طالعت باهتمام، بحثاً موجزاً للدكتور فوّاز طرابلسي (راجع «الأخبار» في 22 آذار 2011، «إدوارد سعيد في تطوّره الفكري: من شرق غرب إلى رحاب الإنسانية») شرح فيه، باختصار، أفكار إدوارد سعيد عن الاستشراق في مجموعة مؤلفاته، لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على صدور كتاب «الاستشراق».

لكنّي أوّد أن أطرح الموضوع من منحى مختلف، لأجيب عن سؤالين: هل يُصنّف إدوارد سعيد ككاتب وباحث في حقل الاستشراق، أم أنّ هذا الكتاب وإخوته جزء من مشروع تنويري أكبر يخوضه؟ والثاني: ماذا كان سعيد سيقول عن الثورة العربية عام 2011؟
كتب إدوارد سعيد مؤلّفاً صغيراً في 1994، صدر بالعربية بعنوان «صور المثقّف» (1)، وفيه شروط المثقّف وقول الحق في وجه السلطة. ويطرح فيه تعريف المثقف الحقيقي الذي لا يجوز أن يقل مبدئية عن يسوع المسيح وسقراط، ويدافع عن المعايير الأزلية للحق والعدل، مقارنةً بعامة الناس المهتمين بالفائدة المادية والتقدّم الشخصي وبإقامة علاقة وثيقة مع النظام السياسي. وسعادة المثقف الحقيقي هي في تحرّك عاطفة وجدانية، ومبادئ الحق والعدل فيه، عندما يشجب الفساد ويدافع عن الضعيف، ويتحدّى السلطة القمعية والناقصة: مِن الفرنسي أرنست رينان، الذي شجب حروب نابوليون العنيفة في أوروبا، إلى الألماني نيتشه، الذي شجب عنف ألمانيا ضد فرنسا عندما احتلّتها عام 1871. ويقول إدوارد سعيد إنّ الحكومات إنّما تريد أن يتحوّل المثقفون إلى خدّام لها، يحوّلون الأنظار عن أعداء البلاد الطبيعيين، بابتكار عبارات ملطّفة وقاموس لغة خشبيّة، ونظام كامل من العبارات المقنّعة التي يمكنها أن تخفي ما يجري باسم النفعيّة المؤسساتية (2).
وعلى هذا الأساس، لا يملك المثقف خيارات عدّة. فإمّا أن يتكلّم بشجاعة، وبدون تردّد ضد أعمال الظلم السلطوي والقمع والحماس الشوفيني والقومي الأعمى، وإمّا أن يسير كغنم في قطيع. من هنا أهمية دور المثقف كشخص يقول الحق في مواجهة السلطة، وكفرد قاسٍ وبليغ وشجاع إلى درجة لا تُصدّق، وغاضب لا يعرف أي قوّة دنيوية تكون كبيرة ومهيبة فلا يمكن انتقادها وتوبيخها على سلوكها. وعلى كلّ مثقف، سواء كان أستاذاً جامعياً أو مؤلفاً أو شاعراً أو صحافياً، أن ينتقد السلطة، لأنّ المثقفين، لا الطبقات الاجتماعية وعامة الناس، هم المحور الأساسي لأعمال المجتمع العصري. وبدونهم لم تشتعل أيّ ثورة رئيسية في التاريخ الحديث، ولم تقم أيّ حركة مضادة للثورة. هم آباء الحركات وأمّهاتها وأبناؤها وبناتها. ويقف سعيد موقف مدرسة الحداثويين بأنّ قضية الثقافة لم تنته أو تُحسم بعد لمصلحة الحق والعدالة، «فالواقع أنّ الحكومات ما زالت تضطهد الشعوب على نحو واضح، وسوء تطبيق العدالة ما زال يحدث، واستمالة السلطة للمثقفين واحتواؤهم ما زالا قادرين بفعالية على خفض أصواتهم وانحراف المثقفين عن مهمتهم الأساسية في معظم الأحيان» (3).
ويطالب إدوارد سعيد المثقف باستجواب السلطة، وخاصةً سلطة بلده. فيقول: «يسمع المرء كلاماً لا نهاية له عن القيم اليهودية ـــــ المسيحية والحقائق الإسلامية والحقائق الشرقية والحقائق الغربية، ويقدّم كل صاحب رأي برنامجاً متكاملاً لإبعاد الآخرين كلّهم... ومن أكثر المناورات الفكرية كلّها خسّة التحدّث بعجرفة عن انتهاكات في مجتمع الغير وتبرير الممارسات ذاتها تماماً في مجتمع المرء نفسه». ويختار سعيد الكاتب الفرنسي ألكسي دي توكفيل، الذي وضع كتاب «الديموقراطية في أميركا»، فعدّه منافقاً، لا يلتزم بالقيم العليا للمثقف. فهو انتقد المعاملة الأميركية السيئة للهنود والعبيد السود، لكنّه صمت عن السياسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، في أواخر الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، عندما شنّ جيش الاحتلال الفرنسي حرباً وحشية للقضاء على المقاومين الجزائريين. فتجاهل دي توكفيل القواعد التي اعتمدها في احتجاجه على ارتكاب أعمال محظورة ضد سود أميركا، عندما تعلّق الأمر بمصلحة الاستعمار الفرنسي في أفريقيا. ويقول سعيد: «مجازر الجزائر لا تثير مشاعر دي توكفيل، والمسلمون، كما يقول، ينتمون إلى ديانة أدنى منزلة ويتحتّم تأديبهم» (4). وفي هذا السياق، يسجّل سعيد مبدأً «أنّك إذا رغبت في دعم العدالة الإنسانية الأساسية فعليك أن تدعمها للجميع، وليس فقط انتقائياً لمن تصّنفهم جماعتك أو حضارتك أو أمّتك... فالخطابة الحماسية عن أمجاد ثقافتنا «نحن» أو انتصارات تاريخنا «نحن» لا تستحقّ طاقة المثقف» (5).

عن الثورات العربية

تحديدات المثقف الحداثوي التي وضعها إدوارد سعيد قبل عشر سنوات من رحيله، تقودنا إلى أزمة المثقف العربي أمام النظام السياسي العربي، وأمام الفكر الغربي عشية اندلاع الثورات. يقف المثقّف العربي، اليوم، أمام ثورات بلاده ويواجه ثلاثة تحديات: النظام العربي الرجعي المسؤول عن الفقر والتخلّف وسلسلة الهزائم أمام الاستعمار والغرب، وتحدي اسرائيل التي لا تزال تتمسّك بالعقيدة الصهيونية التوسعية ولا تعترف بالحق الفلسطيني، وجفاء مثقفي أميركا وحلفائها الغربيين تجاه القضايا العربية.
في التحدّي الأول، فإنّ أسوأ ما يرتكبه المثقفون العرب هو أن ينضووا في لواء السلطة، فيتخلّوا عن واجبهم الاخلاقي، لكي يساعدوا الطبقة السياسية ـــــ الاقتصادية الحاكمة على ترويض الناس و«تنظيم المشاعر الاجتماعية». وهذا ينطبق، إلى حدّ ما، على مثقفي لبنان منذ اندلعت الحرب في 1975 حتى اليوم. إذ يشارك بعضهم، بتحيّز سياسي، في إذكاء الروح الطائفية، وفي إطلاق عنان غوغاء الجماهير والتعصّب الشوفيني وأحياناً العنصري، وتبرير المصالح الطبقية للفاسدين في المجتمع.
أمّا جفاء المثقف الغربي تجاه قضايا العرب، فليس له ما يبرّره. وإذا كان مفكّرو الغرب في القرن التاسع عشر ينضحون بنمطية قومية عنصرية، فإنّ مفكّري القرن العشرين لم يكن أمامهم أيّ مبرّر لتأييد حكومات بلادهم (فرنسا وبريطانيا وأميركا)، في دعم الاستعمار والعدوان، ضد شعوب العالم الثالث. فقد وصلتهم كتابات مفكّري ومناضلي العالم الثالث من أجل الاستقلال والعدالة وحقوق الإنسان، ووصلتهم أخبار حركات التحرّر في العالم الثالث وما ترتكبه بلادهم الإمبريالية من اضطهاد ومجازر في أفريقيا وآسيا. ذلك أنّ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا نكثت، ولا تزال، عشرات قرارات مجلس الأمن الدولي، عندما يصبّ ذلك في مصلحتها ومصلحة اسرائيل ضد مصالح الشعوب العربية وضد الفلسطينيين، كما غزت بلداناً صغيرة وفقيرة، مثل بنما وغرينادا وفيتنام وكمبوديا ولاوس، ودعمت دكتاتوريات حول العالم، وقامت بأعمال اغتيال لقادة مخلصين لأوطانهم، ثم احتلّت أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003. ورغم كلّ ذلك، لم تظهر فئة من المثقفين الأميركيين والأوروبيين ـــــ باسثناءات قليلة ـــــ تنتقد وتعارض سلوك الغرب الهمجي في التعاطي مع مصائر الشعوب الأخرى، لا بل تجدهم يؤيّدون هذه الحروب. وبحسب إدوارد سعيد، فإنّ انتقاد المثقف الأميركي أو الأوروبي العراق ونظام صدام حسين، لا يعفيه من أن تستحق الولايات المتحدة الانتقاد نفسه، لكن المثقف الأميركي لم يفعل، «لأنّ دوافعنا كأميركييّن أكثر سمّواً، وصدام هو هتلر، أمّا «نحن»، فتحرّكنا دوافع ناجمة بالدرجة الأولى عن محبّتنا للغير ونزاهتنا لذا فإنّ حروب أميركا عادلة». وحتى عندما ترتكب إسرائيل المجازر وتشنّ الحروب على بلدان عربية، فإنّ مثقفي أميركا لا يتنقدون اسرائيل، بل شغلوا أنفسهم بانتقاد الاتحاد السوفياتي السابق.
لقد خرج سعيد عن إطار مثقفي السلطان في أميركا، فوقعت عليه عيون النظام الأميركي الحمراء، وجرت محاولات داخل الولايات المتحدة، من جانب أنصار التيار المحافظ الجديد واللوبي الصهيوني، للحدّ من نفوذه في دُور الأبحاث والجامعات في الولايات المتحدة، أثناء حياته وبعد وفاته، لكن الفكر الحي لا يموت. أمّا في العالم العربي، فقد أقيمت مناسبات لتأبينه وتكريمه في الفصل الآخير من 2003، لكنّها أهملت حقيقة أنّه انتقد بشدّة الأنظمة الظلامية في العالم العربي، فكان شديد اللهجة في اتهامه الصارم للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالدكتاتورية والفساد. ولم يعادل نقده لإسرائيل إلا كتاباته عن الفساد العربي واختفاء حقوق الإنسان العربي. فهل هذا ما يؤمن به فعلاً من احتفل بإدوارد سعيد في العواصم العربية المذكورة، وهل هذا ما يجهرون به ويعملون من أجل تحقيقه؟
لو قُدّر لإدوارد سعيد أن يعود إلى الحياة، لوضع كتباً أخرى في سياق مشروعه الفكري الذي يتجاوز مواضيع الاستشراق، كما ذكر لي مرّة. فقد كان ضمن مشروعه الفكري والنظري تفكيك ثقافة النظام لدى العرب والغرب، وهو اجتهد في توظيف مشروعه النقدي في تفكيك الفكر الغربي ونقد الخطاب الناتج عنه. وقاوم سعيد مفهوم صراع البشر، القائم على الأصول والأعراق والانتماءات الجغرافية والعرقية الصغيرة، وتجلى نضاله الأساسي في تنبيه الغرب والشرق، على حد سواء، إلى أنّ الحروب بين الحضارات والثقافات، مدمّرة للهويات نفسها (6). أخاله يرحّب بانتفاضة الشعوب العربية، لكنّه سيتريّث في تقديم دعم مطلق، طالما أنّ الأمور لا تطمئن إلى أنّ بديل أنظمة الفساد والرجعية هو أنظمة عصرية، تحترم حقوق البشر وتلتزم بالقضايا العربية.

* أستاذ جامعي لبناني مقيم في كندا

هوامش
(1) Edward Said, Representations of the Intellectual, New York, Pantheon Books, 1994
(2) إدوارد سعيد، صُور المثقّف، بيروت، دار النهار، 1996، ص 22 ــ 24
(3) إدوارد سعيد، صُور المثقف، ص 33.
(4) Edward Said, Culture and Imperialism, New York, Alfred Knopf, 1993, pp. 169-190.
(5) إدوار سعيد، صور المثقّف، ص 98 ــ 99.
(6) فخري صالح، ادوارد سعيد دراسة وترجمات، بيروت، منشورات الاختلاف، 2009