مهما كان الموقف قبل أسابيع قولاً أو فعلاً، فإنّ حركة الشباب المطالبين بإسقاط النظام الطائفي قد أضفت على المشهد السياسي اللبناني لوناً جديداً. لا يمكن تجاهل هذا الأمر: لا باستحضار المعوقات القائمة في وجه تحوّل الحركة الداعية إلى إسقاط النظام الطائفي إلى حركة منتصرة، ولا من خلال توقّع غرق هذه الحركة في خضمّ الصراع الذي يدور في البلاد منذ صيف عام 2004. صراع يُستخدم فيه الاصطفاف الطائفي والمذهبي على أوسع نطاق، أداة لفتنة يسعى إليها أعداء لبنان.

الإضافة هذه تطرح مسائل عدّة على قوى متناقضة، أو متعارضة، أو متشابهة في الخارطة السياسية اللبنانية. فهي أوّلاً، تطلق في وجه سدنة النظام الطائفي صفّارة احتجاج وإنذار عالية الصوت. فهؤلاء بات يُشار إليهم بالبنان، وفي شوارع ومناطق متعدّدة ومتّسعة من لبنان، بوصفهم حراس نظام لم يحمل إلى اللبنانيين سوى الأزمات الممتدّة وعدم الاستقرار والشرذمة والانقسام والهجرة والمديونية واليأس والفساد في الداخل، والتبعية والالتحاق والتفريط حيال الخارج. إنّ لبنان الذي فُرض عليه النظام الطائفي (وخصوصاً منذ الاستقلال إلى اليوم) قد ظلّ وطناً قيد الدرس، يفتقر إلى المقوّمات الأساسية التي توحّد أبناءه وتؤمّن استقراره وازدهاره، وتصون إنجازات ومبادرات شعبه الذي سطّر من خلال المقاومة في كلّ مراحلها ملاحم تضحية وبطولة وانتصار.
هل يستفيد المعنيون ممّن يُشار إليهم اليوم، من دروس ما يحصل في المنطقة، ومن ثمّ في لبنان على امتداد معاناة شعبه واحتجاجات طلائعه وروّاده من الذين حذروا دائماً من خطر استمرار النظام الطائفي وطرحوا دون كلل ضرورة إقامة «البديل الديموقراطي» لهذا النظام؟
باستثناء بعض الاستجابات الإعلامية، لا يبدو أنّ أحداً قد استخلص عبرة أو تعلّم درساً. فشأن الفريق السياسي الحاكم في لبنان في هذا الصدد لا يختلف عن شأن سواه من الحكام العرب. فكلّ واحد من هؤلاء يدّعي فرادة وتميّزاً يجعلانه مختلفاً عن الآخرين، وخصوصاً أولئك الذين سقطوا أو هم على وشك السقوط، رغم العناد والمكابرة واستسهال سفك الدماء واستمرار الحروب الأهلية أو استدراج التدخلات
الاستعمارية.
ويمثّل في لبنان، الصراع على تأليف الحكومة الجديدة نموذجاً صارخاً من استمرار ذهنية التهافت على المواقع وعلى الحقائب وعلى النفوذ. ولا ينصرف أيّ جهد ظاهر على الأقل، نحو الأولويات الوطنية التي يجب أن تتصدّى لها الحكومة العتيدة. حتى الأولويات التي دار حولها الصراع في ما يتصل بالمحكمة ذات الطابع الدولي واستخدامها لتغذية مشروع فتنة، تُدفع إلى مرتبة ثانوية قياساً على شهوة الاستيزار والسعي إلى نيل المقاعد والمكاسب والمواقع الإدارية والمالية والأمنية. فكيف سيكون الأمر بالنسبة إلى مطالب الشباب وكل المحتجين الذين يخرجون، باطّراد، بعشرات الآلاف مطالبين بوضع حدّ للخلل الذي يضرب حاضرهم ويهدّد مستقبلهم بسبب الانقسامات الطائفية والدويلات الطائفية والنظام الطائفي عموماً!
مثل هذا السؤال لا يجد، كما هو واضح، مكاناً له في كواليس وكوابيس التأليف. لم نسمع أحداً من «الطباخين» والمعنيين، يقف ليقول: مهلاً ألا تصل إليكم أصوات وأصداء المحتجين الذين تتضاعف أعدادهم وتعلو صيحاتهم يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع؟
هذه الحقيقة المرّة، ليست مفاجئة، وإن كانت مؤلمة بالتأكيد. وهذا يطرح المسألة الثانية الأساسية، وهي مسألة ضرورة تطوير حركة الاحتجاج بطريقة مطّردة وتوفير المقوّمات السياسية والبرامجية والتعبوية الضرورية لها من أجل أن تقوى وتتوسّع وتستمرّ. كذلك، من أجل أن يتعاظم، بالتالي، تأثيرها وفعلها التغييري، ويترجم في الواقع السياسي اللبناني، في الحدود الدنيا المطلوبة: أي في إقرار آلية ومسار لعملية إلغاء المرتكزات الطائفية للنظام السياسي.
ويقود ذلك إلى طرح المسألة الثالثة المتعلقة بمستلزمات تطوير الحركة نفسها بالمعنى الشامل. ومعروف في هذا الصدد أنّ الطابع العفوي والشبابي في الدعوة والمبادرة وتوفير وسائل الاتصال الجديدة، كان هو مصدر قوة الدفع والاستجابة في مراحل التحرّك الثلاث التي كانت الأخيرة فيها يوم الأحد الماضي. ولقد وفّر الطابع العفوي للتحرّك، القدرة على تجاوز معوّقات عديدة قائمة في بنية وبرامج وأولويات قوى وشخصيات التغيير القديمة. ويمكن أن يستمرّ الأمر على هذا النحو لفترة أخرى أيضاً. لكنّ ما هو متوقع من المدة المطلوبة لتصعيد ولتطوير وتوسيع التحرّك المنادي بإسقاط النظام الطائفي (الذي بإسقاطه تسقط رموزه تلقائياً والعكس ليس صحيحاً)، يستدعي بحث ومناقشة الأساليب والطرق والآليات والصيغ والبرامج التي من شأنها السير بالعملية حتى خواتيمها المتوخّاة.
وطبيعي أنّ مثل هذا الأمر سيكون حلقة معقّدة من حلقات استمرار حركة التغيير والاحتجاج استناداً إلى المعطيات المعروفة في شقّيها العفوي الجديد وشبه المنظّم القديم.
ويجب القول بدءاً، إنّه يجب استبعاد كلّ استبعاد. فليس لقديم على جديد، أو لجديد على قديم، فضل إلّا بمقدار المساهمة في دعم الحركة وفي توسيعها وفي رفدها بعناصر القوة والاستمرارية والثبات، فالنجاح. والشعار والأولويات الصحيحة هي ما يجب اعتماده قاسماً مشتركاً، وهت تصبح بالتالي مسألة مفصلية في هذا الشأن. ويستطيع أيّ نقاش حريص ومسؤول أن يفضي إلى ضرورة تصوّر قيام مجلس مركزي، وكذلك مجالس مبادرة وحركة وتعبئة في المحافظات. ومن الطبيعي أن تجمع هذه المجالس ناشطين، يعكس حضورهم مدى القدرة على الفعل وإدارة العمل بمقدار ما يعكس جدية التضامن والتفاهم على الأولويات دون إغراق، وعلى التنوّع دون ميوعة، وعلى المثابرة دون إخلاف أو وقوع في خطر التفريط أو
الاستغلال.
إنّ فعل التحرّك الراهن في نفوس الجيل المخضرم هو فعل سحري. يعبّر البعض عن ذلك بالقول: لقد عاد إلينا الأمل، أو لقد خُلقت (نضالياً) من جديد. يوفّر ذلك قوة دفع هائلة لتجاوز كلّ أشكال الفئويات أو المناكفة أو الخلافات غير الضرورية.
أما بالنسبة إلى الجيل الجديد، فهو الذي بادر، وهو الذي تحرّك، وهو الذي وفّر للتظاهرات الثلاث الحيوية والعزيمة والنفَس التحريضي الفتي والمؤثّر. كذلك، هو الذي بمبادرته واندفاعته قد صحّح الأولويات وفرض تراجع الفئويات وخصوصاً التي تتذرّع بالجذرية، فيما هي تكرّر من الشعارات والأساليب والصيغ ما لم يعد يصدر إلا عن مقلّد أو عاجز أو انتهازي.
لكنّ الحركة تفاجئنا. هذه هي سمتها الأساسية، وهذا هو مصدر قوّتها وروعتها. بهذا المعنى قد نقع على صيغ ومعادلات أكثر «حداثة» ممّا أوردنا هنا: ألا نعيش مرحلة مدهشة من القدرة على تجاوز الثوابت والرواسخ والآلهة من الحكام المستبدّين ممّن توهّموا أنّ كلّ من عليها فان ويبقى وجههم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ومع ذلك، سنبقى نتوقع أيضاً وأيضاً ما يدهشنا، من المبادرات والتحرّكات، لكن لا بدّ من إيجاد الحدّ الضروري من التفاهم على البرامج والصيغ، لأنّ ذلك هو الشرط الضروري للنجاح وللانتصار.
* كاتب وسياسي لبناني