غالباً ما تحكم علاقتنا بالله والمجتمع نظرتنا إلى محيطنا وتعاملنا معه. حبّ أو خوف أو تبعية، أهو منتقم أم أب أم مارد ساخط يريد التضحيات؟ هل هو الطبيعة بأمومتها أم هو غير موجود؟ فشكل تلك العلاقة مع فكرة «الخالق»، وتمركزنا في صفة «المخلوق»، تطبع علاقتنا بالملموس والمعروف والواضح. وبما أنّ علاقتنا مع الاثنين مبهمة، تحكم عليها التبعية وما يخلّفه ذاك من أزمة هوية، نرى علاقتنا بالمدينة والقرية وما بينهما من مساحات، تغدو عصبيّة مرضيّة، تتوق إلى النظام والسيطرة. فتساؤلنا «لماذا لا نستطيع السيطرة على حياتنا؟» ينعكس إفراطاً في السيطرة على المكان، بهستيريا بقايا الاستعمار (المتجدّد) والأفكار الما بعد حداثية.

كان الأوروبيون في العصور الوسطى يسمّون حدائقهم «هورتوس كونكلوزوس» (Hortus conclusus)، أي الحديقة المغلقة. وذلك لأنّ الطبيعة كانت «الحديقة المفتوحة» أي تلك التي تفتقر إلى الحماية، لا من عناصر الطبيعة فقط، بل من الحيوانات المفترسة والوحوش وغضب الله. فالله وقتها كان مخلوقاً (أو خالقاً؟) مخيفاً، هو الإله الحانق على الخليقة بسبب خطيئة آدم. في المقلب الآخر، نجد الشيطان ومساعديه يطاردون الإنسان ويغوونه. تلك كانت صورة العالم الخارجي، التي احتمى منها من استطاع، فبنى منزلاً و«حديقة مغلقة»، لا يحسّ فيهما بالأمان فقط، ولكن بقدر معيّن من سيطرته على عالمه. سيطرته (هو الرجل المهووس بالسيطرة والتوجيه) على ما أمكن من عالم هو مسيّر فيه، عالم قاس وغامض ومظلم. فظهر التمادي في تنظيم تلك الحدائق على نحو عصبي يجعلنا نظنّها بلاستيكية أو من تحف الفن الما بعد حداثي، لشدّة بعدها عن الطبيعة.
مشهد أوّل: بيروت 2011، حرّ، عجقة سير، وهاتف من الإمارات
يتّصل بي صديقي من الإمارات وأنا عالقة «بعجقة سير ما بتفهم»، في شارع مستشفى المقاصد. «عن جدّ؟» يقول، «ليش بعدك بلبنان؟». سكوت على التلفون، بينما تتصاعد أصوات أبواق السيارات، مطالبة بالتحرّك، لأنّ شاحنة قد دخلت الشارع بعكس اتجاه السير وعطّلت الحركة في خمسة شوارع، فزادت في الوقت نفسه من رزقة بائع الخضار المتجوّل. أسترسل بالكلام عمّا تعنيه لي الأماكن والذكريات والأصدقاء والانتماء. «حسناً حسناً... تلك أشياء يمكن أن تجديها في أي مكان. ولكن ما في نظام ببيروت. كلّه فوضى بفوضى». ككلّ مرّة يبدأ أحدهم بانتقاد بيروت، فهو يتوجّه بالحديث أولاً عن غياب التنظيم، الطرقات الوسخة، المباني غير المرتّبة، أشرطة الكهرباء المدلّاة، المحالّ العشوائيّة... وتأتي المقارنة طبعاً مع المدن الأوروبيّة أو دبي. لن أدافع عن «فوضى» بيروت بالكلام عن تجربتي الخاصة وتعلّقي بها، سأفعل ذلك معتمدة على فكرة أنّ توقنا للنظام هو نتيجة أفكار وذوق استعماريّين، وأنّ تلك الصورة المثالية للمدينة تعتمد على مفهوم «جمالي» محض، خال من المعنى أو السياق الثقافي، وأنّ السعي إلى هذا النوع من النظام يعمينا عن أشياء أهم في الشكل المديني، وأنّ حاجتنا إلى النظام ليست سوى حاجتنا المرضيّة للسيطرة، بما أنّ نمط حياتنا قد طغى عليه فقدان السيطرة بسبب خضوعنا للضغوط الحياتية.
لقد أصبح بحثنا عن «النظام» و«الترتيب» و«الأشياء الواضحة» مخيفاً.

مشهد ثان: «هون أو نيويورك؟»

يتهافت الكثيرون لمعرفة رأي الأجانب ببيروت، كما يقف كلّ مغترب وأولاده أمام السؤال الحتمي: «وين أحلى، بيروت أو نيويورك أو مونتريال أو باريس..؟». و غالباً ما تبدأ المقارنات، وتأتي بعدها النصائح «لتحسين» بيروت و«يا ريت في عنّا شويّة تنظيم مديني». والتنظيم المديني هنا لا يعني تنظيم أشكال المباني أو المواد المستعملة أو المساحات الخضراء أو علو المباني في بيروت التي أصبحت تغطي على بعضها البعض، فلا أمل برؤية الشمس في كثير من الأحياء. «النق» هنا (وهو كثير) لا ينتقد تهديم مبان أثرية أو شق أوتوسترادات تقسم الأحياء، أو معاناة أي حيّ صُنّف «غير قانوني»، أو غياب أي سلطة حقيقية لدولة تدرس تأثير مبنى أو جسر على محيطه... غالباً ما يطاول النق غياب النظافة في الشوارع، وعجقة السير على مداخل العاصمة، ومباني قديمة وجب على أحدهم ترميمها لكي لا تخدش الذوق العام. والنق لا ينتهي.
المدينة عرضة للنقد، والمقارنة غير عادلة. فأولاً «شو خص» بيروت بنيويورك أو دبي أو باريس؟ مدن مختلفة تمام الاختلاف، ولا يعني ذلك أنّ أحداها أفضل من الأخرى، ولكن الاختلاف التاريخي والجغرافي والاجتماعي والثقافي وغيرها، يفرض اختلافاً في الشكل وفي العلاقة بينها وبين ساكنيها.
إضافة إلى أنّ هذه النظرة ـــــ الحاجة لا تسمح لنا بمعرفة أنّ علاقتنا مع المدينة هي أكثر من كوننا منظّرات ساعيات الى فرض إيقاع غير ذلك الموجود حالياً، على المدينة. الشكل الذي تأخذه المدينة هو نتاج علاقتنا معها، فلمَ نستغرب ما تبدو عليه بيروت اليوم؟ هي من صنع مفهومنا للقوانين والنظم التي وضعناها للتعامل مع بعضنا البعض ومع المكان، ومع تقبّل تغييره أو عدمه. فغياب إشارات السير مثلاً، لا يعني (دائماً) الفوضى التامة وغياب القانون. استطعنا في بعض الأحيان أن نخلق ميثاقاً نتعامل من خلاله مع بعضنا البعض، في ظل غياب أدوات القانون. أخبرني أستاذي مرّة عن حادثة حصلت في نيويورك فحُجبَت الكهرباء عن أحياء كاملة من المدينة. ويكمل الأستاذ واصفاً شكل السائقين المتوقّفين لساعات على نقاط التقاطع، خائفين ينتظرون عودة الكهرباء والمنطق والأمن. توقّفت الحياة لأنّ «القانون» الذي ينظّمها غاب. بينما ما غاب منذ زمن بالفعل هو التحليل والخيار الذي يأخذه الإنسان بعيداً عن فرضيات القانون وسلطته. لا أعني هنا أنّ بيروت «أحسن» من نيويورك، أو أنّنا أكثر ذكاء من ساكني مانهاتن، ولكن المواثيق والنظم التي تحكم التجربة المدينية هنا، غير تلك الموجودة في المدن الغربية، فالمقارنة بيننا وبينهم لاستنتاج تطوّر شعب على آخر هي إذاً خاطئة.

مشهد ثالث: مبان ملوّنة ومفاهيم استعمارية

هناك أيضاً ارتباط فكرة التنظيم بالتطوّر والرقي. غريب مفهومنا للمدينة والمساحة التي نحتلّ. كم من مارّ بجانب كرم الزيتون على كورنيش النهر، بجانب كنيسة السيدة أو على الجسر الطائر فوق برج حمّود، كم من سائق (ة) تنهّد (ت) مرتاحاً (ة) لرؤية البيوت الصغيرة الملوّنة؟ نحمد الله ونشكر «هلب ليبانون» والبنوك المموّلة التي «جمّلت» تلك المنطقة. نراها لثلاث ثوان، ونكمل نهارنا بعيداً عن الكرم وأهله. وما تخبّئه تلك الواجهات هو سعينا الخاص لإشباع حاجتنا ليس للجمال، وإنّما لمفهوم مفروض للذوق. هو مفهوم غذّته العولمة والاستعمار عبر فن المتاحف والإعلام.
إنّ تأثير لغة الاستعمار علينا لا يزال مستمراً، مهما ظهرت آراء تنفي وتعتبر أنّ الأخطاء الموجودة ليست سوى عيب عربي خلقي، أو تخلّف جيني لأبناء المنطقة. فبينما تبدو رؤيتنا لشكل المدينة وذوقنا بريئين، هما نتيجة تحوير عملت على خلقه بقايا الاستعمار، واجتياح الثقافة الأميركية. فتبدو مشاهد الضواحي الأميركية مثلاً، الشكل المثالي الذي يجب أن تسعى إليه مدننا، تماماً كما نسعى عبر عمليات تجميل الأنف، والعيون الملوّنة، والصبغة الشقراء إلى الذوق المفروض علينا عبر الرجل الأبيض. هو التعريف ذاته لمفهوم الجمال الذي يمتدّ ليس فقط على شكل أجسامنا ولوننا، بل على مدينتنا وفضائنا. مسلسل «زوجات يائسات» (desperate housewives) يصبح حلمنا، من بطلاته إلى بيوته وشوارعه.
إنّ مفهومنا لما هو «مرتّب» أو «منظّم» هو نتيجة تأثير استعماري محض. فرؤيتنا للجمال المحدودة بالخطوط المستقيمة والشوارع النظيفة واتّباع النظام (الفاشي) لا تأتي من عدم. وتفكيرنا بأنّ صيدا القديمة مثلاً، أو وسط البلد في عمّان، ليست سوى أمكنة مكتظّة لا منطق فيها ولا جمال، هو خير دليل على ذلك.

مشهد رابع: أولويات

ولكنّنا في خضم بحثنا عن النظام، ننصرف عن النظر لما هو باعتباري أهم وأكثر تأثيراً على حياتنا. فأوّلاً وآخراً، كم يؤثّر علينا فعلاً كون الرصيف غير مستقيم أو وجود أضواء السير أو عدمها؟ لقد استطعنا، بفعل سني انقطاع الكهرباء والحروب الأهلية والفساد، أن نتعوّد و«ننظّم» حياتنا على تقبّل غياب تلك «الزوائد» من حياتنا. المشكلة حقّاً هي أنّنا أصبحنا لا نسعى إلّا إلى «النق» على غياب النظام، وننسى السعي إلى فتح ثغر فيه، في ظلّ غياب العدالة الاجتماعية وتدمير مدننا وقرانا بفضل النظام الفاشل الذي يحكم حياتنا. لقد أصبح امتعاض سائق السرفيس من غياب الخطوط البيضاء عن معظم الطرق في بيروت مضحكاً، مقارنة مع الحفر الموزّعة على الطرقات إذا ما ابتعدنا 20 كم عن بيروت، ذلك وبالإضافة إلى وجودنا في بلد تحكمه قوانين مبهمة، تسخّر أفراداً لخدمة آخرين... في المرة المقبلة التي «ستنقّون» فيها على غياب شرطي السير، أو الفرق الشاسع بين بيروت العشوائية المقرفة وفيينا الرائعة، انظروا إلى أقرب مستوعب نفايات، تمعّنوا في وجه الولد الأسمر ويديه السوداوين تبحثان عن الطعام وأشياء للبيع، وتخيّلوا ماذا تشكّل له الخطوط البيضاء على جانب الطريق أو غيابها.

مشهد خامس: الله، الدولة والمجتمع

إنّ شكل وجودنا في المكان ـــــ المديني وغيره ـــــ وتفاعلنا معه، مرتبط ارتباطاً وثيقاً مع موازين القوى التي نخضع لها. فالفرد والمجموعة التي ترى نفسها مقموعة، محصورة بحيّز ضيق من التحرّك والتأثير، تصبح فاشية في تعاملها مع هذا الحيز بالذات. وفي مجتمعنا، تتدخّل مؤسّسات ثلاث في تقرير مصيرنا. ويظهر الكبت في أماكن متعدّدة، تكون المدينة واحدة منها.
فأوّلاً، علاقتنا مع الله غريبة. لقد فرضت الديانات الثلاث (أو مؤسّساتها) علينا، علاقة متشنّجة مع الإله. فهو أولاً ذكر. وثانياً، ينبغي علينا مهابته والخوف من سخطه. يبدو حانقاً، غاضباً، يسعى دائماً إلى الاقتصاص منّا والانتقام لشخصه، بينما تحصل الكوارث ويتعذّب الملايين. ما علينا. يبدأ الضغط من هنا. الإنسان إذاً، مسيّر من إله غريب ذي أهواء متغيّرة. هنا يبدأ فقدان السيطرة على الواقع وسيرورة الأمور. ثم يأتي قمع الدولة. المواطنة والمواطن تابعان لمؤسّسات الدولة، وهما يخضعان منذ ولادتهما لقمعها وحدودها وشرطتها وقوانينها وأحزابها (وديونها للبنك الدولي وغيره). وأخيراً يأتي قمع المجتمع. المدرسة والزواج والطبقات الاجتماعية والأحكام الجندريّة ليست سوى أوضح أمثلة لذلك.
أحاول هنا أن أرسم وضع الإنسان في عالم يبدو له فيه أنّه فاقد للسيطرة، من علاقته المليئة بالخوف مع الإله، إلى وضعه كتابع في دولة تقمعه، ونظام رأسمالي يسيّره ومن ثمّ نظام بطريركي، يفرض على المرأة، كما الرجل، شكل حياة معيّن وأسلوب تعامل محدّد مع الواقع... إلى لغة تفرض صيغها ودلالاتها عليه، فيحصل كما هو حاصل معي الآن، أن تضطرّ الكاتبة إلى استعمال «المذكّر» في معظم الأحيان إلى أن تتحرّر اللغة من البطريركية. هو لا يسيطر على أي شيء في حياته أو مماته إذاً. كالطابة يبدو، تتراشقه أيدي الرب والدولة والمجتمع ومؤسّساته. فتأتي ردّة الفعل على أشياء حياتية يومية، إذ يحاول عندها هذا المسيّر فرض سيطرته على أي شيء وكلّ شيء. ونرى هذا في قبضة ربّ العمل على عمّاله، والرجل على زوجته... ونظرتنا إلى المدينة ومحاولتنا حصر نموّها وشكلها.
يبدو المكان من المساحات التي ينفّس فيها الإنسان عن حاجته للسيطرة. يزيل الأعشاب، يسمد الأرض، يزرع أشجاراً متشابهة... يجب على كل شيء أن يكون له معنى وأن يتبع خطاً مرسوماً.

في غزل غير ــ المنظّم

هذا موضوع شائك. غير المنظّم هو إحدى النوافذ التي جعلتني أفهم ومن ثم أحب بيروت، ليس فقط كالمكان الذي يقع فيه منزل أهلي، وإنما أيضاً كمكان للسكن.
وأوّل تفسير لهذا المنظار هو أنّ المفاهيم المقبولة لما هو منظّم، للمدن والأماكن المكتشفة عبر الخريطة تشكّل عقبة للاكتشاف الحقيقي لبيروت (مثلاً)، أو لأي مدينة عربية. وأعني بذلك أنّ حمل خريطة لسان فرانسيسكو مثلاً، يتيح لنا معرفة اتجاهاتنا منطقياً، متتبّعين الاتجاهات الأفقية والعمودية وأرقاماً وأحرفاً أبجدية (شارع أ، شارع ب...).
أما في بيروت، والقاهرة ودمشق مثلاً... فهذا لا ينفع. المقاربة بكاملها خاطئة. ليس فقط لأنّ المدينة بذاتها غير مصمّمة بهذه الطريقة، بل لأنّ هذه المقاربة تفترض أنّ هذا الشكل المديني بالتحديد ـــــ الغربي ـــــ هو الشكل المديني «الصحيح»، وأن أي شكل آخر هو خاطئ، شيطاني، أو على الأقل يطمح دوماً ليكون على شاكلة الأول.
لذا، للأجانب الذين يمشون تائهين في شوارع بيروت، يتململون من عدم استقامة الشوارع أو عدم معرفة الناس لأسماء الشوارع المسجلة في الخرائط، أقول شكراً لاقتراحاتكم بتنظيم شوارعنا وأدمغتنا، أوقفوا استشراقكم.
فذلك ليس سوى فرض لرؤيتهم للمدينة أو لما يعتقدون أنّه المدينة، أي لما يرون أنّه الشكل المديني الأوحد. كما أنّ هذه اللغة تصرف النظر عن الأدوات المعرفية والإدراكية التي نحتاجها لاختبار المدينة... وهي ليست الرياضيات يا أعزائي!
فالاختبار الحقيقي لمدننا يكمن في كونها معاشة، وليست مرسومة. كل شخص بدورها (أنستطيع لثانية اعتبار كلمة «شخص» مؤنّثة؟)، قد زادت عليها أو نقّصت منها ما كانت تعتبر في ذلك الوقت، وتحت تلك الظروف وفي حدود معرفتها زادت عليها أو نقّصت منها ما رأته مناسباً. وهذا كافٍ لجعل شكل المدينة «منطقياً».
امشي (امشِ) قليلاً في زواريب مار الياس في بيروت أو في شوارع القاهرة أو وسط البلد في عمّان مثلاً... وانظري (انظر) دون توقّع أو حكم، كطفل يكتشف المجهول: لا يعرف ما ينتظره، وعندما يراه لا يقارنه بشيء. يراه وحده كما هو، وهو حقيقة المدينة المتبدّلة دوماً.
* كاتبة لبنانية