفارق بين ما أنجزه المجلسان في 160 يوماً على صعيد القضايا الاجتماعية والاقتصادية ليس فارقاً كميّاً يعالجه المزيد من الوقت، بل هو فارق في التوجه بين الضباط الأحرار الذين تصدّوا لقضية التغيير، والمجلس الأعلى الذي تصدى لإنقاذ ما بقي من نظام أطاحته الثورة.

* صحافي مصري