غالباً ما تصاحب الحركات الاحتجاجية ضد الدكتاتوريات ظواهر شاذة، وغير مألوفة. غير أنّ شذوذها لا يعني أنّها أتت من خارج السياق. والسياق هنا هو سياق تهشيم البنى المجتمعية، وتجريدها من أيّ مناعة تذكر. وهذه عملية بدأت منذ زمن، ولا تزال صالحة، على ما يبدو، لممانعة المد الثوري، والدليل على ذلك ما يحدث اليوم في سوريا وليبيا واليمن، وما حدث بالأمس في مصر وتونس والبحرين. ذلك أنّ إفرازات الاستبداد المصحوب بانغلاق إعلامي لا حدود له، تهيّئ الأرض لتمكين الشائعات وتحويلها إلى وجه من وجوه الحقيقة. طبعاً، لا يمكن هذا الوجه أن يطمس الوجوه الأخرى، إلا إذا توافرت له حاضنة ترعاه وتسهر على «حقيقته». وفي الحالة السورية الراهنة، هنالك نسقان لهذه الحاضنة: الأول افتراضي، وتعبّر عنه الشبكات الافتراضية المعارضة والموالية (على الفايسبوك تحديداً). والثاني تقليدي يتمثل أساساً في الفضائيات العربية النفطية التي لاقت في الانتفاضة السورية ملاذاً يخرجها من مأزق «الذم المستمر» لدكتاتوريات الحلفاء.


لن ندخل اليوم في تفنيد ما تفرزه ظاهرة توثيق الاحتجاجات افتراضياً من معطيات وردود الموالين عليها، فهذا شأن قد يطول، وقد يدخلنا في متاهات لا سبيل إلى الخروج منها إلا بمعلومات مؤكدة. وهو أمر متعذّر اليوم، نظراً إلى حجم التشويش الذي يمارسه النظام، الذي تردّ عليه أطراف المعارضة بتشويش مماثل. لذا دعونا نضع جانباً فضاء الفايسبوك والشبكات الاجتماعية، ولنركّز قليلاً على النسق التقليدي الذي يبدو أنّ مصادره لم تعد تقليدية تماماً.
ففي ظلّ الحصار المطبق الذي يمارسه النظام في سوريا على التغطية الإعلامية لأحداث درعا واللاذقية، بات لجوء الفضائيات التقليدية إلى وسائل غير تقليدية لاستقاء المعلومة، أمراً مفروغاً منه. ومن هذه الوسائل، الاتصالات التي تجريها الفضائيات مع أشخاص يفترض أنّهم في قلب الحدث، وعلى بيّنة مما يحصل أمامهم من عمليات قنص أو إطلاق نار أو قمع للاحتجاجات. وقبل أن تأخذ هذه المحطة أو تلك شهادة هؤلاء، تبادر إلى تعريفهم وتسويغ لجوئها إليهم، حتى تدرأ عنها مسبقاً تهمة «تلفيق» الأخبار أو المبالغة فيها. فنسمع المذيع(ة) يقول (تقول): «معنا من اللاذقية (أو درعا) شاهد العيان فلان، وقد لجأنا إليه لأنّ السلطات السورية منعتنا من الدخول إلى المدينة». طبعاً، المعلومة بمجملها صحيحة، ويستطيع المرء أن يتأكد منها بمجرد مقاطعتها مع أكثر من مصدر. إذاً المشكلة ليست هنا. المشكلة هي في هذا الشاهد الذي لجأنا إليه، لانعدام وجود بديل حقيقي على الأرض. فنحن لا نعرف اسمه، ولا ندري أصلاً إن كان موجوداً حقاً في اللاذقية (أو في درعا) أثناء وقوع الحدث، كما أنّ الحدث هناك دموي، وهذا يعني أنّ أيّ تلاعب فيه سيفضي إلى نشر حالة رعب في المدينة، فضلاً عن إمكان استثماره من طرفي المعادلة اليوم: النظام ومعارضوه العزّل. لقد حاولت في الأيام القليلة الماضية أن أدقّق في هذه الظاهرة، لأتبين مدى الصدقية التي تنطوي عليها من عدمها. ومن متابعتي لمداخلات هؤلاء على الفضائيات، وجدت أنّهم يتفاعلون مع الحدث أولاً بأول، ويستثمرونه جيداً، من دون أن تكون معلوماتهم ملفّقة بالكامل، كما هي حال آلة النظام الإعلامية الرديئة. وهذا يعني أنّهم مسيّسون بما يكفي، لتوظيف عمليات قمع (أقرأ: قتل) الأجهزة في اتجاهات محددة.
مثلاً، اتصل قبل أيام شاهد عيان بمحطة فرنسية ناطقة بالعربية، ليدلي بدلوه عن حادثة إطلاق النار في اللاذقية، بعد خطاب بشار الأسد أمام مجلس الشعب. بدأت روايته على النحو الآتي: «بعد انتهاء خطاب الرئيس، انطلقت تظاهرة مؤيدة له تجوب الشوارع، ودعت آخرين يقفون على أبواب بيوتهم وبين الأحياء إلى الانضمام إليها. وبمجرد اقتراب هؤلاء أطلق عليهم الرصاص الحي». هنا التبس الأمر على المذيع في الاستوديو، فعمد إلى التدقيق في الأمر: «هل تقول لي إنّ الأمن أطلق الرصاص على المتظاهرين المؤيدين لأنّه اعتقد أنّهم معارضون للرئيس». يرد شاهد العيان: «لا، لا، المتظاهرون المؤيدون هم من أطلقوا الرصاص».
يبدو أنّ المذيع لم يقتنع بالرواية كثيراً، لكنّه مع ذلك مضى في مساءلة الشاهد: «كم عدد الضحايا؟». يرد شاهد العيان: «أمامي الآن ثلاثة قتلى على الأقل، لكن عددهم أكبر من ذلك بكثير. أعتقد أنّهم خمس عشرة ضحية». يشكر المذيع شاهد العيان على شهادته، من دون أن يؤكد الرواية أو ينفيها. خمس عشرة ضحية في اللاذقية. هذا خبر كفيل بنسف خطاب بشار الأسد من أساسه (وهو خطاب لم يحمل جديداً أصلاً)، وإعادة أجواء التوتر إلى المدينة. حاولت أن أتابع المحطات الفضائية المختلفة، لأرى إن كان هذا الرقم دقيقاً فعلاً. مضت ساعتان على الأمر، ولم يحتلّ الخبر حيزاً أساسياً على شاشات التلفزة بعد. بقي الخبر المركزي، بالنسبة إلى المحطات، خطاب الرئيس. في حالات كهذه، يلجأ المرء إلى مواقع إلكترونية، يفترض أنّها تتمتع بصدقية معينة، ما دامت الشاشات لم تُعنَ كثيراً بالأمر. موقع «البي بي سي» العربي من هذه المواقع، عادةً. فعلاً، على الموقع خبر يتناول صدامات وقعت في اللاذقية بعد خطاب الرئيس. الخبر يتحدث عن ضحيتين أو ثلاث ضحايا، إلى جانب عشرات الجرحى. ماذا عن الرقم الذي ذكره شاهد العيان؟ يبدو أنّه غير دقيق. هو دقيق جداً على النسخة الإلكترونية لـ«بي بي سي عربي»، لكنّه غير دقيق أبداً على شاشتها الفضائية!
معنى ذلك، أنّ التلاعب بالأرقام، والتشويش على ما يجري، ليسا حكراً على أبواق النظام. الوسائل الإعلامية العريقة وذات التقاليد المهنية، تفعل ذلك أيضاً «بالتواطؤ» مع أشخاص لا نعرف من هم بالضبط، وما هي علاقتهم بالحراك السوري المعارض. هؤلاء، لا يمتّون بصلة حتماً إلى شبابنا الذي يتحدى آلة القمع الدموية بصدره العاري. من هم هؤلاء إذاً؟ من أعطاهم الحق في التلاعب بعواطف المشاهدين وانفعالاتهم، في لحظة عصيبة كهذه؟ وكيف تسمح محطة عريقة كـ«بي بي سي» باستضافتهم، ما دامت غير متأكدة من صحة ما يقولون؟
يوم الخميس في الحادي والثلاثين من آذار الماضي، لا تظاهرات ولا اشتباكات. يبدو أنّه هدوء ما قبل العاصفة. فالجمعة ستنطلق تظاهرات دعت إليها صفحة «الثورة السورية ضد بشار الأسد» على الفايسبوك. وغالباً ما يختفي شهود العيان في مثل هذه الأوقات. وبدلاً منهم، تستعين الفضائيات بالمحللين السياسيين والناشطين الحقوقيين، ليضعوا المُشاهد في صورة ما سيحدث يوم التظاهرات. هنا لا مجال للتشويش والتلاعب بالأرقام. فالناشط الحقوقي شخص معروف بمعارضته العلنية للنظام، وما يدلي به على الشاشة هو توقعات و«تحليلات سياسية» لا تستبق الحدث، بل تبني على المعطيات الموجودة. وأهم ما في هذه «التحليلات» أنّها لا تنساق إلى إسقاط إرادوية سياسية بعينها، على الحراك الشعبي المتوقع. أضف إلى ذلك أنّ بنية الخطاب الحقوقي المسيّسة والجدلية، تتيح لهؤلاء النشطاء إمكان الوصول إلى عقل المشاهد، لا إلى قلبه. وهذا أمر مهم، لأنّ المحاكمة العقلية المبنية على مقاربة الخطاب الحقوقي نقدياً هي المطلوبة اليوم، لا تلك المقاربة البلهاء التي لا تفرّق بين شاهد عيان يتصل ليتلاعب بنا، وضابط أمن يتواطؤ مع الشاهد على إتمام لعبته، لكن من موقعه الذي يفترض أنّه مفارق للأول. طبعاً، نتحدث هنا عن أبواق النظام الإعلامية، التي تفسح المجال لمداخلات أمنية (غالباً)، لا يبدو أنّها فُبركت بما يكفي لإقناع المشاهد. هذا إذا كان هنالك من يشاهد هذه المحطات أصلاً. ثم يشكون بعد ذلك من لجوء المشاهد السوري إلى «المحطات المغرضة» (لو سمع غوبلز هذا التوصيف لمات من الضحك)! وهذه تيمة جوفاء، لا تختلف كثيراً عن تيمة شاهد العيان التي باتت شغلنا الشاغل هذه الأيام. طبعاً، عندما لا نعترف بوجود ضحايا ولا بعمليات القمع الدموية، ولا بشعارات الحرية التي تصدح في أرجاء سوريا اليوم، لا يعود مستغرباً أن يتقلص فضاؤنا (المعدوم أصلاً) إلى مجرد تعاويذ وتمائم ضد «الغرباء» و«المندسين» و«المغرضين» و«شهود العيان» و... إلخ. لا أحد ينكر زئبقية أولئك الشهود وانتهازيتهم، لكن انتقادهم من منظور دعائي يصفّق لعبودية الفرد وتصنيمه، لن يفضي إلا إلى تقويض هذه «السرديات» والانفضاض عنها بالكامل. وهو ما يحدث اليوم بالفعل، مع إعلامنا الذي سقط منذ زمن، ولم يبق لنا إلا أن نشيّعه إلى مثواه الأخير.
الآن، بعد استنفاد الآلة الدعائية للنظام بالكامل (من مندسّين وغرباء و...إلخ) ماذا نفعل بشهود العيان؟ هؤلاء لم تخترعهم تلك الآلة أصلاً، بل وظفت «دعايتهم» لتوحي لمن يهمه الأمر أنّ الحراك الشعبي أقلّ بكثير مما يبدو على الفضائيات. حسناً. ما العمل لعكس هذه الصورة؟ لا شيء. ومن يدّعي عكس ذلك لا يريد أن يقرّ بأنّ دوره يتقلّص شيئاً فشيئاً، وأنّه لا فضل لنخبويته الجوفاء والمهزومة، على هذه الانتفاضة العارمة. لننتحِ جانباً إذاً، ولنكتف بالتنظير وبمتعة مشاهدة حاجز الخوف وهو يسقط بالضربة القاضية. فهذا هو بالضبط ما حصل يوم الجمعة الماضي. لقد توسعت رقعة الاحتجاجات وامتدت لتشمل سوريا «من أقصاها إلى أقصاها»، باستثناء بعض المحافظات التي لم تلتحق بالركب بعد. من يحتاج إلى «شهود عيان» في حالة كهذه؟
*كاتب سوري