باتت الثورات العربية عند مفترق طرق ليبي. مفترق مفصلي سيحدّد توجّهات أيّ من الحركات الشعبية المقبلة، ولا سيما مع الدخول الغربي المباشر على الخط، الذي وضع الكثير من أفراد الشعوب أمام معضلة لن تنتهي، إلا مع تبيان إلى أين قد تسير الأمور في «الجماهيرية العظمى»، وعلى ماذا سترسو الحملة الخارجيّة.

فمع بدء التدخل الغربي والعربي في ليبيا تحت غطاء قرار مجلس الأمن الدولي، أول ما يتبادر إلى الأذهان هو سؤال: «مع من نكون، وبأي موقع نقف؟». السؤال بسيط وواضح، لكن إجابته معقّدة ولا يمكن استنباطها بسهولة في ظل الحسابات الإقليمية والدولية التي دخلت أرض المعركة الليبية.
فالمسألة لم تعد ثورة شعبية بحتة، بل دخلت فيها معطيات مصلحيّة وتصفية حسابات، أخرجت الحركة من عفويتها وأدرجتها ضمن خانة «المؤامرة الخارجية». وهو ما يلعب عليه الدكتاتور الليبي معمر القذافي، ويجد له أصداءً لدى بعض هواة «نظرية المؤامرة»، الذين بدأوا ينسجون روايات عن سيناريوهات أميركية لتغيير الأنظمة في المنطقة، مستندين إلى تعبير «الفوضى الخلّاقة» الذي راج في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن.
لكن، بغضّ النظر عن صحة النظريات، فإنّ هذه السيناريوهات لا تكفي للإجابة عن سؤال «هل يمكن أن نكون مع القذافي؟»، فالإجابة التلقائيّة عن هذا السؤال هي «لا». لا يمكن دعم دكتاتور سعى إلى السيطرة على مقدرات الدولة الليبية وشعبها على مدى 42 عاماً، مع ما رافق ذلك من جرائم وقمع، إضافةً إلى تغييب التنمية، وإبقاء العباد تحت خطوط الفقر، وتسوّل عائدات الثروات الهائلة التي تتمتع بها ليبيا، التي يحتكرها معمر القذافي وأبناؤه، إلى أن وصلت أرصدته إلى 130 مليار دولار، بحسب ما تشير إليه بعض الأرقام في الصحف الغربية.
إجابة «لا» حاسمة في ما يتعلق بدعم القذافي، تقابلها «لا» حاسمة أيضاً في ما يتعلق بالوقوف مع الحملة الغربية، حتى لو شارك فيها بعض العرب، على الأراضي الليبيّة، ولا سيما أن القصف يعيد مأساة العراق إلى الأذهان. فمهما جرى الحديث دولياً عن عدم دخول القوات الغربية بريّاً، إلا أنّ الشكوك ستبقى قائمة، وخصوصاً أنّ التجربة السابقة مع الحملات الغربية على المنطقة، لا تعطي الكثير من الطمأنينة. كذلك لا يمكن إغفال أنّه لولا النفط الليبي، لما كان الغرب قد فكّر في التحرّك تحت راية «حماية المدنيين» الليبيين، متناسياً المدنيين الفلسطينيين واليمنيين والعاجيين والصوماليين، وغيرهم من المدنيين المنتشرين في مناطق النزاعات في العالم.
قد يقول قائل: «نحن لسنا مع القذافي ولا مع التدخل الغربي، نحن مع ليبيا». جملة جميلة، لكن فيها الكثير من الطوباوية التي لا يمكن صرفها على الأرض. فما معنى أن تكون مع ليبيا، والبلد مقسوم بين معسكرين لا ثالث لهما. مع أيّ ليبيا يمكن أن نكون ونحن على علم بأنّ مسار الأوضاع في البلاد ذاهب في اتجاهات لا تحمد عقباها، وخصوصاً أنّه قبل التدخل الغربي كان هناك سيناريو سوداوي يرتسم في الأفق. سيناريو يقول بانتصار القذافي وارتكابه إبادة جماعية بحق معارضيه، وإطلاقه حملة انتقامية من كلّ من يعارضه دولياً وإقليميّاً. سيناريو يستطيع القذافي تنفيذه، هو الذي أعلن صراحةً أنّه بصدد التحالف مع أسامة بن لادن، «هذا الرجل الضعيف».
فكرة ليبيا كبلد لم تعد خارج المحورين القائمين فيه، الأول الدكتاتوري، والثاني المدعوم من الغرب. معضلة حقيقيّة في التعاطي مع الوضع القائم. من المؤكد أنّ نهاية الدكتاتورية الليبية هدف نبيل، لكن ليس لإحلال بديل احتلالي غربي. والوقوف في وجه الزحف الغربي، لا يعني قبول مشروع إبادة أو تأبيد حكم الزعيم الأوحد وعائلته، وترك الشعب الليبي لمواجهة مصير مجهول.
سؤال «مع من؟» سيبقى بلا إجابة واضحة في المعركة الدائرة في ليبيا بين القذافي والتحالف الغربي والعربي، لكنّها ستبقى واضحة بالنسبة إلى الحركات الشعبية في ليبيا واليمن والبحرين، وغيرها من الأماكن التي تصدح فيها الحناجر التي تعبّر عن الرغبات المكبوتة: الشعب، وفقط الشعب، يريد إسقاط النظام.