... عدت إلى بيتى لأنام فيه، ونسيت «شنطة السجن، التي أعددتها في الليلة السابقة، لحكمة أرادها الله، فقد اعتقلت دون أن تكون معي، وأعدّت زوجتي حقيبة أخرى، على عجل.

ذهبت إلى المكتب لإجراء مقابلات تلفزيونية وصحافية، كان أهمها مع وكالة «رويترز» حول الأحداث ودور الإخوان المسلمين فيها، وكان من قدر الله أن تذاع هذه المقابلات وأنا خلف الأسوار.
كان الدكتور البرادعي قد حسم موقفه، وأعلن من فيينا أنّه فى طريقه إلى القاهرة، وطلب لقاء الإخوان. فقرر مكتب الإرشاد أن أذهب بصحبة الدكتور محمد سعد الكتاتني، للقائه ليلة الجمعة في التاسعة مساءً. واتفقنا على أن نلتقي في بيت الدكتور البرادعي.
كنت في مدينة أكتوبر، ولم يكن معي ابني إبراهيم وزوج ابنتي الوسطى محمد عبد الناصر، بسبب مشاركتهما في تظاهرة في حيّ الهرم، تمهيداً وتشجيعاً للمواطنين على حثهم على المشاركة في «جمعة الغضب».
وكان هذا قراراً من معظم المكاتب الإدارية، وقطاعات ومناطق الإخوان على مستوى الجمهورية التي تعمل وفق سياسة ثابتة، يتفاوت الإخوان في العمل بها، فهي «مركزية غير مقيّدة، ولامركزية غير منفلتة أو منضبطة».
وكان أحد أهم أسباب نجاح الثورة، انتشارها على مستوى الوطن كلّه. والفضل بعد الله وحده، للإخوان الذين قرروا المشاركة وتحمسوا لها.
كان التسجيلان لرويترز ولوحدة «رصد الإلكترونية» ذات معنى هام، لأنّني رأيت فضائيات عدّة تنقل مقابلتي مع الوكالة الإخبارية، ومنها الجزيرة التي أغلقت مكاتبها ومنع مراسلوها في مصر.
وكنت واضحاً في حديثي عن صدور قرار الإخوان بالمشاركة، ودعوتهم الشعب لكي يشارك، وأنّ الأحداث ستستمر حتى تتحقق مطالب الشعب المشروعة التي اتفقت عليها القوى الوطنية جميعاً.
التقينا مساء الجمعة مع الدكتور البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة النووية. وهو كان له دور بارز في التمهيد، خلال عام 2010، للثورة ورعاية مطالب التغيير. ولا يمكن إغفال هذا الدور العظيم، عندما يكتب تاريخ كامل للثورة المصرية. حرص البرادعي على دعوة الشباب من «حملة دعم البرادعي لرئاسة الجمهورية»، أذكر منهم مصطفى النجار وعبد المنعم إمام. وكان شقيقه علي موجوداً كالعادة، وحضر أيضاً الأخ الذي ينسق له الجانب الإعلامي. والتحق بنا سريعاً عبد الجليل مصطفى ومحمد أبو الغار (مع حفظ الألقاب)، وهم أعضاء الجمعية الوطنية للتغيير.
دار الحوار حول مسألتين.
الأولى، أين وكيف يشارك الدكتور البرادعي في «جمعة الغضب»؟ وكان الشباب قد أعدّوا بالفعل تصوراً لم نعترض عليه. فقط كان مطلوباً حضور الدكتور الكتاتني الصلاة، والمسيرة بعدها مع البرادعي في مسجد الاستقامة بميدان الجيزة. وهو ما لم يحدث بسبب اعتقال الكتاتني قبل فجر الجمعة.
الثانية، وهي الأهم: إذا نجحت الانتفاضة وتصاعدت، كيف يملأ الفراغ الذي سينجم عنها عندما ينهار النظام ويبدأ التغيير.
كانت المخاوف التي تنتاب الدكتور البرادعي تتركز في عدم وجود بديل، فيضطر الجيش إلى ملء الفراغ، وحينها سيصعب إقناع الجيش أو الضغط عليه لتسليم السلطة إلى المدنيين.
كان تركيزه على استعداده لتولي رئاسة مؤقتة، منفرداً أو مع مجلس رئاسي من عدد من المدنيين وعسكري واحد. لم نحسم الأمر لأنّنا لسنا مفوضين باسم الحركة الاحتجاجية التي بدأت بالوقفات في ميدان التحرير وأمام دار القضاء، ثم تحوّلت إلى مسيرات وتظاهرات يومية، الأربعاء والخميس، ثم حشود هائلة في «جمعة الغضب» التي سقط فيها الشهداء بالمئات. ولم يكن أحد يتصور أن تتطور التظاهرات إلى اعتصام مفتوح، ثم الى ثورة تاريخية.
أتوقف هنا قليلاً لأذّكر القارئ بالعلاقة بين الإخوان المسلمين والدكتور محمد البرادعي، وهي محل التباس.
نشأت تلك العلاقة عندما قرر البرادعي العودة إلى مصر في فبراير/ شباط 2010، بعدما أعلن عزمه على رعاية جهود شعبية من أجل الإصلاح والتغيير، مع إعلان واضح بعدم ممانعته الترشح لرئاسة الجمهورية، من خارج المنظومة السياسية التي فرضها النظام السابق. وكان النظام قد حصر أسماء المرشحين في شخصيات محددة، يختارها مبارك بنفسه، بعدما فصّل مواد دستورية على قياسه، لإغلاق الطريق أمام أي مرشحين محتملين، وذلك تمهيداً لتوريث الحكم لابنه جمال.
لذلك ارتبط في نشاط البرادعي أمران معاً:
ـــ رغبة في تولي موقع رئيس الجمهورية، مع غياب طويل عن البلاد.
ـــ عمله على تغيير النظام المصري، ليفسح له المجال لتحقيق رغبته في تولي سدّة الرئاسة.
كنت قد كتبت في يناير/ كانون الثاني 2010، مقالاً تحليلياً عن الدكتور البرادعي، نُشر في موقع «إسلام أونلاين». خلصت في نهاية المقال إلى أنّ ظهور البرادعي في المشهد السياسي المصري سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء مشروع توريث الحكم لجمال مبارك. وكان ذلك أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للإخوان المسلمين وللمعارضة المصرية الحقيقية التي لم تتلوث بالسير مع النظام السابق أو وراءه.
وقد لبى الإخوان دعوة المشاركة في لقاء مع الدكتور البرادعي بمنزله، بحضور عدد كبير من رموز القوى الوطنية. وكان منسق الدعوة هو الصديق والأكاديمي الشهير حسن نافعة. كنت بالسجن وقتها، مع أربعة من أعضاء مكتب الإرشاد وعدد من القيادات العليا. استمر حبسنا 50 يوماً، في سجن القاهرة للمحبوسيين احتياطياً، الشهير باسم سجن المحكوم، بجوار ليمان طره.
كانت لجان الخطة والقسم السياسي ولجنة من مكتب الإرشاد قد قدمت دراسات للمكتب حول التطورات الجارية. وأقرّ المكتب سياسة محددة، وهي السير مع الأحداث: لا نتخلف عنها ولا نسبقها أو نتصدى لقيادتها، ونتفاعل معها لتطويرها وحمايتها. وتضمنت السياسة ضرورة السعي إلى وحدة المواقف بين القوى الوطنية كلّها، ودعم الصلات مع الأحزاب السياسية القائمة. وشاركت، قبل سجني، في أول زيارة يقوم بها المرشد العام خارج مقر المكتب إلى حزب الوفد. ولم يقم بزيارة أي حزب آخر غير الوفد، بينما قامت وفود إخوانية بزيارات إلى التجمع والناصري. كما استقبلنا الكرامة والغد. وعقدنا، خلال تلك السنة، حوارات من أجل مصر، حضرتها رموز مصرية عديدة، يصل عددها إلى أكثر من 50 شخصية مرموقة، ولم نستثن أحداً من أي تيار سياسي.
نتج من اللقاء الذي حضره ممثل عن الإخوان، هو الدكتور الكتاتني تأسيس «الجمعية المصرية للتغيير» التي اعتبرت امتداداً للحمة المصرية ضد التوريث، والحملة المصرية من أجل انتخابات حرّة.
خرجت من السجن لأجد تلك التطوّرات، فكلفني فضيلة المرشد بالاشتراك مع الدكتور الكتاتني للإشراف على دعم الإخوان للجمعية المصرية للتغيير. شارك في أمانة الجمعية العامة، بحماسة شديدة وجهد جهيد وصبر طويل، الأخ العزيز محمد البلتاجي الذي لم يتخلف يوماً عن لقاء موسع أو مصغر. وكنت أشفق عليه من زحام اللقاءات، وعلى جهده البرلماني في الشهور الأولى من 2010، ثم على حملته الانتخابية والإعداد للانتخابات في أيلول، تشرين الأول وتشرين الثاني، ثم على عمله الحكومي كأستاذ للأنف والأذن في طب الأزهر، وفي عيادته الخاصة التي كادت أن تتوقف عن استقبال مرضاه، لولا استعانته بزميل، كعادة الأطباء عند سفرهم.
شاركت معه بعد ذلك بحضور الأمانة العامة والمكتب التنفيذي، ولاحظت أمراض النخبة السياسية المصرية في اللقاءات. أعرف هذه النخبة منذ نشاطي الطلابي، أي من منتصف السبعينيات وحتى يومنا هذا. صبرنا طويلاً، ونصحنا أصدقاؤنا حسن نافعة وعبد الجليل مصطفى، المنسقان المتتاليان للجمعية، بالصبر على طبيعة الدكتور البرادعي، وعلى بعض المشاكل التي كانت تتسلل إلى صفحات الجرائد. معظم هذه المشاكل كانت موجهة ضد الإخوان، وكانت الاتهامات، بدون بيّنة، تدور حول رغبتنا بالسيطرة على الجمعية وتوجهها. ويعلم الله مدى حرص المرشد شخصياً، ومعه المكتب على أمرين:
أولاً، وحدة الصف الوطني، خلال تلك المرحلة، ونسيان أيّ خلافات.
ثانياً، عدم السيطرة على الجمعية، مع الإصرار على أن نكون شركاء في التفكير والتخطيط، قبل أن ندعو إلى تنفيذ أيّ اقتراحات.
أعود إلى الدكتور البرادعي، الذي لم يحضر أي لقاء للجمعية، وباعد بين مشروعه الخاص والجمعية، واكتفى بالاتصالات التلفونية أو اللقاءات الخاصة. وحرص البرادعي على اللقاء المنفرد مع الإخوان. فزاره الكتاتني في منزله، وردّ هو الزيارة لمكتب الكتلة البرلمانية، وكان حديثه للإعلام الخارجي إيجابياً دوماً عن الإخوان، مع إبراز اختلافه الشخصي والفكري مع الجماعة.
عندما طلب البرادعي زيارة أخرى، جرى الاتفاق في المكتب، على أن أكون بصحبة الدكتور الكتاتني للحديث معه. وكان ذلك قبل اندلاع الثورة بشهر تقريباً.
كان انطباعي عنه إيجابياً، فالرجل بسيط ومتواضع، ولديه رؤية محددة للتغيير. إلا أنّه ليس لديه فهم كبير للواقع المصري المعقد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
كان قرار الإخوان، خلال تلك الشهور، بدءاً من أبريل/ نيسان، وحتى نهاية العام يتلخص في محورين:
الأول: تنشيط الجمعية الوطنية للتغيير والمساهمة الفعّالة في جميع التوقيعات الإلكترونية على بيان المطالب السبعة، التي ركزت على نزاهة الانتخابات.
الثاني: إبقاء الصلة الكافية مع الدكتور البرادعي شخصياً، لأنّه ابتعد عن الجمعية وواصل زياراته الخارجية لمدد طويلة.
حصد الإخوان مع القوى الوطنية حوالى 930 ألف توقيع، كان نصيب موقع توقيعات الذي أطلقه الإخوان أكثر من 800 ألف.
ونظمت الجمعية، بجهود الإخوان، مؤتمرات وندوات في المحافظات الكبرى وبعض المدن. واختلف الإخوان مع الجمعية حول قرار مقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتجاوزنا ذلك الاختلاف لأنّ قرارات الجمعية تكون بالتوافق وليست إلزامية.
وانطلقت تظاهرات الثلاثاء 25 يناير/ كانون الثاني، بإعلان الجمعية والبرلمان الشعبي عنها، بجانب حركات الشباب التي كان معظمها، إن لم يكن جميعها، منصوباً تحت مظلة الجمعية الوطنية للتغيير.
وكان ذلك كله بعيداً عن الدكتور البرادعي الذي فترت العلاقة بينه وبين الجمعية، بل بينه وبين بعض الشباب المشاركين في حملته الخاصة لدعم ترشيحه للرئاسة.
وقد ساهم الإخوان في تحفيز همة البرادعي خلال تلك الشهور، عندما استضاف نائب الإخوان بالفيوم المرحوم مصطفى عوض الله. كذلك، عندما شجعه الإخوان على الذهاب إلى الاسكندرية لحضور التظاهرات الخاصة بالمرحوم خالد سعيد. وكان توجيه المرشد ونصيحته لنا، بضرورة أن يقف الجميع دون استثناء صفاً واحداً، في صورة واحدة.
انتهى اللقاء الأول لي مع البرادعي بشعوري بأنّ الرجل محبط، وكان قبل سفره الأخير.
أما في اللقاء الثاني، فكان الرجل متغيراً بسبب أحداث يوم الثلاثاء العظيم في 25 يناير/ كانون الثاني، وضحك وهو يقول إنّه يريد من الإخوان أن يدفعوا له مقابل جهده في تصحيح الصورة الذهنية عن الإخوان. رددت عليه ضاحكاً إنّه عندما تنتهي أموال جائزة نوبل فسوف نقوم باللازم. فردّ: لقد تبرعت بالجائزة كلها إلى العمل الخيري.
خرجنا من اللقاء، أنا والدكتور الكتاتني مبتسمين، وهاتفني سيد البدوي، رئيس حزب الوفد، أثناء عودتنا إلى مدينة 6 أكتوبر. وكان القدر يخبّئ لنا شيئاً آخر.
اصطحبت زوجتي وبناتي للمبيت في شقتنا بأكتوبر، وقد اتفقنا على أن تجتمع غرفة العمليات بالمكتب ظهر الجمعة لمتابعة الموقف وتلقي التقارير بصورة مستمرة من مواقع الأحداث في كلّ المحافظات. إذ كان قرارنا هو أن يزداد نشاط الإخوان في كلّ المحافظات، لتتسع دائرة التظاهرات والاحتجاجات، حتى لا يكون الضغط على القاهرة والاسكندرية شديداً، وكي يظهر تضامن الشعب كلّه مع مطلب التغيير.
نمت حوالى الواحدة، متعباً مرهقاً بعد يوم عمل طويل، وإذا بزوجتى توقظني برفق، بعد ساعة واحدة وأنا مستغرق تماماً في النوم، على خبر وصول ضباط أمن الدولة.

* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر