على النقيض من استخدام إسرائيل لحقوق لا يقرّها القانون الدولي، فإنّ الفلسطينيين يستدعون عدداً من الحقوق المعترف بها دولياً التي تتحدى انتحال إسرائيل الذاتي للحقوق. على سبيل المثال، يؤكد الفلسطينيون على حقهم في العيش في الدولة اليهودية التي طردوا منها، وهو حق أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ١٩٤٨، وينص بشكل لا لبس فيه على أنّ «لكلّ فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده»، المادة ١٣ (٢)، واتفاقيات جنيف الرابعة الصادرة في عام ١٩٤٩. وعلاوة على ذلك، فقد نص قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم ١٩٤ الصادر في ١٩٤٩ على «أنه يجب أن يسمح للاجئين [الفلسطينيين] الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم بالعودة في أقرب موعد ممكن عملياً، وينبغي دفع التعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة وعن كل خسارة أو ضرر بالممتلكات، وفقاً لمبادئ القانون الدولي أو الإنصاف، التي على الحكومات أو السلطات المسؤولة تنفيذه». وفي ١٩٧٤، أعلنت الأمم المتحدة قرار الجمعية العمومية الرقم ٣٢٣٦ الذي صدر في ٢٢ تشرين الثاني/ نوفمبر، وأكد أنّ حق الفلسطينيين في العودة «حق غير قابل للتصرف». كما أُكّد حق اللاجئين في العودة في ١٩٧٦، في الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، عندما أعلن أنّه «لا يجوز حرمان أحد، تعسفاً، من حق الدخول إلى بلده» (المادة ١٢). علاوة على ذلك، يستشهد الفلسطينيون بقرار التقسيم ضد مصادرة إسرائيل لأراضيهم للاستعمال الحصري من قبل المستوطنين اليهود، وكذلك القرار ١٩٤ للأمم المتحدة، من بين قرارات أخرى، ضد مصادرة الدولة للأراضي من الناس على أساس العرق. وفي الواقع، يسوّق العديد من الفلسطينيين الصكوك القانونية نفسها التي تستخدمها إسرائيل لاستعادة الممتلكات المسروقة التي صودرت من يهود أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية. علاوة على ذلك، تواصل جماعات المجتمع المدني الفلسطيني في إسرائيل بإصرار تحدي قوانين التمييز العنصري في إسرائيل من داخل المحاكم الإسرائيلية، ولكن دون نجاح يذكر حتى الآن.

إنّ الحقوق التي تدعيها إسرائيل لا تؤثر فقط على سكان إسرائيل من الفلسطينيين، وعلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات. فعلى الرغم من أنّ المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تعنى بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط (وليس في القدس الشرقية)، إلا أنّ تلك الحقوق الإسرائيلية المزعومة يبدو أنّها تنطبق أيضاً هناك. بادئ بدء، تصر إسرائيل منذ ١٩٦٧ على أنّ لليهود الحق في استعمار واستيطان الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، وأنّ هذا حق غير قابل للتفاوض. في الواقع، ولتوضيح وجهة نظرها، وللتأكد من عدم إساءة فهمها، عمدت إسرائيل منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو في ١٩٩٣، الى مضاعفة عدد المستعمرين ـــــ المستوطنين اليهود في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ثلاثة أضعاف، وإلى أكثر من ضعفين في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، فبلغ مجموعهم نحو نصف مليون مستوطن. وتواصل إسرائيل مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لأغراض استيطانية، وبقمع أي مقاومة فلسطينية لاستيطانها. وعلاوة على ذلك، وبالإضافة إلى استمرار مصادرة الأراضي الفلسطينية داخل إسرائيل، وفي القدس الشرقية، وفي الضفة الغربية، سعت إسرائيل الى بسط قوانينها التمييزية وتشريع قوانين إضافية مماثلة لمنح الامتيازات العرقية والدينية للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية على حساب الفلسطينيين. ويتضمن هذا الفصل العنصري بين العرب واليهود، وبناء جدار الفصل العنصري، وبناء طرق لاستخدام اليهود حصرياً، في مختلف أنحاء الضفة الغربية، والتمييز في الحصول على موارد المياه، فضلاً عن مصادرة الأراضي لمصلحة المستوطنين اليهود. وقد احتجت الأمم المتحدة على الممارسات الإسرائيلية مستخدمة اتفاقيات جنيف الرابعة والعديد من قراراتها، وأشهرها قرار مجلس الأمن الدولي الرقم ٤٤٦ الذي صدر في آذار/ مارس ١٩٧٩، ودعا إسرائيل إلى تفكيك المستوطنات الاستعمارية اليهودية، وإلغاء مصادرة الأراضي، لكن دون جدوى.
يصر القادة الإسرائيليون على أنّ جهودهم الاستعمارية والاستيطانية لا تنتقص من التزامهم الأخلاقي بالسلام، بل على النقيض من ذلك، فإنّ إسرائيل تؤكد دون مواربة أنّ السلطة الفلسطينية هي المسؤولة عن وقف المفاوضات. ولا يدّعي رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو أنّه ملتزم بالسلام فحسب، بل أنّه يصر، مثل سابقيه، على أنّ مطالبة السلطة الفلسطينية إسرائيل بإيقاف الاستيطان اليهودي قبل استئناف المفاوضات، هو بمثابة تعدّ على حقوق إسرائيل، وفرض «شروط مسبقة» للمفاوضات، وهو ما لا يمكن قبوله.
أما في ما يتعلق بمسألة الاحتلال، وما إذا كان من المفترض أن تقوم المفاوضات بإنهائه، فتصر إسرائيل على أنّ احتلالها للقدس الشرقية، التي وسعتها اثني عشر ضعفاً (من ٦ إلى ٧٠ كيلومتراً مربعاً) على حساب أراضي الضفة الغربية (وعمدت في الآونة الأخيرة الى توسيعها إلى ٣٠٠ كيلومتر مربع، لتشمل ١٠ في المئة من كامل الضفة الغربية) سيبقى قائماً للأبد، وأنّ احتلالها لغور الأردن ولعشرة في المئة أخرى من الضفة الغربية التي تقع غرب جدار الفصل العنصري هو أيضاً دائم لا رجعة عنه. وتصر إسرائيل على أنّ ما تهدف إليه المفاوضات هو فقط إعادة ترتيب طبيعة الاحتلال في ما بقي من الضفة الغربية الذي يمكن أن يسهّل شكلاً من أشكال الحكم الذاتي للفلسطينيين، لن يشمل السيادة، ولكن ربما تسمح إسرائيل بتسميته «دولة فلسطينية».
أما الوثائق الفلسطينية التي سربتها في الآونة الأخيرة قناة الجزيرة، فقد أظهرت أنّ مفاوضي السلطة الفلسطينية عرضوا المزيد من التنازلات على جميع هذه الجبهات، وأنّه على الرغم من هذه «المرونة»، رفض المفاوضون الإسرائيليون جميع تلك العروض. في الواقع، كان نتنياهو قد أصر، منذ أواخر التسعينيات، على أنّ أساس المفاوضات يجب ألا يكون صيغة «الأرض مقابل السلام» بل «السلام مقابل السلام»، مؤكداً رفض إسرائيل إنهاء الاستيطان، والاحتلال، والتمييز. وفي الآونة الأخيرة، اقترح نتنياهو أن تكون المفاوضات حول «السلام الاقتصادي»، إذ يجري تقديم التزامه بالسلام بوصفه موقفاً أخلاقياً يضمن عدم خضوع حقوق إسرائيل القانونية المنتحلة ذاتياً للمفاوضات.
تحرص إسرائيل والصهيونية على عدم تعميم المبادئ التي تبرر حق إسرائيل بالاستيطان، والاحتلال، والتمييز، بل تصران بشدّة على التمسك بها كمبادئ متفرعة من مبدأ أخلاقي استثنائي. وهذا لا يعني أنّه لم تضطهد شعوب أخرى تاريخياً، لكنّه يعني أنّ اليهود قد اضطهدوا أكثر. ولا يعني هذا أيضاً أنّه لم يتعرض الوجود الثقافي والجسدي لشعوب أخرى للتهديد، بل يعني أنّ وجود اليهود الثقافي والجسدي قد تعرض لتهديد أكبر. هذه المعادلة الكمية هي المفتاح لفهم لماذا ينبغي على العالم، وعلى الفلسطينيين تحديداً، أن يدركوا حاجة إسرائيل وأحقيتها بحيازة حقوق للاستعمار وللاستيطان، وللاحتلال، والتمييز. وإنّ رفض الفلسطينيين أو أيّ طرف آخر ذلك، إنما هو تعبير عن تصميمهم على إبادة الشعب اليهودي جسدياً وثقافياً، فضلاً عن أنّ ذلك يعني تحدّيهم لإله اليهود ذاته.
ما يعنيه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها هو حقها في حماية حقوقها (باستعمار الأراضي الفلسطينية، واحتلالها، والتمييز ضد غير اليهود) ضد أي خطر يمكن أن يتهدد هذه الحقوق، ولا سيما خطر المفاوضات. أما حقها في الدفاع عن نفسها فهو حقها بالتمسك بهذه الحقوق، وهو بالتالي حق تابع، وإن كان مستمداً أساساً من حقها في أن تكون دولة يهودية. يطرح هذا المنطق على النحو الآتي: لإسرائيل الحق في استعمار واحتلال الأراضي الفلسطينية، وفي التمييز ضد الفلسطينيين سواء في إسرائيل، داخل حدود ما قبل ١٩٦٧، أو في الأراضي الإضافية التي احتلتها في ١٩٦٧. وإذا قام هذا الشعب بمقاومة هذه التدابير، وردّت إسرائيل عليه مستخدمة العنف العسكري، وأدّى ذلك الى خسائر جسيمة بين المدنيين، فما تفعله إسرائيل ببساطة هو «الدفاع» عن نفسها كما يجب وينبغي عليها أن تفعل.
يملي عصر الأنوار الأوروبي على إسرائيل فهمها لحقوقها، ولا سيما أطروحة جون لوك حول الحقوق القابلة للتصرف وغير القابلة للتصرف. فوفقاً لـ«لوك»، بخلاف المستعمرين الأوروبيين، لا يمتلك السكان الأصليون مثل هذه الحقوق نظراً إلى أنّهم يعيشون كالطفيليات على الأرض، دون أن يحسّنوها. فانتحال إسرائيل لهذه الحقوق لنفسها في حد ذاته إنما ينطوي على إصرارها على أنّ الفلسطينيين، تماشياً مع تأكيدات لوك، لا يملكون الحق في مقاومتها. وهكذا، يتم الجمع بين دفاع إسرائيل الأخلاقي والقانوني عن نفسها، حيث لإسرائيل الحق في استعمار واحتلال أراضي الفلسطينيين، والتمييز ضدهم على أساس مبدأ الاستثناء والتفوّق الاستعماري الأوروبي، وحيث ليس للفلسطينيين الحق في الدفاع عن أنفسهم ضد ممارسة إسرائيل لهذه الحقوق المنتحلة ذاتياً. لكنّهم إن قاموا بذلك، سيكون لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد دفاع الفلسطينيين غير المشروع عن أنفسهم ضد ممارستها المشروعة والأخلاقية لحقوقها.
ولكن، إذا كان ليس لدى إسرائيل أي حقوق قانونية معترف بها دولياً للاستعمار، والاستيطان، والاحتلال، والتمييز، ولا تملك أيضاً حقاً أخلاقياً أو قانونياً معترفاً به دولياً في أن تكون استثناءً، فإنّ الآلية الوحيدة، التي يمكن إسرائيل من خلالها تقديم هذه الادعاءات والمزاعم، ستتمثل بغياب المساءلة الدولية، أو بالأحرى رفض إسرائيل لأن تكون مسؤولة أمام القانون الدولي والاتفاقيات القانونية. ويحمي تحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة رفضها هذا في أن تكون مسؤولة، فتستخدم الأخيرة حق النقض لتقويض جميع قرارات مجلس الأمن التي تدعو إسرائيل لأن تكون مسؤولة أمام القانون الدولي، ما يجعل القانون الدولي غير قابل للتنفيذ. وكانت آخر مرة استخدمت فيها الولايات المتحدة حق النقض في ١١ شباط/ فبراير ٢٠١١ عندما اعترضت إدارة أوباما على قرار مجلس الأمن الذي دعا إسرائيل إلى وقف الاستيطان في الضفة الغربية وأراضي القدس الشرقية، وصوّت لمصلحته الأعضاء الـ ١٤ الآخرون جميعاً.
وكانت إسرائيل ووزارة الخارجية الأميركية (في عهدي بوش وأوباما) قد أعلنتا في هذا السياق حالة تأهب قصوى، في السنوات الأخيرة، واصفتين لجوء الفلسطينيين إلى الآليات القانونية والقانون الدولي لتحدّي حقوق إسرائيل المنتحلة ذاتياً بـ«الحرب القانونية»، التي تطالبان بوقفها فوراً. ويشمل ذلك رفض إسرائيل لقرار محكمة العدل الدولية في ٢٠٠٢ بعدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي أقامته في الضفة الغربية، والاتهامات التي وجهها تقرير غولدستون للأمم المتحدة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب أثناء حربها على غزة في الفترة ٢٠٠٨ ــ ٢٠٠٩. من المهم بمكان أن نشير هنا إلى أنّ مصطلح «الحرب القانونية»، الذي ظهر منذ عقد من الزمن، يستخدم عادة ليعني «الجهود الرامية إلى قهر الشعوب الأصلية والسيطرة عليها عن طريق الاستخدام القسري للوسائل القانونية». أما أن تساوي إسرائيل والولايات المتحدة ما بين الفلسطينيين والقوى المستعمرة، وما بين المستوطنين اليهود الإسرائيليين والسكان الأصليين، فهو شاهد على مدى الخطر الذي، تستشعر إسرائيل، أنّه يتهدد حقوقها المزعومة نتيجة استخدام الفلسطينيين الآليات القانونية.
ليس لخطاب حقوق، وهو خطاب متغيّر وغير متفق عليه، في نهاية المطاف، سلطة قضائية، وهو يُستدعى، أو لا يُستدعى، في عملية تفاوض (أو عدم تفاوض) السلطة السياسية. ويتجلى ذلك بوضوح في مواصلة إسرائيل إصرارها على أنّ «حقوقها» غير قابلة للتفاوض. ومع سقوط النظام المصري و«المصالحة» (غير المستقرة) بين حماس وفتح، فإنّه لا يزال من غير الواضح ما هي الخطوات المقبلة التي ستتخذها السلطة الفلسطينية. فإنّ خطة السلطة الفلسطينية للحصول على اعتراف إضافي بدولة فلسطينية من الجمعية العمومية في أيلول/ سبتمبر المقبل، حتى لو نجحت، فلن تفرز إلا القليل جداً من النتائج الإيجابية ذات الشأن، وربما يكون لها نتائج سلبية. ما لم تتوقف السلطة الفلسطينية عن المفاوضات الدولية، وما لم تسع الى الاحتكام إلى القانون الدولي من خلال حشد ضغوط دبلوماسية (وخصوصاً من الدول الأوروبية والعربية) على حكومة الولايات المتحدة للانضمام إلى الإجماع الدولي والتوقف عن الاعتراض على القرارات الدولية، ستظل «حقوق» إسرائيل مصانة تماماً.
ما تفاوض إسرائيل الفلسطينيين عليه هو ليس أكثر من الشكل، والشروط، والمدى الذي يجب على الفلسطينيين الذهاب إليه للاعتراف بحقوقها من دون مواربة. هذا هو الواقع الذي ميّز العقدين الأخيرين من المفاوضات مع الفلسطينيين. فلن تعيد المفاوضات حقوق الفلسطينيين المعترف بها دولياً، بل على النقيض من ذلك، إنّ المفاوضات التي دخلها الفلسطينيون مع إسرائيل، منذ عقدين من الزمن، هي مفاوضات ينبغي على طرف واحد فيها، وهم الفلسطينيون، التنازل عن جميع حقوقهم المعترف بها دولياً والاعتراف عوضاً عنها بحقوق إسرائيل المنتحلة ذاتياً، التي لا يعترف بها القانون الدولي أو حتى أي دولة أخرى. ولن يمنح هذا الاعتراف الفلسطيني أول شرعية دولية للمزاعم الإسرائيلية منذ إقامة المستعمرة الاستيطانية اليهودية قبل ثلاثة وستين عاماً فحسب، بل إنّه سيكون في الواقع بمثابة أول اعتراف دولي بحقوق إسرائيل المنتحلة ذاتياً. ولن تكون إسرائيل في نهاية المطاف مضطرة الى التخلي عن أي شيء في المقابل.

* أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، وقد صدر كتابه ديمومة المسألة الفلسطينية عن دار الآداب في ٢٠٠٩