لأسباب معظمها موضوعي قائم في تحوّلات وأزمات دولية وإقليمية، غادر صفوف الحزب الشيوعي اللبناني عدد كبير من رموزه ومِلاكاته ونخبه السياسية والاجتماعية والإعلامية والثقافية. أدّى ذلك إلى نتائج سلبية كبيرة، لا تزال تتداعى في مختلف الحقول. في امتداد ذلك، نتوقّف هنا عند بروز ظاهرة «الشيوعيين السابقين» التي حجزت لنفسها مكاناً بارزاً في التصنيفات والمشاهد التي لا تقتصر على الوطن، بل تتعداه إلى الخارج، أي إلى بلاد الانتشار العربية والغربية. ولأنّ المغادرين صفوف الحزب كانوا، غالباً، ذوي قدرات وكفاءات وإمكانات ومبادرات مميّزة مرتبطة بميادين عملهم ونشاطهم، مارس العديد منهم أدواراً كبيرة ومؤثرة في مرحلة ما بعد تخلّيهم عن عضوية الحزب. وأدّى ذلك، بنحو طبيعي، إلى تناول مساهماتهم وانتماءاتهم السابقة ومراجعتها في ظروف تتطلّب ذلك. لا يمكن وضع جميع المغادرين في خانة واحدة: لا من حيث العلاقة مع الحزب الذي استهلّوا فيه تجاربهم الأولى، ولا من حيث علاقاتهم بالقوى الأخرى، ولا من حيث تفاعلهم مع الأحداث السياسية في بلدهم أو في البلدان التي انتقلوا للعمل فيها. وفي مجرى هذه العملية التي تصاعدت خصوصاً منذ أوائل التسعينيات، لم تكن قليلة فيها الحالات التي كشفت ارتباط عدد من المغادرين بأطراف سياسية أخرى. كذلك حاول البعض تأسيس حركات سياسية لم تتوافر لها، في الغالب، شروط الاستمرارية والفعالية المتوخاة.

ثمّة سمة سلبية لا بدّ من ذكرها ودراسة دلالاتها في سياق الظاهرة المذكورة، هي أنّ قسماً لا يُستهان به من المغادرين سجّل تراجعاً و«ارتداداً» في الحقلين الفكري والسياسي لمصلحة السائد والتقليد، متجهاً نحو مواقع «اليمين» عموماً. وإذا كان هذا الأمر «طبيعياً» في مراحل الأزمات والصعوبات والخسائر والهزائم، فإنّ ما لا يزال يثير الدهشة حتى الآن، هو ما رافق بعض الحالات من تطرّف وغلوّ وجموح يعادل الانقلاب والاستدارة الكاملين، ما يطرح تساؤلات مشروعة عن احتمال أن تكون «اختراقات» محدودة قد أصابت التنظيم الحزبي، وأحياناً في مواقع أساسية فيه، أو أن تكون التوترات الشخصية قد فعلت فعلها في شحن النفوس وتوليد ردود الفعل المبالِغة.
أما السمة الثانية التي لا بدّ من ملاحظتها، فتلك التي يبدو معها كأنّ العلاقة مع الحزب أمر مستمرّ رغم الانقطاع والابتعاد والسفر والهجرة، أو حتى رغم الانتقال إلى موقع آخر أو تنظيم آخر. يبدو الحزب هنا كأنّه نوع من الانتماء الأوّلي الذي يمكن الإضافة إليه من دون التخلي عنه. وقد تدلّ دراسة لهذه السمة أنّها قد تمتدّ إلى عائلة «الشيوعي السابق». وغالباً ما يُعبَّر عن استمرار «العلاقة» بالحزب في المناسبات الحزينة التي كانت الأخيرة بينها مناسبة تشييع القائد والفقيد العزيز الرفيق الدكتور خالد فوعاني. ويمكن القول في امتداد ذلك، إنّ الأمر ليس مجرّد مجاملة، بل هو علاقة وجدانية يبدو أنّها لا تزال قائمة رغم كلّ الظروف. مناسبة هذا الكلام (الذي لا ينبغي أن يحتاج إلى مناسبة للتوقف عنده ودرس سبل التعامل معه) هي الفاجعة المتمثلة في فقدان الصحافي الكبير المرحوم الصديق سهيل عبود. إنّه «شيوعي سابق» أيضاً. وكالعادة، تطرح مسألة التعامل مع الوفاة والشخصية المفقودة الكثير من الإشكاليات. يدور الحديث غالباً، في ما كتبه زملاء وأصدقاء له معظمهم أيضاً من الشيوعيين السابقين، حول تجارب شخصية محدودة أو حتى مجتزأة، من دون الإشارة، ولو سريعةً، إلى تأثير التحوّلات والأزمات الكبيرة على العمل السياسي والحزبي في لبنان. في كثير مما كُتب، يجري الفصل بين سهيل العضو المميّز في الحزب الشيوعي، وسهيل الصحافي المميّز في جريدة «النداء» وفي سواها. هذا الفصل تعسّفي. إنّ سهيلاً كان يمارس خصوصيته المهنية الرائعة في مناخ إيجابي سياسي وإعلامي، نما في الحزب الشيوعي اللبناني بعد المؤتمر الثاني في 1968. وجيل سهيل قد أسهم بدوره في نقل تجربته الحرة والحية إلى الحزب الشيوعي وإلى صحافته، منذ أواسط السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات، عموماً. وليس محض صدفة أنّ سهيل ومجموعة كبيرة من صحافيي «النداء» قد انتقلوا معاً وسريعاً للعمل في الصحافة الكويتية وفي «القبس» خصوصاً، بعد توقّف جريدة «النداء» اليومية عن الصدور في أوائل التسعينيات.
سهيل الصحافي صاحب الشغف الدائم بالمعرفة، كان ينطلق أيضاً من مبدأ «أنّ الحقيقة دائماً ثورية». لذلك، كان يسعى إليها من موقعه الحزبي ومن موقعه الإعلامي: ولا تفريق! لكنّه كان مميّزاً في سعيه ودأبه وفي قدرته على التواصل. كان يجمع مادته الصحافية أوّلاً، ثم كان يعيد توزيعها، ثانياً. وحين عملنا معاً لسبع سنوات كاملة في «النداء» (1981ـــــ 1987)، استمرّ، يومياً، يخبرني عن ذلك الشق من معلوماته وتقديراته التي «لم تكن للنشر». وكان يرى أنّه بذلك يؤدّي مسؤولياته الطبيعية في توفير المعطيات ونقل الأجواء، بما يساعد في حسن التعامل معها، وفي سلامة القرار المتخذ من قيادة الحزب الشيوعي، التي كنت عضواً فيها. لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك أنّه كان قادراً أيضاً على تحمّل مسؤولياته حيال القارئ الحزبي وغير الحزبي، فيقدّم له مادة تضاهي ما يبحث عنه عادة في الصحافة المستقلة وغير الحزبية. والأهم ما كان سهيل يستشعره من مسؤولية حيال زملائه من العاملين في الصفحات المحلية وكتّاب المقالة فيها. فهو لا يبدأ بكتابة مقالته إلا بعد أن يطمئنّ إلى تزويدهم بما لديه من معطيات. إنّ هذا كان واجباً مهنياً وحزبياً في آن واحد: فسهيل كان، من خلال ذلك التفاعل، يشعر بأنّه كان يمارس دوراً في معظم الصحافة اللبنانية المؤثّرة في ذلك الوقت. وأستطيع أن أسجّل، في استعادة سمات تلك المرحلة، وشهودها كثر، أنّ ما كنت أبدّله أو أحذفه من مقالته بوصفي يومها «مديراً سياسياً» لـ«النداء»، لم يتجاوز يوماً كلمة أو حرفاً لأسباب لغوية عموماً، لا لأسباب سياسية على الإطلاق. وكان ذلك بسبب اتّسام كتابات سهيل بالموضوعية والسلاسة والتوجّه السياسي الصائب، وكذلك بسبب مناخ الانفتاح القائم في الصحيفة، معزّزاً بالتعاون بين محرّريها ومراسليها وإدارتها.
وأتذكّر من بين مساهماته في أواسط الثمانينيات، أنّه كُلّف من قيادة الحزب وإدارة الجريدة، إعداد ملخّص يومي عن أبرز ما تناولته الصحف اللبنانية في أخبارها وتحليلاتها السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد قام بمهمّته على أكمل وجه. فكأنّه كان حاضراً في «مطبخ» هذه الصحف جميعاً، أو أنّه كان نقيب محرّري الصحافة المحلية «من وراء ظهر» نقيب المحرّرين الدائم الذي لم يكن يقبل أيّ شراكة، الفقيد الكبير ملحم كرم.
في امتداد التزامه الحزبي والمهني، سياسياً ومنظماً ومقاوماً وصحافياً، تبدّت شخصية سهيل الإيجابية والنبيلة والصادقة والبسيطة، فإذا هو صديق الجميع، طاهر القلب واللسان، مفعم بالاحترام للآخرين ومتجاهل فقط لحقوقه الخاصة، ومنها أن تكون له عائلة تعطي معنىً إضافياً لحياته ومعاناته وآماله.
ونعود إلى الالتباس بالنسبة إلى الحزب الشيوعي حين يتعلق الأمر بفقد «شيوعي سابق». يتكرّر ذلك الأمر. ولعل المشاركة العفوية للجميع هي خير حلّ لمثل هذا الإشكال. لكنّ النظر في الأمر، يتعدّى مسألة الخسارة بالوفاة، إلى أصل الظاهرة وكيفية التعامل معها. فالنزف لا يزال مستمرّاً، وإلى الأسباب الموضوعية، تضاف باطّراد أسباب ذاتية. وما بين «حنين» القسم الأكبر من أعضاء الحزب إلى انتمائهم السابق، وإشكالات النعي والتأبين والتصنيف، يقفز إلى الذهن السؤال الأكبر: متى يتوقف النزف، ومتى تبدأ رحلة العودة بالنسبة إلى الذين لا يزال «الحنين» يجسّد شكلاً من أشكال الارتباط لديهم بقضية التغيير، وخصوصاً الشباب والشابات الذين لن ينتظروا طويلاً، ولن يكون لديهم من التجارب ما يكفي لتخزين «الحنين»، فيما يتوافر لمعظمهم ما يكفي من الخيبات والكوابيس والصدمات؟! لا شكّ في أنّ الجواب يتكثّف في أمر واحد: بلورة حزب التغيير ومشروعه في صيغة تجمع ألوف الطاقات... ولكن ليس في المناسبات الحزينة فحسب!

* كاتب وسياسي لبناني