يستحق الضيف رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، الذي حلَّ ببغداد قبل أيام، أكثر من تنويه لدماثته ولطفه والتفاتاته الشعرية والعاطفية التي وردت في خطابه بمجلس النواب بالمنطقة الخضراء. فهو تكرم وقرأ أبياتاً من النشيد الوطني العراقي، «موطني»، لإبراهيم طوقان. وأورد مثلاً شعبياً تركياً يقول: «لا حبيبة كالأم، ولا مدينة كبغداد». كذلك يمكن الإشارة إلى الاستقبال الحافل والمرحِّب الذي حَظي به من لدن جهات رسمية وشعبية «حزبية»، كانت تردّ له الجميل على حفاوة استقباله لزعيمها. غير أنَّ هذه الأمور غالباً ما تكون شكلية، وسريعة التلاشي من ذاكرة الشعوب، وهي على ما فيها من نبل عاطفي، قليلة التأثير على مستقبل العلاقات بينها.

إنّ الأكثر بقاءً وجدوى، كما يؤكد التاريخ الحي لشعوب الأرض، هو الأفعال والمآثر التي يجترحها القادة الاستثنائيون ويخترقون بها السقوف السياسية المعهودة والتقليدية، ويكسرون بها المعادلات النابعة من موازين القوى والحسابات التجارية الرقمية الخالية من المشاعر. وبالتالي، يفلحون ببناء صرح هنا، أو يؤسسون مشروعاً كبيراً ومفيداً، يعود بالنفع على الشعوب المتجاورة، هناك. مشاريع تركيا في العراق كثيرة ومجزية ومفيدة، بلا ريب. تبرع أكثر من نائب ومسؤول عراقي، فعددها لنا، وبيّن المليارات من الدولارات التي ستتكلفها. ونعلم كذلك أنّ تركيا تستفيد كثيراً من عائدات مرور النفط العراقي عبر أراضيها، منذ عقود، وتمثّل تلك العائدات نسبة مهمة من دخلها القومي. في المقابل، يمكن العراق الاستغناء عن تلك الطريقة في تصدير نفطه، عبر توسعة موانئه الجنوبية، أو عبر ترميم أنابيب تصديره المهجورة إلى بانياس السورية وإحيائها، وهي الأقرب والأقل تكلفة. لكن السياسة عرقلت هذا المشروع في عهد صدام، وعرقلته كذلك في زمن خلفائه، في مصادفة غير قابلة للتفسير، رغم أنّها لا تخرج عن إطار الذاتيات وضيق الأفق القيادي.
كلّ ذلك معلوم، وقد أشار إليه أكثر من طرف، لكن شيئاً مهماً وخطيراً، لم يشأ أحدٌ من الضيوف الأتراك، ولا من مستقبليهم العراقيين، الإشارةَ إليه أو ذكره، مع أنّه يهم الكيان العراقي الجغراسياسي ككلّ، بل هو يهم وجود الشعب العراقي (الوجود الفيزيكي) برمته. إنّه شيء يتعلق بوجود العراق، ولا بقاء ولا وجود للعراق بدونه، ألا وهو وجود الرافدين العظيمين، دجلة والفرات. ومعلوم أنّ هذين النهرين العراقيين، اللذين استمد العراق اسمه القديم «ميزوبوتاميا» أيّ ما بين النهرين منهما، باتا يلفظان أنفاسهما الأخيرة، بسبب عشرات السدود التركية العملاقة عليهما، وآخر تلك السدود هو سد «أليصو» على دجلة. وللإنصاف، لا يمكن إنكار التأثيرات الضارة والمدمرة للمشاريع الإيرانية على نهر دجلة أيضاً. فقد قطع الجار الإيراني المسلم أكثر من أربعين رافداً يصب في هذا النهر. بل زاد هذا الجار المسلم، فوجّه مياهه الملوثة بنفايات صناعته وزراعته، نحو أنهار ومزارع البصرة والأهوار الجنوبية، وسط صمت حكومي مشبوه. كذلك لا يمكن نكران أو نسيان التأثيرات السلبية التي سيلحقها المشروع السوري ذو التمويل الكويتي «العربي المسلم»، لتحويل مجرى دجلة، أو لنقلْ تحويل نسبة مهمة من مياهه إلى العمق السوري، إضافة إلى استحواذ سوريا على جزء كبير من الحصة العراقية المائية، كما يكرر الأتراك أنفسهم. لكن مكمن الخطر المحدق بالنهرين يأتي من السدود التركية بنحو رئيسي، مع عدم نسيان الأخطار الأخرى.
يعلم الضيف التركي والوفد المرافق له، الذي يضم ـــــ كما قالت الأنباء ـــــ أكثر من 200 رجل أعمال، أنّ العراق اليوم بلد محتل. ويدرك ذلك الوفد أنّ حكم المحاصصة الذي يقود هذا البلد، غارق في مشاكله وفساده. غارق إلى درجة أنّه لم يتذكر موضوع الرافدين، وخطر زوالهما من الوجود سنة 2040، كما قال تقرير نشر أخيراً لمنظمة تابعة للأمم المتحدة هي «اليونيسف»، في مناسبة اليوم العالمي للمياه خلال آذار/ مارس الماضي، إذا واصلت تركيا مشاريعها المائية بهذه الفردية والشراسة. مشاريع تحدث وفق شعار رفعه سليمان ديميريل ذات يوم، يقول: «كما أنّ النفط ملكٌ للعرب، مياهُ دجلة والفرات ملكٌ للأتراك». سيزول الرافدان إذا واصل الحكم العراقي إهماله لهذا الخطر الماحق، وإذا تواصلت الظروف المناخية السيئة العالمية، بسبب ظاهرة الانحباس الحراري.
خطر زوال الرافدين أصبح واقعاً قابلاً للتصور والتحقق، والعراق بلا رافدين ـــــ كما قال المفكر الراحل هادي العلوي مؤسس لجنة الدفاع عن الرافدين ـــــ ليس إلا ربعاً خالياً جديداً، بعدما كان جنة الأرض، وكانت بغداده جوهرة الدنيا التي يضرب بها المثل التركي كما أخبرنا الضيف.
لقد كان المُعَوَّلُ عليه أن يلتفت الضيف إلى هذا الموضوع، فيطمئن مستقبليه، أو يطمئن العراقيين، وبخاصة مئات الآلاف من فلاحيه الذين بدأوا يهجرون قراهم وبلداتهم في الريف العراقي المتصحر. لكنّه لم يفعل.
كما كان المعوَّل عليه والمنتظَر، أن ينتبه الحزبيون العراقيون الذين هرعوا لاستقبال الضيوف الأتراك بسياراتهم، إلى خطورة هذا الموضوع الوجودي، فيرفع أحدهم لافتةً بهذا المعنى. لكن لا أحد فعل، على حدّ علمنا. فإن فعل ولم نكن نعلم، فله الاعتذار.
وكان المُعَوَّل عليه أن تنتبه حكومة «الشركة الوطنية لتقاسم الوزارات والمناصب» إلى هذا الموضوع الخطير، فتأخذ الضيف في جولة صغيرة إلى ضفاف دجلة ببغداد التي تغزل بها، ليرى النهر، وكيف أصبح نُهَيراً صغيراً وسط أرض بلقع! لكن «الحكومة» لم تفعل.
ترى، هل نسي الجميع دجلة والفرات، أم أنّ المشاريع المليارية، التي يطمح الضيوف الأتراك إلى الصعود بها من سبعة مليارات ونصف مليار دولار إلى 25 ملياراً لبناء الأسواق والمطارات التي سيتسوق ويطير منها عِليَة القوم من محدثي النعمة، أضحت أهم منهما؟
ترى ما العمل وما الحل؟ هل نطمع بأن يبادر أحد مراجع النجف إلى مناشدة الضيف التركي أن يطلق حصة العراقيين العادلة والشرعية من مياه الرافدين المحجوزة خلف جبال الإسمنت والحديد في سدودهم، مذكراً إياه بعطش سيد شباب أهل الجنة على أرض كربلاء؟ فيا لقلة الحيلة وبؤس الحال إذاً إنْ فعل المراجع ذلك، وإنْ لم يفعلوا.
غير أنّ الحل الممكن والشريف والشرعي، الذي ينبغي للعراقيين «الصاحين»، وخصوصاً من الشباب الواعين لخطر زوال الرافدين أن يتبنوه، هو مطالبة الجارة تركيا ـــــ وسوريا وإيران ـــــ رسمياً وشعبياً بتوقيع اتفاقية عادلة وقانونية، تؤكد وتقونن حقوق العراق المشروعة في مياهه، طبقاً للقوانين الدولية المرعية، على أن تكون الاتفاقية موثقة ومصدقاً عليها من الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية الأخرى. لقد رفضت الدولة التركية حتى الآن توقيع اتفاقية كهذه، مفضلة صيغة «التَكَرُّم» و«التَّصَدُّق» على العراق بما تريد هي التكرم والتصدق به من مياه، وبما تسمح به الأوضاع التخزينية في سدودها، وهذا أمر لا يسمح به دينٌ ولا قانون ولا تراث ثقافي مشترك. العراقيون ـــــ كما نرجح ـــــ لا يريدون صدقة من أحد، بل يطالبون بحقوقهم التي منحها لهم الله والتاريخ والحضارة والجغرافيا. ويا حبذا، لو طوى الجار التركي الصفحة الأليمة السابقة، وبادر إلى فتح صفحة نزيهة وعادلة جديدة، فيوافق على عقد اتفاقية كهذه، تضمن بقاء النهرين الخالدين، وبقاء العراق وطناً وشعباً، وتفتح الباب على مصراعيه أمام تكامل اقتصادي وثقافي وعلمي ومجتمعي شامل، بين البلدين والشعبين الجارين. حبذا لو كفى الضيف العراقيين مؤونة التهديد بوضع وربط تحرير مياه دجلة والفرات المحجوزة خلف سدوده العملاقة بالتصديق على المشاريع المليارية، وباستمرار استعمال أنابيب النفط العراقية عبر تركيا...
لقد باتت الحاجة ماسة ووجودية لعقد اتفاقية كتلك، بل ولإيجاد وسائل وطرق معينة لقياس خطورة الكارثة المحدقة كنصب نقاط لمراقبة المياه الداخلة إلى العراق، عند الحدود الدولية تكون مراقبة من خبراء مكلفين رسمياً بطلب من العراق موجه إلى الأمم المتحدة. أما بخصوص المشاعر النبيلة والشعر الجميل الذي قاله الضيف التركي الكريم، فسيكون موضع احترامنا، كبيراً وصغيراً، لكنّنا سنفضل شيئاً آخر غير الشعر يروي عطش العراقيين والعراقيات وأرضهم المتصحرة!

* كاتب عراقي