منذ انطلاقها، وصفت المفاوضات الفلسطينية ـــــ الإسرائيلية، التي دخلت عامها العشرين، بأنّها تاريخية، ولا سيما بعدما دشنت «عملية السلام» التي من شأنها حل ما يشار إليه عادة باسم «النزاع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي». ما كان سيتم التفاوض عليه، بحسب الفلسطينيين والمجتمع الدولي، ممثلين بالأمم المتحدة والقرارات التي لا تعدّ ولا تحصى التي استصدرها مجلس الأمن والجمعية العمومية منذ ١٩٤٨، هو الاستيطان، واحتلال الأرض ووضع السكان تحت الاحتلال، وقوانين التمييز العرقي والديني في إسرائيل. قوانين تنص، من بين ما تنص عليه، على منع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم، وعلى مصادرة ممتلكاتهم كذلك. وقد دأب الزعماء الفلسطينيون في معركتهم ضد هذه الممارسات الإسرائيلية، سواء كانوا في إسرائيل والأراضي المحتلة، أو في الشتات، على مطالبة إسرائيل بهذه الحقوق على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي ما انفكت إسرائيل ترفض تنفيذها أو الالتزام بها منذ ١٩٤٨. وهكذا، كان هدف المفاوضات على وجه التحديد، بالنسبة الى الفلسطينيين، مدعومين من الأمم المتحدة والقانون الدولي، هو إنهاء الاستيطان والاحتلال والتمييز.

ومن جانب آخر، ففي سياق دفاعهما عن إقامة دولة إسرائيل وسياساتها اللاحقة، مثلت المطالبة بحقوق إسرائيل، التي لا تستند إلى القانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة، إحدى أقوى حجج الحركة الصهيونية وإسرائيل وأشدها عناداً منذ ١٩٤٨. هذا التمييز المركزي هو ما يجب اعتماده عند مقارنة الادّعاءات الفلسطينية والإسرائيلية بحيازة «الحقوق». ففيما يدّعي الفلسطينيون حيازة حقوق معترف بها دولياً، فإنّ الحقوق التي تدّعي إسرائيل حيازتها لا تحظى بأي اعتراف دولي، عدا ما تقرّه هي لنفسها، على الصعيد الوطني من حقوق. هذا نمط جديد من الادّعاءات لم يسبق للصهيونية استخدامه، فعندما تضعه إسرائيل قيد التنفيذ، فإنّها إنما تستحضر بذلك مبادئ قانونية، إن لم نقل أخلاقية أيضاً.
وفي هذا السياق، حاججت إسرائيل على مر السنين، أنّ لليهود الحق في إقامة دولة في فلسطين، وبأنّ لهم الحق في إقامة دولة «يهودية» في فلسطين، وأنّ لهذه الدولة «الحق في الوجود»، و«الحق في الدفاع عن نفسها»، الذي يتضمن الحق في أن تكون الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحة نووية، وأنّ لديها «الحق» في أن ترث كلّ الأرض التوراتية التي وعدها الله بها، و«الحق» في سن قوانين عنصرية وتمييزية دينياً، من أجل الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، الذي أصبح يعرف حديثاً بصيغة «الدولة اليهودية والديموقراطية». وتصر إسرائيل أيضاً أنّ على أعدائها، بما في ذلك الشعب الفلسطيني، الذي تسلبه، وتستعمره، وتحتله، وتميّز ضده، أن يعترف بكل هذه الحقوق، وفي مقدمها «حقها في الوجود كدولة يهودية»، كشرط مسبق وتمهيدي للسلام.
بدأت إسرائيل في التمسك بهذا الحق بشدّة، في العقد الماضي، بعدما وفت منظمة التحرير الفلسطينية بمطلب إسرائيل السابق، في عقدي السبعينيات والثمانينيات، بضرورة اعتراف الفلسطينيين بـ«حقها في الوجود». أما في القانون الدولي، فيُعترف بالدول على أنّها دول قائمة كأمر واقع أو بحكم القانون، ولكن ليس ثمة مفهوم بأن لأي بلد «الحق في الوجود»، فضلاً عن أنّه ينبغي على بلدان أخرى الاعتراف بمثل هذا الحق. ولكن تعديل إسرائيل لمطالبها من وجوب اعتراف الآخرين بـ«حقها في الوجود» إلى وجوب اعترافهم بـ«حقها في الوجود كدولة يهودية»، الذي تصرّ عليه بقوة في الوقت الحاضر، إنما يدخل في صميم ما سعى إليه المشروع الصهيوني منذ نشوئه، وهو ما يحدد موضع التباين القائم في ما بين المفهوم الإسرائيلي لماهيّة حقوق إسرائيل التي تسعى عن طريقها إلى تحقيق الأهداف الصهيونية وبين مفهوم المجتمع الدولي المختلف لتلك الحقوق. هذا أمر بالغ الأهمية، فجميع هذه الحقوق، غير المعترف بها دولياً التي تدّعي إسرائيل امتلاكها، تترجم على أرض الواقع إلى حقها باستعمار واستيطان الأرض الفلسطينية، واحتلالها، والتمييز ضد الشعب الفلسطيني غير اليهودي.
وتصر إسرائيل على أنّ هذه الحقوق غير قابلة للتفاوض، وأنّ ما تفاوض بشأنه هو شيء مختلف تماماً، وهو أنّه ينبغي على أعدائها أن يعترفوا بجميع حقوقها على نحو لا لبس فيه، كأساس لإحلال السلام في المنطقة، وإنهاء حالة الحرب. ومع ذلك، فإنّ الحقوق التي تدّعيها إسرائيل لنفسها هي مركزية لما يدّعي الفلسطينيون ومعهم المجتمع الدولي أنّه قيد التفاوض، أي الاستعمار الاستيطاني، والاحتلال، والتمييز العنصري والديني. ولكن هذه الممارسات الثلاث، كما أوضحت إسرائيل بجلاء، هي محمية كحقوق تنتحلها إسرائيل لذاتها، وهي غير قابلة للتفاوض، بل هي مركزية لتحقيق ماهية إسرائيل. فالتفاوض حولها يبطل مفهوم «الدولة اليهودية» ذاته. وبما أنّ هذا هو الوضع القائم، فعمّ تعتقد إسرائيل إذاً أنّها تفاوض الفلسطينيين منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في ١٩٩١؟ دعونا نعد النظر في تاريخ هذه الادعاءات كي نفهم وجهة نظر إسرائيل ونوضح أسس المفاوضات.
لقد حاججت الحركة الصهيونية دائماً، بأنّ إقامة دولة يهودية ليهود العالم هو ضرورة أخلاقية وتاريخية، لا بد من حمايتها وضمانها قانونياً، وقد سعت إلى ذلك بلا كلل على مدى عقود. ولكن هذا لا يعني أنّ نصوص الحركة التأسيسية انطلقت من هذا المبدأ القانوني أو الأخلاقي. بل لم يثر ثيودور هرتزل، «أبو» الحركة الصهيونية، مفهوم «الحقوق» اليهودية في طرحه لفكرة دولة اليهود في نصوصه التأسيسية «دولة اليهود» و«الأرض القديمة ـــــ الجديدة»، سواء في فلسطين أو الأرجنتين، الموقع الثاني الذي اقترحه للدولة. لقد تحدث هرتزل عن «حل» للمسألة اليهودية، لكنّه لم يتحدث عن «حقوق». وهو ما ينطبق أيضاً على المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقده هرتزل في ١٨٩٧، و«برنامج بازل» الذي أصدره المؤتمر، ولم يفصح عن مثل هذا «الحق». وينطبق هذا أيضاً على النصوص الثلاثة التأسيسية الدولية التي عملت الصهيونية جاهدة على استصدارها. فلم يستخدم وعد بلفور، وهو أول تلك النصوص، الصادر في ٢ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧ عن الحكومة البريطانية، لغة الحقوق، بل استخدم لغة العاطفة، واعداً بأنّ الحكومة البريطانية «تنظر بإيجابية» لإقامة «وطن قومي يهودي» في فلسطين، وأنّ وعدها هذا بمثابة «إعلان عن تعاطفها مع أماني اليهود والصهيونية». وأعقب وعد بلفور وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين، التي أصدرها مجلس عصبة الأمم في ١٩٢٢، واستندت إلى وعد بلفور، ولم تعترف هي الأخرى بأي حقوق لليهود في فلسطين ولا حتى بإقامة دولة. ما اعترفت به كان «الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين» على أنّها «الأرضية لإعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد»، مؤكدة مرة أخرى، على غرار وعد بلفور من قبلها، أنّ هذا لا ينبغي أن يمس «حقوق» غير اليهود. أما النص الثالث والأهم، أي قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٤٧، فقد انطلق من ديباجة أخلاقية، وهي أنّ الجمعية العمومية رأت أنّ «من المرجح أن يضرّ الوضع الحالي في فلسطين بالمصلحة العامة والعلاقات الودية بين الأمم»، ما يستدعي ضرورة تقديم «حلّ» لـ«مشكلة فلسطين».
على النقيض من تلك الوثائق الصهيونية والدولية التأسيسية التي لم تستخدم لغة الحقوق، سواء المعترف بها دولياً أو المنتحلة ذاتياً، أصرّت الحركة الصهيونية على استخدامها في وثيقتها التأسيسية للدولة، التي تسمّى في إسرائيل «إعلان الاستقلال»، وتسمّى رسمياً «إعلان إقامة دولة إسرائيل». يعلمنا الإعلان، الذي وقّعه ٣٧ من زعماء اليهود، ٣٥ منهم من المستعمرين الاستيطانيين الأوروبيين، وواحد فقط ولد في فلسطين، مضلّلاً بأنّه «في ١٨٩٧... واستجابة لدعوة ثيودور هرتزل، الأب الروحي للدولة اليهودية، عقد المؤتمر الصهيوني الأول وأعلن حق اليهود في النهضة الوطنية في بلادهم». لكن وكما يظهر في السجل الوثائقي، لم يعلن هرتزل ولا المؤتمرالصهيوني مثل هذا الحق على الإطلاق. مع ذلك، يعلمنا «إعلان الاستقلال» بما يأتي:
«لقد اعترف وعد بلفور في ٢ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧ بهذا الحق، وأعيد تأكيده في وثيقة الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم، التي منحت، على وجه الخصوص، المباركة الدولية للصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل وحقّ الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي... وفي ٢٩ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٤٧، أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قراراً يدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، وقد طالبت الجمعية العمومية سكان أرض إسرائيل باتخاذ خطوات ضرورية من جانبهم لتنفيذ ذلك القرار، وهذا الاعتراف من جانب الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته أمر لا رجعة فيه».
بما أنّ أياً من هذه الوثائق لم يؤكد هذا الحق البتة، فإنّ الادعاء بأنّها قامت بذلك هو ناتج من الاستثمار الصهيوني في اللغة الجديدة للعلاقات الدولية التي كُرِّس من خلالها مفهوم الحقوق بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد تزامن هذا مع ظهور خطاب حقوق الإنسان في الفترة ذاتها، ليمثل النموذج المهيمن في إقامة المطالب. في الواقع، إنّ «إعلان الاستقلال» الإسرائيلي مستثمر في هذا النمط من الحجج، إلى درجة أنّه يستشهد بمفهوم التنوير الأوروبي عن الحقوق «الطبيعية»، عندما يؤكد في ديباجته أنّ «هذا الحق [بإقامة الدولة اليهودية] هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي، شأنه شأن جميع الأمم الأخرى، في أن يكون سيد مصيره في دولته ذات السيادة». خلص واضعو «الإعلان» إلى أنّه «بحكم حقنا الطبيعي والتاريخي، وبناءً على قوّة قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نعلن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، التي ستعرف باسم دولة إسرائيل».
ومن المهم هنا أن نشير إلى أنّ منطق هذه الوثيقة يكمن في إصرارها على أنّ لاستدعائها لحقّ اليهود في إقامة دولة يهودية في فلسطين سلسلة إسنادية جليّة في القانون والأخلاق، وأنّ «إعلان الاستقلال» هو مجرد الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة، وأنّ هذا الحق الذي منحه قرار التقسيم «لا رجعة فيه». ولكن حقيقة أنّ أياً من هذا لم يكن صحيحاً، لم يردع واضعي الإعلان، الذين قاموا، بعد تأكيدهم على حق انتحلوه لأنفسهم، بمأسسة نمط من الحجج سيغدو اللغة الأكثر نفوذاً في إثبات الحقائق الإسرائيلية على الأرض.
أما قرار التقسيم، فقد كان اقتراحاً غير ملزم، لم يصادق عليه مجلس الأمن ولم يعتمده، وبالتالي لم يكتسب صفة قانونية، كما تتطلب لوائح الأمم المتحدة (رغم أنّه لم يكن للأمم المتحدة، بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، على أي حال، الحق في تقسيم ما لم يكن ملكها لتقسمه، فضلاً عن أنّها فعلت ذلك من دون استشارة الشعب الفلسطيني نفسه، حارمة إياه من حقه في تقرير المصير). ومع ذلك، فمن المهم إمعان النظر بمقصود قرار التقسيم بـ«دولة يهودية» و«دولة عربية»، ولا سيما أنّ الحكومة الإسرائيلية تستخدم هذه الوثيقة لشرعنة إقامة دولتها وسياساتها اللاحقة. ولكن كي يكون بإمكان إسرائيل الاعتماد على قرار التقسيم لإقامة دولتها ولسياساتها، فإنّها بحاجة إلى تحديد ما إذا كان قرار التقسيم اقترح أن تكون الدولتان الناجمتان عن هذا التقسيم يهودية خالصة وعربية خالصة ديموغرافياً، أو أن تمنح قوانينهما حقوقاً لليهود أو العرب على نحو تفضيلي، أو أن تميّز ضد غير اليهود أو غير العرب. ولكن، كما هو متوقع، لم تكن هذه هي الحال. فعلى الرغم من أنّ إسرائيل قامت بتشريع باقة من القوانين العنصرية والتمييزية دينياً، ضد مواطنيها العرب الفلسطينيين (ثمة قرابة ٣٠ قانوناًَ سارياً من هذا النوع في الوقت الحاضر)، وبدأت بمصادرة الغالبية العظمى من الأراضي التي يملكها العرب الفلسطينيون في البلاد، فإنّ قرار التقسيم لم يقترح أو يأذن لها بذلك البتة، بل على النقيض من ذلك، فقد نصّ قرار التقسيم بوضوح على أنّه «لا يجوز إجراء أي تمييز من أي نوع بين السكان على أساس العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس» (الفصل ٢ من المادة ٢)، وأنّه «لا تجوز مصادرة الأراضي المملوكة للعرب في الدولة اليهودية (ولا المملوكة لليهود في الدولة العربية)... إلا للمصلحة العامة. وفي جميع حالات المصادرة، ينبغي على المحكمة العليا أن تحدد مقدار التعويض الكامل قبل نزع الملكية» (الفصل ٢ من المادة ٨). وعندما صدر «إعلان الاستقلال» الإسرائيلي في ١٤ أيار/ مايو ١٩٤٨، كانت القوات الصهيونية قد هجّرت حوالى ٤٠٠،٠٠٠ فلسطيني من أراضيهم، وكانت تستعد لطرد ٣٥٠،٠٠٠ فلسطيني آخر، في الأشهر التالية. ويستنتج من ذلك بوضوح أنّ قرار التقسيم لم يأذن لإسرائيل بإقامة دولة يهودية ذات غالبية سكانية يهودية عبرالتطهير العرقي فحسب، بل لم يسمح لها أيضاً بالادعاء بأنّها دولة يهودية، بمعنى أن تمنح تلك الدولة امتيازات للمواطنين اليهود، تحرم منها المواطنين من غير اليهود قانونياً ومؤسساتياً.
كان قرار التقسيم المقترح، الذي تعدّه إسرائيل أساساً لإنشائها، قد اقترح بداية دولة يهودية ذات غالبية عربية، ومن ثم جرى تعديله على نحو بسيط في وقت لاحق، كي يشمل عدد سكانها ٤٥ في المئة مواطنين عرباً لا أكثر. وبالتالي، فإنّه لم يقترح أنّ الدولة اليهودية ستكون خالية من العرب أو «Arabrein»، كما تمنّت الدولة الإسرائيلية وكما يأمل العديد من اليهود الإسرائيليين المعاصرين اليوم. وكان قد تم تقسيم فلسطين إلى ١٦ دائرة، ٩ منها كانت موجودة في الدولة اليهودية المقترحة، وكان العرب في الواقع يمثلون الأغلبية في 8 من المقاطعات التسع التي تشملها الدولة اليهودية. ليس ثمة نص واحد في قرار التقسيم يوحي بأنّ ما يعنيه القرار بـ«الدولة اليهودية» هو منح الإذن بالتطهير العرقي، أو استعمار مجموعة عرقية واحدة الأراضي المصادرة من المجموعة الأخرى، ولا سيما أنّ قرار التقسيم يقدم تصوّراً للعرب في الدولة اليهودية، باعتبارهم أقلية كبرى دائمة، وبالتالي ينص على الحقوق التي يجب أن تمنح للأقليات في كل دولة. ولكن ما أهمل قرار التقسيم التفكير فيه هو حقيقة أنّ العرب كانوا أقلية كبيرة، وأنّهم في غضون سنوات قليلة قد يتفوقون عددياً على عدد السكان اليهود في الدولة اليهودية. فعلى سبيل المثال، لم يدرك قرار التقسيم العواقب المترتبة على حقيقة أنّه إذا ما كانت القومية اليهودية ستحدد ماهية الدولة اليهودية، فكيف يمكنها استيعاب ما يقرب من نصف سكانها الذين يحملون مفهوماً مختلفاً للقومية، وتستثنيهم من قومية دولتها مسبقاً؟ وحتى لو كان العرب الفلسطينيون في الدولة اليهودية من غير المنتسبين للقومية العربية الفلسطينية، فسوف يظل من غير الممكن أن يصبحوا، حتى لو رغبوا، قوميين يهوداً، إذ إنّهم مستثنون من القومية اليهودية تعريفياً. فكيف إذاً يمكن الدولة اليهودية ألا تميّز ضدهم؟
ولم يكن هذا الوضع الديموغرافي ليشكل مشكلة بالنسبة الى الدولة العربية، فقرار التقسيم تصوّر أنّه سيسكن في الدولة العربية ١،٣٦ في المئة فقط من اليهود. وبينما فهمت الحركة الصهيونية التناقضات في قرار التقسيم، وقررت على أساس هذا الفهم طرد معظم السكان العرب من الدولة اليهودية المتوقعة، إلا أنّها ظلّت عاجزة عن جعل دولتها خالية من العرب تماماً، أو Arabrein، ما عقّد الوضع بالنسبة اليها مع مرور الوقت. فالعرب الفلسطينيون يشكلون اليوم ما يزيد على ٢٢ في المئة من سكان إسرائيل الذين يمنعون من الانضمام إلى القومية اليهودية، ويعانون من التمييز المؤسساتي ضدهم، لأنّهم من غير اليهود. بطبيعة الحال، لو كانت الدولة خالية من العرب أو Arabrein، فلن تكون ثمة حاجة الى قوانين إسرائيلية تميّز بين اليهود وغير اليهود، بما في ذلك قانون العودة (١٩٥٠)، وقانون أملاك الغائبين (١٩٥٠)، وقانون ملكية الدولة (١٩٥١)، وقانون المواطنة (١٩٥٢)، وقانون الأحوال (١٩٥٢)، وقانون إدارة أراضي إسرائيل (١٩٦٠)، وقانون البناء والتشييد (١٩٦٥)، وقانون عام ٢٠٠٢ المؤقت الذي يحظر الزواج بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وقد جادل الصهاينة هنا، بما فيهم أبرز المؤرخين الإسرائيليين بيني موريس، أنّه لولا وجود العرب في الدولة اليهودية، لما اضطرت الدولة اليهودية الى تكريس العنصرية في جميع هذه القوانين. فلو كانت إسرائيل قد نجحت بالفعل في طرد كلّ الفلسطينيين، لكان القانون الوحيد الذي احتاجت اليه للحفاظ على طابعها اليهودي، الذي لا يلوثه العرب، هو قانون للهجرة يضمن ذلك.
ففي نهاية المطاف، يترجم حقّ إسرائيل المنتحل في إقامة دولة يهودية على الفور إلى حق اليهود باستعمار أراضي الفلسطينيين، وهو الأمر الذي يتطلب مصادرة مسبقة لأراضيهم، فيمكن استعمارها واستيطانها من قبل اليهود، والحدّ من عدد الفلسطينيين عن طريق تهجيرهم وسن القوانين التي تمنع عودتهم إلى وطنهم، وإبطال حقوق الفلسطينيين الذين لم يطردوا من خلال التمييز المؤسساتي والقانوني.
من المهم التأكيد هنا، أنّ «الدولة اليهودية» حسب مهندسي قرار التقسيم، كانت تعني دولة يحكمها القوميون اليهود الذين ينتمون إلى الحركة الصهيونية، لكنّها ستكون دولة يشكل عرب فلسطينيون نحو نصف عدد سكانها، ولا يمكن مصادرة أراضيهم كي يستعمرها اليهود، ولهم حقوق متساوية مع حقوق اليهود، ولا يعانون من أيّ تمييز عرقي أو ديني. بالنسبة الى إسرائيل، ما يعنيه مصطلح «دولة يهودية» يختلف تماماً، إذ يبدو أنّه يعني طرد غالبية السكان العرب، ومنع عودتهم، ومصادرة أراضيهم من أجل الاستعمار والاستيطان الحصري اليهودي، وسن قوانين تمييزية ضد من بقي من هؤلاء العرب الفلسطينيين الذين لم يتسنّ طردهم من البلاد. فعندما تصر إسرائيل اليوم على أنّه ينبغي على السلطة الفلسطينية ودول عربية أخرى الاعتراف بحقها في أن تكون دولة يهودية، لا يعني ذلك أنّه يجب على هؤلاء الاعتراف بيهوديتها، كما يصورها قرار التقسيم، وإنما كما تفهمها إسرائيل، وكما تمارس هذا الفهم على أرض الواقع. ومن الجدير بالملاحظة هنا أنّه لا يزال من غير الواضح أي معنى لـ«الدولة اليهودية» يريده الرئيس أوباما (والرئيس بوش من قبله)، عندما يطالب العربَ والفلسطينيين بالاعتراف بحق إسرائيل في أن تكون دولة يهودية ـــــ هل هو معنى قرار التقسيم أو المعنى الذي تفهمه إسرائيل؟

* أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، وقد صدر كتابه ديمومة المسألة الفلسطينية عن دار الآداب في ٢٠٠٩