تصاعد المطالبة العمالية بحلّ الاتحاد العمالي الرسمي في مصر، على أساس أنّه جزء من النظام السابق وإحدى أهم أدواته في السيطرة على الحركة العمالية، لا تجد من يستجيب لها. حتى بعد حبس رئيس الاتحاد حسين مجاور بتهمة ضلوعه في التحريض على قتل المتظاهرين، والمشاركة في جمع البلطجية في الواقعة المشهورة بموقعة الجمل في الثاني من فبراير/ شباط، يبدو التنظيم النقابي الذي تأسس عام 1957، أكثر رسوخاً مما تصور الجميع. لكن أليس غريباً بالفعل أن يظل الاتحاد العمالي صامداً فيما تنهار أركان النظام التي وفرت له الحماية والدعم دائماً؟ لقد أطاحت الثورة النظام والحزب الحاكم والبرلمان، وحتى جهاز مباحث أمن الدولة، ومع ذلك بقي الاتحاد، كأنّ سراً ما يمنحه البقاء. والواقع أنّ سرّ بقاء الاتحاد العمالي قديم قدم الاتحاد نفسه، وربما حتى قبل ميلاده. فقد تناوبت على هذا التنظيم النقابي ثلاثة أنظمة حكم، منذ عبد الناصر الذي أسسه، حتى مبارك، مروراً بالسادات. زالت جميع تلك الأنظمة، وبقي هو يتحدّى الزمن والأحداث.

وعلى مدى أكثر من نصف قرن، صعدت وهبطت مؤسسات ومنظمات، كان أقلّها أكثر قوة ونفوذاً من الاتحاد العمالي، مثل الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب وحزب مصر والحزب الوطني وغيرها، تبخرت جميعاً وظل الاتحاد العمالي المؤسسة الوحيدة الباقية مما بناه عبد الناصر، رغم حرص خلفه السادات على محو آثاره. كان جمال عبد الناصر أول من اكتشف أهمية وجود تنظيم نقابي في كنف السلطة، حتى قبل تأسيسه. فعندما احتدم الصراع بين جناحي محمد نجيب وعبد الناصر في السلطة في مارس/ آذار 1954، استعان جناح عبد الناصر بالنقابات العمالية لتنظيم إضرابات وتظاهرات لتأييده، ومطالبة الجيش بالبقاء في السلطة، ورفض عودة الأحزاب وإجراء الانتخابات. جدير بالذكر أنّ الدعوة إلى الإضراب وُجّهت عبر الإذاعة الرسمية، في سابقة فريدة من نوعها. الاكتشاف الذي حسم المعركة لصالح عبد الناصر، تحوّل بعد ذلك، إلى أداة رئيسية بيد النظام، وكلّ الأنظمة التالية، بعدما أسس عبد الناصر الاتحاد العمالي في 1957. وكما استخدم عبد الناصر الاتحاد ذراعاً عمالية وشعبياً للسلطة، استعان السادات بالتنظيم النقابي نفسه وبرجاله أيضاً، وكانت التظاهرات التي نظمها في 1971 ترفع هتاف «إفرم إفرم يا سادات»، لتأييد اعتقال الرئيس لرجال عبد الناصر، في ما سمي قضية مراكز القوى، تأكيداً لدور التنظيم النقابي تجاه النظام. ويشبه ذلك اصطحاب السادات لقادة التنظيم في رحلته إلى القدس، لإضفاء شرعية على الزيارة.
الدور نفسه استمر التنظيم النقابي الرسمي في أدائه في عهد مبارك. مبايعات وتأييد غير مشروط لرئيس الجمهورية والنظام ولكلّ سياساته، باسم ملايين العمال المنضمين إجبارياً للاتحاد، وتنظيم المؤتمرات والحشود، للهتاف للرئيس، بل ولزوجته وأولاده. وربما كانت مذكرة تأييد سياسة الخصخصة التي وقعها رئيس الاتحاد العمالي ورئيس اتحاد الصناعات في 1991، خير دليل على التأييد غير المشروط لسياسة النظام، حتى عندما تكون معادية للعمال، فضلاً طبعاً عن ضلوع الاتحاد في تنظيم التظاهرات المؤيدة لمبارك، وتنظيم أعمال البلطجة أثناء الثورة. تلك المقدمة ليست تاريخية كلّياً، فهي تقدم إجابة عن سرّ الإصرار على بقاء التنظيم النقابي الرسمي اليوم، حتى بعدما اتجه العمال نحو تأسيس نقاباتهم المستقلة عنه، في العديد من المواقع العمالية. وهو الاتجاه الذي بدأ قبل الثورة في 2008، وتزايد بعدها. فعقب إطاحة النظام السابق، بدأ التنظيم النقابي الرسمي بعرض خدماته على النظام الجديد عبر توجيه التهانئ لرئيس الوزراء الجديد، وتأييد قرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وحتى الإعلان عن تكريم أهالي شهداء الثورة التي كان يحرّض ضدّها. سر بقاء التنظيم النقابي الرسمي اليوم، يمكن أن يكشفه سؤال بسيط هو: هل يمكن أن يحتاج إليه النظام الحالي في تنفيذ أيّ من المهمات التي نفّذها للأنظمة السابقة؟ فللحقيقة، لا يبدو أنّ هناك أي مبرر آخر لاستمراره. وبوضوح أكثر، هل يدخر النظام الحالي التنظيم النقابي لوقت قد يحتاج فيه إلى من يخرج بمسيرات تناشد المجلس العسكري الاستمرار في السلطة مثلاً، أو أي إجراء آخر يمثل رجوعاً عمّا حققته الثورة؟ إنّ قضية الحرية النقابية وحق العمال في بناء نقابات مستقلة، بعيدة عن سيطرة الدولة وتنظيمها الرسمي، قضية لا تتعلق فقط بحقوق العمال وتحسين شروط العمل، رغم أهمية ذلك، إذ إنّ بناء تنظيمات نقابية، بإرادة العمال، خارج هيمنة الدولة هو الطريق الوحيد لحرمان أيّ جهة من ادعاء تمثيل العمال والتحدث باسمهم عكس مصالحهم وإرادتهم، واستخدام ذلك في ادعاء شرعية كاذبة. إنّ بقاء التنظيم النقابي الرسمي، بكل تاريخه، في خدمة كل الأنظمة الاستبدادية، يمثل تهديداً جدياً لأيّ إنجاز حققته الثورة حتى اليوم. لكن بقدر ما يمثّل اتحاد نقابات العمال مصر الحكومي عائقاً أمام الحركة العمالية وحقها في تنظيمات نقابية حقيقية وتهديداً للديموقراطية بأدائه دور الذراع العمالية للسلطة، بقدر ما يمكن أن يكون لحله بقرار فوقي، كما يدعو العديد من نشطاء الحركة العمالية اليوم، آثار سيئة، لسببين. أولاً، إصدار قرار بحل تنظيم نقابي، أيّاً كان، حتى وإن كان معادياً للعمال وتابعاً للدولة، يعد سابقة تمنح الحق للدولة في التدخل في حلّ نقابات العمال، رغم ما يمكن قوله عن اللحظة الاستثنائية وطبيعة التنظيم النقابي الرسمي. أما النقطة الثانية، وهي الأهم، فتتمثل في أنّ التنظيم النقابي الرسمي يضم 23 نقابة عامة، تضم بدورها نحو 2000 لجنة نقابية فرعية، يضم مجلس كل منها 11 عضواً في المتوسط. أي أننا نتحدث عن عشرات الآلاف من النقابيين الذين تربوا وتدربوا في هذا التنظيم النقابي بخبراتهم التنظيمية والنقابية، وربما يكون بعضهم، أو الكثير منهم، لا ينتمي بالفعل إلى ذلك التنظيم وتقاليده، حيث لم يكن هناك تنظيم نقابي بديل له عندما انضمّوا إليه. في كل الأحوال، سيعني حلّ التنظيم النقابي إطلاق هذا الجيش من النقابيين وسط الحركة العمالية التي شرعت أخيراً في بناء تنظيماتها المستقلة، لكن بخبرات في التنظيم والعمل النقابي لا تزال في مراحل التراكم والبناء نتيجة انقطاع العمل النقابي الكفاحي لعقود طويلة. سيشبه ذلك ضخ دماء فاسدة في شرايين الحركة النقابية الوليدة، ما يهدّد بإعادة إنتاج التنظيم النقابي الرسمي بتقاليده وخبراته مرة أخرى، ولو تحت أسماء مختلفة. إنّ الطريقة الفضلى لمواجهة التنظيم النقابي الرسمي هي من أسفل، عبر تنظيم قواعد العمال في نقابات مستقلة، وحرمانه من العضوية الورقية التي تباهى بها دائماً. لن يقضي على التنظيم النقابي الحكومي سوى الحركة النقابية التي تحشد جماهير العمال خلفها، وتحاصر من ينتحل صفة تمثيل العمال ويتاجر بهم. هذه الطريقة هي التي تضمن أولاً تحصين منظمات العمال ضد أي إجراءات استبدادية في المستقبل، كما تحمي الحركة النقابية من فلول التنظيم النقابي الحكومي القادرة على التحوّل من موقف لآخر، حسب الظروف. المواقف الرسمية التي يمكن اتخاذها تجاه التنظيم الرسمي يجب أن تتمثل في فتح ملفات الفساد فيه ومحاسبة أصحابها، وحرمانه من أيّ دعم حكومي، سواء مادي أو معنوي، وخاصة وقف تحصيل الاشتراكات الإجبارية من العمال، وعدم الاعتداد سوى بالعضوية الاختيارية. حرمان التنظيم النقابي الرسمي من الامتيازات التي لم يكن يستحقها أصلاً (كانت مقابل تقديم خدماته للأنظمة المستبدة)، هو ما يمنعه من العودة إلى تقديم تلك الخدمات مرة ثانية. أما بناء حركة نقابية مستقلة ومناضلة والقضاء على النقابات العميلة للدولة، فمسؤولية الحركة العمالية نفسها.

* صحافي مصري