البداية كانت في أوكلاهوما



مارك سينغر*
حين ظهرت أولى صور تفجيرات أوسلو على المواقع الإلكترونية ـــــ قبل الكشف عن أنّ هناك مذبحة في أوتويا، وأنّ ما حصل ليس عملاً جهادياً، بل قام به شخص اسكندينافي يميني متطرف مناهض لتعدد الثقافات ومهووس بالمسدسات ـــــ تأخرت في تقدير الموقف، بعد أن رأيت تحديداً صورة الدخان المتصاعد من مبنى وزارة النفط ذي الطبقات الست. لم يبدُ الدمار كبيراً، لكن واجهة المبنى والحطام على الأرض، أعادا إلى الذاكرة صور مبنى ألفرد بي. مورا في أوكلاهوما سيتي في 1995.
الكثيرون غيري راودهم الشعور نفسه، بالطبع، وحين عرف أنّ المنفذ هو إرهابي محلي، بدأت التعليقات التي تتحدث عن الشبه المنهجي والإيديولوجي بين أندريس برييفك وتيموثي ماكفاي. لاحقاً، لم يعد أحد يتناول الموضوع بعدما تبيّنت حقيقة برييفك وما يمثله، إلى جانب نرجسيته الكبيرة. فلنتذكر قليلاً ما حصل من قبل.
في 2001، قبل ثلاثة أشهر تماماً من أحداث 11 أيلول، مات تيموثي ماكفاي بواسطة حقنة قاتلة في سجن «تير أوت»، وكان ذلك أول إعدام فدرالي منذ 38 عاماً. (أذكر أني كتبت آنذاك عن تأجيل الموعد الأول الذي أحزن ماكفاي، فهو كان متحمساً لما سماه «الانتحار الفاخر بواسطة شرطي»). كان تفجير أوكلاهوما سيتي قد حصل بعد سنتين وبضعة أشهر من أول تفجير يستهدف برج التجارة العالمي، وكتبت آنذاك أنّه «لم يزل الغبار بعد وبدأت الأصابع تشير بالاتهام إلى الشرق الأوسط، أي إلى «هم» وهي كلمة واسعة وغامضة». لكن ما كان مؤثراً هو اكتشاف أنّ مبنى ألفرد بي. مورا تعرض للتدمير بعد سنتين بالضبط من المواجهة المسلحة في مدينة واكو في تكساس مع المنظمة المسيحية المتطرفة «فرع دافيديان»، وتبيّن أنّ منفذي الاعتداء هم منّا، وليسوا «منهم». وهو ما حدث في النروج بالضبط.
قبل أيام من موعد إعدام ماكفاي الأول، الذي تأجل، أخبرني معالجه النفسي، الدكتور جون سميث، الذي حرره ماكفاي من السريّة الطبية، أنّ المتهم ارتكب جريمته الجماعية «وهو واعٍ كلياً» لما كان يفعله، وأنّه كان «ذا أهلية، مكتئباً، ولكن ليس مضطرباً». قال سميث، واصفاً شعور ماكفاي وهو يخبر الطبيب عما فعله، إنّه «ذكرني بتلميذ ثانوي نجح مشروعه العلمي». قيل إنّ برييفك، صرف سنوات وهو يجمع ستة أطنان من السماد الزراعي، نيترات الأمونيوم، (أي ضعف ما استخدمه ماكفاي من وقود في قنبلته في الشاحنة التي فجرها في 1995)، وفي تصفية بودرة الأسبيرين كي تصبح أكثر قدرة على الاشتعال.
حين كان طفلاً، انغمس ماكفاي في الكتب المصورّة وأبطالها، للتخلص من الخوف الذي كان يلازمه ليلاً بسبب أصوات والديه اللذين يتشاجران في الغرفة الملاصقة لغرفته. كان ضعيفاً في المدرسة، ويضربه زملاؤه. عرّفه جده لوالده بالمسدسات في عمر صغير، وكان ذلك درعه النفسي. حين كبر، أصبح لديه مخاوف أخرى، عززتها نصوص يمينية متطرفة مثل «مذكرات ترنر»، فاقتنع بأنّ الحكومة الفدرالية تريد حرمانه مسدساته. النتيجة المباشرة كانت موت 168 شخصاً.
لكنّ ماكفاي لم يطلق النار على أحد. لا نسبية أخلاقية هنا، فحقيقة أنّ برييفك تنكر بزيّ شرطي، وصرف تسعين دقيقة يطارد ويقتل 68 شخصاً بواسطة أسلحة فيها رصاصات متفجرة، تبرهن أنّه كان يعرف ما يفعله بضحاياه. وكانت له رؤية تاريخية أعمق من ماكفاي. فهو، على ما يبدو، خطط للاعتداء لعقد كامل، وتحدث المانيفستو الخاص به الذي يبلغ 1500 صفحة عن حضارة أوروبا المسيحية المطهرة عرقياً بحلول 2083. بغض النظر عن مستوى العمل، فقد كان مفكراً أخذ وقته في صياغة آرائه.
كلّما وصلتنا معلومة جديدة عن برييفك ـــــ عن عاداته ومصادر تبريراته المثيرة للغثيان ـــــ أصبح من الصعب تصنيفه. هو يعترف بدون ندم، بالقيام بأفعال أدت إلى ألم وحزن شديدين، ثم يقول إنّه «بريء». حين يتخطى أمر رهيب قدرتنا على فهم طبيعي لما يحصل حولنا، نسعى إلى الاحتماء بعدم فهمنا الخاص. حين نواجه بأعمال عنفية كبيرة، نلجأ إلى لغة («وحش»، «شرير») تظهر من قام بتلك الأمور أنّه ليس إنساناً. تلك هي أكثر من كلمات، لكنّها للأسف لا تعلمنا شيئاً.
في سعيه إلى التخفيف من هول ما حصل، قال محامي برييفك، غير ليبستاد، إنّ موكله مجنون: «هذه القضية كلّها تبيّن أنّه مجنون». في نظام العدالة الأميركي، الدفع بالجنون ـــــ الذي تم قُيِّدت بعض جوانبه منذ تبرئة جون هينكلي الذي أطلق في 1981 النار على رونالد ريغان ـــــ ينتفي إذا استطاع الادعاء البرهنة على أنّ المتهم كان يعرف ماذا يفعل. لا أعرف كيف تجري الأمور في النروج، ولا يمكن أحداً إعطاء تصنيف واضح لبرييفك، لكن عبارة «فقد عقله» ليست صحيحة.
مثل ماكفاي، يرى برييفك نفسه محارباً، وما هو مشترك بين الاثنين هو أنّهما قاما بعمل غريب. كتابات برييفك ـــــ رغم أنّها تعبر عن غروره وقراءاته الخاطئة ـــــ مترافقة مع مخاوفه ونظرته إلى نفسه، كلّها سخيفة. قال ليبستاد: «لا يمكنني وصفه؛ لأنّه ليس مثل الجميع». رغم أني اتعاطف مع المحامي، لكنّه يريد من تلك العبارة أن تكفي كتفسير لما لا يمكن تفسيره. لكنّ الأمر ليس بتلك السهولة؛ لأنّه ليس بتلك السهولة. الأدلة، وتحديداً تأثير زملاء برييفك في الفضاء الإلكرتوني المعادي للإسلام عليه، تؤكد لنا أنّه يمكن أن يكون أي شيء، ما عدا أن يكون انعزالياً مجنوناً.
* عن مجلة «ذا نيويوركر»

بن لادن المسيحي



روجر كوهين*
يعتقد البعض أنّ أندرس بيرينغ برييفك، المسؤول عن أكبر مجزرة يرتكبها شخص واحد في العصور الحديثة، هو مجرم مضطرب نفسياً ومنعزل. فهو يبلغ من العمر 32 عاماً، متعلق جداً بوالدته، ولا تواصل له مع والده، مهووس بالألعاب الإلكترونية (لعبة دراغون آيج 2)، يهتم بشكله الخارجي ويقضي وقته في عزلة يزيد فيها حقده، ويجمع قنبلة، مكوناتها الأسبرين المسحوق، والأسمدة الزراعية.
لقد رأينا ذلك من قبل، حين أطلق جاريد لوفنر النار على النائبة غابرييل غيفوردز بداية العام في توسكون في ولاية أريزونا ـــــ بعدما استهدفت سارة بالين صورة غيفوردز بوضعها أسلحة عليها، وتوقعت النائبة «أن يكون هناك نتائج لذلك» ـــــ سعى اليمين، بكل قواه، إلى تصوير لوفنر على أنّه انعزالي مصاب بانفصام في الشخصية، ولا علاقة لعالمه المجنون بهؤلاء الذين يروّجون الكراهية تحت شعار «استرجاع أميركا». (الاسترجاع ذاك سيكون بالطبع من المسلمين وأشباه غيفوردز، الليبرالية اليهودية).
برييفك ليس انعزالياً. لقد نما عنفه في بيئة أوروبية محددة، تتشارك خصائص معيّنة مع بيئة لوفنر الأميركية الخاصة: فهي تتمتع بتراجع اقتصادي نسبي، تعاف اقتصادي لا وظائف فيه، قلق يشوب الطبقة الوسطى يترافق مع ارتفاع في نسبة الهجرة، مما يؤجج الرهاب من المسلمين، ويشجع على استخدام شبح «السيطرة الإسلامية» الكاذب، كقضية سياسية لا علاقة لها بالموضوع، وذلك من أجل توجيه الإحباطات لخدمة اليمين.
في تعليق له بتاريخ 11حزيران الماضي من المانيفستو الخاص به (1500 صفحة)، كتب برييفك: «لقد صليت للمرة الأولى منذ زمن طويل اليوم. فسرت لله أنّه إذا لم يكن يريد للتحالف الماركسي ـــــ الإسلامي والسيطرة الإسلامية المؤكدة على أوروبا أن ينهيا النصرانية الأوروبية، خلال المئة عام المقبلة، فيجب عليه أن يسعى كي يربح المحاربون الذين يقاتلون من أجل الحفاظ على النصرانية الأوروبية». بعد يومين، اختبر قنبلته ذات الصنع المنزلي: «بوم! كان التفجير ناجحاً».
النصرانية الأوروبية في هذا السياق هي انعكاس للخلافة المثالية لدى أسامة بن لادن. هي قضية عالم خيالي يجري عبرها تجنيد الجموع من أجل حرب، تذكر بيوم القيامة، ضد العدو «الكافر» الذي يفترض أنّه يهدد أراضي، وأخلاق، وثقافة جماعة متخيلة، من المؤمنين الورعين.
أوروبا المسيحية تلك ـــــ وهي قارة علمانية بأغلبها، لأسباب لا تتعلق بزيادة الوجود الإسلامي ـــــ هي خيالية كإعادة الخلافة الإسلامية من القرن السابع. حرض بن لادن على «الغزاة الصليبيين». برييفك شارك في اجتماع في 2002 لإعادة تأسيس فرسان الهيكل، وهي جماعة عسكرية صليبية. تلك أمور موجودة في الألعاب الإلكترونية ـــــ لكنّها تقتل مراهقين من كلّ الأديان.
ما أصبح واضحاً في أوسلو وجزيرة أوتويا هو أنّ الكراهية اليمينية المناهضة للإسلام الموّجهة ضد ليبراليين «متعددي الثقافات» قد تكون على مستوى خطر سمّ القاعدة نفسه، الموجّه ضد الكفار. لقد قتل برييفك وحده أشخاصاً أكثر مما قتل الانتحاريون الإسلاميون الأربعة في تفجيرات لندن في 7 تموز 2005.
لدى برييفك أصدقاء إيديولوجيون كثر، على ضفتي المحيط الأطلسي. السم الذي استقى منه كرهه الإجرامي، يعود إليهم. من هؤلاء غيرت فيلدرز في هولندا، الذي شبّه القرآن بكتاب «كفاحي» وهو في طريقه لكسب 15.5 في المئة من الأصوات في الانتخابات التشريعية الهولندية في 2010. كذلك، مارين لوبن، التي تبرز يوماً بعد يوم، وهي تستخدم تشبيهات نازية اثناء إغداقها الاحتقار على المسلمين الورعين، كما هناك الأحزاب اليمينية المتطرفة في السويد والدانمارك وبريطانيا، أحزاب تربط كل مشكلة بالهجرة الإسلامية. ولا ننسى الجمهوريين من أمثال رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش، والنائب بيتر كينغ، اللذين اعتقدا أنّ الانتهازية السياسية تسمح لهما باستهداف «الشريعة الإسلامية التي تجتاح الولايات المتحدة»، رغم أنّ الاسم الثاني لرئيس البلاد هو حسين. كذلك هناك القساوسة الأميركيون الذين يستخدمون منابرهم للترهيب، أسبوعاً وراء آخر، للقول إنّ أميركا بلد مسيحي، يتعرض لخطر الإسلام الداهم.
لم يقم المسلمون، خلال العقد الماضي، بما يكفي من أجل التنديد بمن أساؤوا إلى ديانتهم باسم الإجرام الجهادي. هل ستندد المجموعات الأوروبية والأميركية المعادية للهجرة التي تعاني رهاب الإسلام بما فعله برييفك باسم أيديولوجيتهم؟ أشك في ذلك. سنسمع الكثير عمّا فعله شخص انعزالي.
لقد رافقت الهجرة الإسلامية في أوروبا مشاكل اجتماعية جمّة، خلال العقود الماضية، وذلك أكثر مما حصل في الولايات المتحدة، الأكثر انفتاحاً. هناك الكثير من اللوم يقع على الجميع. واجه المهاجرون في حالات عدّة، عنصرية ونبذاً. قيم الإسلام كدين حيال النساء، الزواج والمثلية الجنسية، وكذلك حيوية الدين نفسه، أزعجت أوروبا العلمانية، لكنّ ذلك ليس تعميماً، إذ هناك العديد من حالات الاندماج الناجحة، إلّا أنّ الصورة مخيفة، رغم ذلك.
لكن لا شيء يمكنه إعطاء العذر لانتشار التغاضي عن العنصرية تجاه الإسلام، عنصرية كانت مخصصة لليهود في أوروبا في السابق، وخصوصاً في نهاية الأسبوع التي شهدت موت آيمي واينهاوس. وهي فتاة يهودية من شرق لندن، كانت مهارتها ستعدّ في الماضي حثالة «كوزبوليتانية» منحطة، من قبل يمين أوروبي عنصري ومجرم. الطريقة الأمثل لتذكر واينهاوس هي في مواجهة العودة الأخيرة للتعصب الأوروبي القاتل.
* عن صحيفة «نيويورك تايمز»

حصرية العنف



غلين غرينوالد*
خلال معظم يوم الجمعة الماضي، كان «مانشيت» الصفحة الأولى على موقع صحيفة «نيويورك تايمز» يوحي بأنّ مسلمين يقفون وراء الاعتداءات على مدينة أوسلو. أدى ذلك إلى تصريحات حاسمة على شاشة «بي بي سي» وغيرها، بشأن مسؤولية مسلمين عن الهجومين. كذلك، كتبت جنيفر روبن، في صحيفة «واشنطن بوست»، عموداً يعتمد على تأكيد أنّ مسلمين كانوا المسؤولين، وبقي العمود حتى اليوم، على موقع الصحيفة، بلا تصحيح أو تحديث، كما لاحظ الصحافي جيمس فالوز من مجلة «ذا أتلانتيك»، كذلك يبدو تصريح الرئيس أوباما صباح ذلك اليوم كأنّه يفترض، رغم أنّه لم يعلنها صراحة، أنّ منفذي الهجوم مجموعة إرهابية دولية. فهو قال: «هذا تذكير بأنّ المجتمع الدولي بأسره مسؤول عن منع حدوث ذلك النوع من الإرهاب». وأضاف «يجب علينا أن نعمل ونتعاون في الأمور الاستخبارية، ومن أجل منع تلك الاعتداءات الرهيبة».
لكن يتضح اليوم أنّ المنفذ لم يكن مجموعة إسلامية متطرفة على الإطلاق، بل إنّه قومي نروجي يميني، ذو تاريخ طويل في كراهية الإسلام، ومعجب بالمدوّنات الأميركية المعادية للإسلام، مثل مدونة دانيال بايبس، و«Atlas Shrugged» لبام غيلر، و«جهاد واتش» لروبرت سبنسر. ورغم ذلك، تعمل «نيويورك تايمز» جاهدة من أجل إلصاق بعض اللوم، ولو على نحو نهائي، بمتطرفين إسلاميين. فكتبت:
«يقول خبراء في الإرهاب إنّه حتى لو جزمت السلطات بعدم تورط الإرهاب الإسلامي في اعتداء الجمعة، فالمسؤولون عن الهجوم يحاولون تقليد عنف القاعدة وطريقتها في الاعتداءات المتعددة». «لو تبيّن أنّ المسؤول لديه دوافع سياسية أكثر، فسيتضح أنّ تلك المجموعات تتعلم مما ترى القاعدة تفعله»، قال براين فيشمان، وهو خبير في مكافحة الإرهاب في مؤسسة أبحاث «نيو أميركا فاوندايشن» في واشنطن».
إذاً، إذا تبيّن أنّ المنفذين ليسوا مسلمين (لكن هم أشخاص يملكون دوافع سياسية، مع التلميح المبطن، حين يجري الحديث عن دوافع سياسية، بأنّ الإسلاميين المتطرفين دافعهم ديني، لا المظالم السياسية)، فهذا يعني أنّ الإرهاب، بتعريفه «ليس موجوداً» في تلك الحالة. (قد يظن المرء أنّه كلما كان العمل العنفي ذا دوافع سياسية استحق اكثر لقب «إرهاب»، لكن ما يحصل يبرهن أنّ تعريف كلمة إرهاب اليوم أصبح «عنف إسلامي»). النسخة الأخيرة من مقالة «نيويورك تايمز» تحشر كلمة «إسلامي» قبل «إرهاب» (حتى بعد إثبات السلطات أنّ الإرهاب الإسلامي لا يقف وراء الحادث)، وأصرت على الحفاظ على الإشارة إلى أنّه فقط المسلمون يمكنهم أن يكونوا إرهابيين. وفي العالم الحقيقي، من بين 294 اعتداءً إرهابياً حصل على أراضي القارة الأوروبية في 2009، واحد فقط يقف وراءه «إسلاميون».
تنظيم القاعدة هو الملوم دوماً، حتى لو لم يكن مسؤولاً، حتى لو كان المسؤول أوروبياً، اسكندينافياً، قومياً، يمينياً يكره المسلمين. بالطبع، قبل وجود القاعدة، لم يكن أحد يفكر في تفجير القنابل في المؤسسات الحكومية أو إطلاق النار على نحو غير تمييزي على الناس، لدواع سياسية. ترجح «نيويورك تايمز» أن يكون المتهم، أندرس برييفك، قد استخدم نيترات الأمونيوم في صنع القنبلة، لأنّه يملك مؤسسة تعنى بأمور زراعية، ولديه بالتالي قدرة على الوصول إلى تلك المواد. وتضيف الصحيفة إنّه بالطبع لا أحد كان سيفكر في استخدام تلك المادة لصنع قنبلة عملاقة لولا القاعدة. كل ذلك يبرهن مرة أخرى أنّ الإسلام المتطرف هو تهديد كبير.
ثم نقع على مقطع في الصحيفة يفسر لماذا تصرفت الصحيفة على هذا المنوال: «ركزت التقارير الأولية على احتمال ضلوع إسلاميين، وخصوصاً أنصار الجهاد العالمي، التنظيم الذي نقل بعض المحللين مسؤوليته عن الاعتداءات. قال مسؤولون أميركيون إنّ المجموعة غير معروفة، وقد لا تكون موجودة أصلاً. لكن كان هناك سبب مبرر للقلق بشأن تورط إرهابيين». بعبارات أخرى، تقول الصحيفة إنّه ما دمنا قد أصبحنا نعرف الآن أنّ المنفذ ليس مسلماً، فنحن بالتالي نعرف أنّ الإرهابيين غير مسؤولين. على العكس، حين اعتقدنا أنّ مسلمين نفذوا الاعتداء، كان يعني ذلك، تعريفياً، أنّه عمل إرهابي. وكما يقول الصحافي ريتشارد سيلفرستاين:
«أيمكن ان تفسروا لي ذلك؟ هل الإرهابيون الوحيدون في العالم هم مسلمون؟ لو كان الأمر كذلك، فماذا نسمي قومياً يمينياً، يستطيع رزع قنابل كبيرة وقتل العشرات من الأشخاص من أجل مجد قضيته؟ اذا كانت صحيفة ليبرالية مثل «نيويورك تايمز» لا تستطيع تسمية هذا الإنسان إرهابياً، فماذا يمكننا القول عن عقلية العالم الغربي؟».
ما يقوله هو أمر رأيناه يتكرر كثيراً: لا معنىً موضوعياً للإرهاب، وأصبح يعني في الخطاب السياسي الأميركي، على الأقل، العنف الذي يرتكبه مسلمون يكرههم الغرب، مهما كان السبب أو الهدف. بالفعل، في العديد (لا كلّ) من الأوساط الإعلامية، تحوّل النقاش في اعتداءات أوسلو إلى نقاش عقيم بين من يقول «هذا عمل إرهابي» (حين كانوا يظنون أن مسلمين يقفون وراءه) و«ما حصل ليس إرهاباً، بل تطرف» (بعدما اتضح أنّه لا دور لمسلمين فيه).
لقد جرت البرهنة مراراً على أنّ الإرهاب لا يعني سوى العنف المرتكب من جانب مسلمين يكرههم الغرب، إذ حين اصطدمت طائرة بمبنى الضرائب في أوستن في ولاية تكساس، أُعلن فوراً عن عمل إرهابي، حتى تبيّن أنّ المعتدي هو مواطن أميركي، أبيض، غير مسلم، وناشط مناهض للضرائب، يعاني مظالم سياسية محلية متلاحقة. وفق تعريفها الخاص، لا يمكن الولايات المتحدة وحلفاءها، القيام بعمل إرهابي حتى حين يكون مسلّماً به أنّ العنف الذي تمارسه هو لترهيب المدنيين للخضوع لها، لكن حين يهاجم مسلمون أهدافاً عسكرية بحتة ـــــ حتى لو كان الهدف جيشاً يجتاح بلادهم ـــــ فهم بالتعريف، إرهابيون.
لذلك، كما برهن الأستاذ في جامعة نيويورك، ريمي برولين، فإنّ كلمة إرهاب هي أكثر كلمة بدون معنى، وبالتالي متلاعب بها في اللغة الإنكليزية كلّها. لقد قدمت أحداث يوم الجمعة مثالاً فاقعاً على ذلك.
سؤال أخير: إذا اتضح، كما بيّنت الأدلة الأولية، أنّ برييفك فعل ما فعله «بوحي» من كتابات المتطرفين الذين يحثون على الكراهية، مثل غيلر، بايبس وأصدقائهما، فهل ستُعدّ مجموعاتهم إرهابية، وبالتالي، هل سيُعدّ أيّ تورط معهم بمثابة تقديم مساعدة مادية إلى الإرهاب، وهو جريمة؟ هل سينال هؤلاء المتطرفون المثيرون للجدل، الذين يحثون على الإرهاب، المعاملة نفسها التي لقيها أنور العولقي، وتوضع أسماؤهم على لائحة القتل، دون تردد؟ هل سيحظى الرجال الفارعو الطول، الشقر، ذوو الملامح الاسكندينافية، بالتفتيش نفسه في المطارات والأماكن الأخرى، وهل سيُوضَع المتورطون مع اليمين المتطرف، الكارهون للإسلام على لوائح منع الطيران السريّة؟ أم أنّ الإجراءت غير القانونية، القمعية والمتطرفة (مثل كلمة إرهاب)، ستكون مخصصة حصرياً للمسلمين؟
* عن موقع www.salon.com الإخباري