وحده الاستعجال أو التسرّع يمكن أن يحسم بشأن مسار ومآل المخاض الذي يعيشه العالم العربي حالياً. الانتفاضات أو الثورات أو الاحتجاجات الراهنة هي ثمرة تفاعل جملة ممتدة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في كلّ بلد، وفي النطاق الإقليمي، وعلى المدى الكوني الأشمل. وهي بهذا المعنى، ليست ناجمة عن عامل واحد، وإن كان دور العوامل المؤثرة ليس ثابتاً بين حالة وأخرى، وحتى بالنسبة إلى الحالة الواحدة، ما بين بداياتها والنهايات. بكلام آخر، لم تحصل تلك التحرّكات نتيجة قرار اتخذه فريق بعينه، محلي أو خارجي، ويمكنه، في وقت من الأوقات، أن يقرّر العكس، أي أن يقرّر إيقاف الثورة أو الانتفاضة أو الاحتجاج، وأن يقرّر، بالتالي، عودة الحياة إلى طبيعتها، بعدما تحقق له من الأهداف الخاصة أو العامة التي كان يصبو إليها.


لا يمكن، بالطبع، اكتشاف انطلاق حقبة «الربيع العربي» من خلال مواقف وأدبيات المتضرّرين: أنظمة كانوا أم مستفيدين من هذه الأنظمة أم مؤيدين لها. ولا يمكن أيضاً الركون إلى استنتاجات مدّعي حماية الحقوق والحريات في العالم: أولئك الذين يزعمون النطق باسم «المجتمع الدولي» أو الرأي العام العالمي... ولا يمكن حتماً وخصوصاً، التفتيش عن الحقيقة والأسباب في خطب الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي وقعت على عاتق موهبته الخطابية مهمة تبييض وجه السياسات الأميركية لدى ضحايا ارتكاباتها واعتداءاتها وإجرامها ونهبها وتعسّفها في أربع أرجاء الدنيا.
إنّ ما جرى ويستمرّ من تحرّكات احتجاج كبيرة أو صغيرة، محدودة أو واسعة، تشبه الانتفاضة أو تقارب الثورة، إنما هو تعبير عن «حتمية تاريخية» تغطّي مراحلها تاريخ البشرية المديد والمتعرّج، ولكنّ الذاهب عموماً، وفق خط تصاعدي، نحو حرية وتقدّم الإنسان، ونحو تعزيز وتكريس مكاسبه، ونحو زيادة وتعظيم إنجازاته، ونحو بناء لبنات جديدة في صرح حضارته على هذا الكوكب الفريد في هذا الكون العجيب...
في ديالكتيك الفيلسوف الألماني هيغل يفضي التراكم الكمي إلى تحوّل نوعي. كارل ماركس الذي «أوقف ديالكتيك هيغل على قدميه بعدما كان واقفاً على رأسه» وفق تعبيره، يرشدنا، من خلال الديالكتيك في المجتمع، إلى «سرّ» اندلاع الانتفاضة والثورة فجأة، بعدما كانت غير متوقعة. أما لينين، فقد حاول تقليص عامل «الصدفة» لمصلحة «الضرورة» عبر الحزب ذي النظرية الثورية والتنظيم القادر. لكنّ الحزب حسب لينين، يحتاج مع ذلك، إلى حكمة القيادة لمعرفة متى «يكفّ المحكومون عن القدرة على تحمّل الحاكم، ومتى يعجز الحاكم عن القدرة على الاستمرار في الحكم»، فتولد «اللحظة الثورية» لتحقيق انقلاب تاريخي وتغيير جذري. لا نريد أن نطلق الأحكام، لأنّ التاريخ لم يرحم أولئك الذين أطلقوها وظنّوا أنّهم قالوا الكلمة الحاسمة والنهائية. لقد اتّسعت تجارب التغيير والثورة للعديد من النماذج، لكنّها استعصت على المطلقات التي يمكن أن تتكرّر وتتأبّد في كلّ الأمكنة والأزمنة. أكثر من ذلك، فقد تولى «التاريخ» نفسه، تصويب بعض الأخطاء والمبالغات التي لم يصوّبها أصحابها بأنفسهم، فسقطت بنى وهياكل ومنظومات، كان يُظنّ، لفترة طويلة، ومن قِبل خصومها قبل أصحابها، أنّها لن تسقط أبداً.
من بين أسوأ الأخطاء المرتكبة حيال فهم وتفسير الأحداث والمتغيّرات والانتفاضات والثورات، الخلط ما بين الهدف وأداة الوصول إليه. ومن أخطر أنواع ذلك الخلط، إقامة علاقة تماثل واختزال ما بين مصالح القوى والفئات والطبقات الاجتماعية، وبين الأفراد الذين أدوا أدواراً مؤثّرة في مراحل الانعطاف والتغيير والثورة. حين طغت العوامل الذاتية وتضخّمت على نحو غير طبيعي، ساد التعسّف وارتبك المسار وتعاظمت الأضرار. الانحراف يبدأ صغيراً، ثم لا يلبث أن يكبر من فرد إلى فرد. والبادئ، وإن يكن أظلم عادة، إلا أنّ ما ينشأ من ظلم لاحق قد يتعدّى كلّ الحدود وكلّ الحقوق وكلّ الحقائق الموضوعية...
أردنا من هذه الاستطرادات تأكيد الأساس أو الطابع الموضوعي لعملية الاحتجاج غير المسبوقة التي لا يزال يشهدها العالم العربي. وتأكيد هذا الأساس، أو هذا العامل الأساسي، لا ينفي عوامل أخرى، داخلية أو خارجية، سياسية أو اقتصادية، أمنية أو مزاجية، تقع في نطاق التداعيات أو تنجم عن تضخّم المعاناة. إنّنا نعيش دائماً وسط صراع مفتوح. وهو ينطلق أساساً من نزعة السيطرة والغلبة وتكريسها لمصلحة قوى اجتماعية مدركة لمصالحها غالباً، أو هي في طور الكفاح من أجل رفع الظلم والسيطرة والحرمان والفقر والقهر...
لقد قُدّمت في السابق، وخصوصاً في أواسط القرن التاسع عشر، مساهمات نظرية مفتوحة، رفعت قضية التغيير والثورة، ربطاً بالتقدّم والحرية والحضارة، إلى مستوى العلم الشامل. واستطاعت الثورة البلشفية في روسيا، في الربع الأول من القرن العشرين، أن ترفع نظرية بناء أداة التغيير وبرنامجه، إلى مستويات عملية وعلمية مبدعة. لكنّ تحنيط التجارب والأشخاص من جهة، والركون إلى النقل دون النقد (وهو إضافة وحذف) من جهة ثانية، والانحرافات والمصالح الصغيرة من جهة ثالثة، قد رتّب تراجعات وخسائر وارتكابات، أكدت مجدّداً شمولية الصراع والتناقض، وأنّهما بالفعل، «الوَلاّدة» الحقيقية لـ«التاريخ»، أي للتقدّم والتحرّر والحضارة.
في مجرى ذلك، يمكن القول في الأحداث العربية الراهنة إنّ «لحظة» الثورة والاحتجاج فيها بدت مهيّأة، إذ لم يعد المحكومون يقبلون العيش في نفس شروط القمع والظلم والهوان والحاجة السابقة. وهذه اللحظة أيضاً هي امتداد «نوعي» لحالات تململ واعتراض واحتجاج عديدة سابقة. ولو أخذنا ظروف مصر على سبيل المثال، لوقعنا على «انتفاضات خبز» عديدة ضد السلطة، وانتفاضات كرامة ضدّ التطبيع مع العدو، ومن ثمّ ضد التوريث، وضد الاختزال والمصادرة والجشع والنهب.. حتى تعبأت القوى الاجتماعية الضرورية الواسعة، أي الأكثرية، وتجسّدت في تحرّك ما بين مليون ومليوني شاب أطلقوا الثورة المصرية الجديدة في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي.
ثمّة مشتركات ما بين حركات الاحتجاج والانتفاضات والثورات. وثمّة تباين كبير أيضاً. أما المشترك ففي النزوع نحو الحرية. والمشترك أيضاً، محاولة استغلال حركات الاحتجاج من أجل خدمة أهداف قوى مؤثّرة، تقع الولايات المتحدة الأميركية في مقدّمها، بوصفها أيضاً صاحبة مصالح تخشى عليها أو تسعى إليها، حسب البلد المعني وحسب ظروفه. وتمثّل الحالة السورية أنموذجاً خاصاً في هذا السياق، حيث تتكثّف التدخلات الخارجية في سباق محموم، مع تفاعلات داخل مثقل بالحجز والمصادرة والتخويف ومتشوّق للحرية وللمشاركة وللخروج من الاستثنائي والطارئ.
ينمو إلى جانب ما كان مستمرّاً ولا يزال قائماً من الكلام الدعائي والشعاراتي الأجوف، جهد كبير يبذله كتّاب ومناضلون استثنائيون وعاديون، لتفسير ما يحدث ولتبريره وإعطائه ما يستحق من المشروعية. يحصل ذلك وسط معاناة كبيرة وتضحيات جليلة تؤكّد ما ذهبنا إليه في البداية، من أنّ «التاريخ» يرتاح سعيداً الآن في هذه المنطقة، بعدما أوصدت دونه الأبواب طويلاً من قبل المستعمرين، ومن قبل أدواتهم المحليين.
ينبغي تحرير الأهداف الكبيرة من المصالح الصغيرة والآنية، وينبغي غالباً، تحرير الأهداف السامية من عبء الوسائط والأدوات، وخصوصاً مصالح الأفراد. لم تُصنع الثورة مرّة واحدة وبنموذج نهائي لا يحول ولا يزول. ولذلك لا يستطيع الثوار، بالمعنى التاريخي المتواصل والممتد، أن يرتاحوا: فالعالم سيبقى يلقي بأثقاله على الفقراء والضعفاء، وعلى هؤلاء أن يواصلوا المقاومة والاحتجاج والثورة إلى... الأبد!
*كاتب وسياسي لبناني