حسنٌ، ها نحن نستجدي مدرسةً مناسبةً لولدنا الأوّل.

والمدرسة المناسبة بالنسبة إلينا، هي المدرسة التي تقدّم تعليماً ذا نوعية، وتكون مختلطة طبقياً ودينياً (حدّاً أدنى) وعلمانية التوجه وحقوقيّة/ تربوية المبادئ.
طبعاً، بعد نقاش طويل وحسابات معقّدة، استبعدنا معيار الكلفة (القسط المدرسي وما يأتي معه من مدفوعات أخرى قد تساويه)، لأنّ كلّ المدارس التي تلبّي هذه المعايير، تبدأ أقساطها بعتبة السبعة ملايين ليرة ،أو ما يعادلها بالعملة الأميركية -
اللبنانية.
بناءً على هذه المعايير، استطعنا تحديد 3 مدارس بدائرة الاختيار الأولى (معيارا المسافة الجغرافية ولغة التدريس الفرنسية) و3 مدارس بدائرة الاختيار الثانية. لكن، لم يُقبل في أيّ منها. السبب المعلن: «لا أماكن»!
إلى هذا الحدّ، قد يبدو الأمر طبيعياً أو عادياً، لكن لندخل معاً إلى ما وراء ذلك من ديناميّات تعزّز النظام الطائفي القائم، بما فيه من زبائنية وفساد وتمييز، حتى لو تعلّق الأمر بمؤسسات تدّعي غير ذلك ظاهرياً.
1- جميع الأصدقاء والأصحاب والمعارف، القريب منهم والبعيد، أشاروا لنا بأنّ مهمّتنا مستحيلة إذا لم نستعمل «واسطة سياسيّة ثقيلة» لهذا الغرض.
2- يجب معرفة أي زعامة سياسية ـــــ طائفية يجب استعمالها لأيّ مدرسة.
3- تفضّل المدارس، وحسب الفرع/ المنطقة، طوائف معيّنة على غيرها، من أجل التوازن الطائفي من ناحية، ولضمان الرضى من المحيط المباشر بالدرجة الثانية.
أما نحن، فقد استعملنا فقط الطرق المنصوص عليها (ظاهرياً)، بمعنى آخر، تقديم طلب وإجراء مقابلة، (وهنا لا بدّ من ذكر أننا لم نُبلّغ ولا نُبلّغ بأية معايير ستُستعمل في تقويم هذه المقابلات، وهو ما ينفي مبدأ الشفافية ويسمح بالتلاعب الذي حصل معنا كما اكتشفنا لاحقاً).
وعلى فكرة، ربطاً بالعلاقة مع المعايير الأخلاقية والتربوية، تتقاضى معظم المدارس مبلغاً ثمن الطلب، وهو غير مرتجع. كذلك يحقّ للولد مقابلة واحدة فقط، وهذا يعني أنّ الشاب البالغ 17 أو 18 عاماً له الحق بدورة ثانية إذا رسب في الدورة الأولى بالامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة أو البكالوريا، أمّا الطفل ذو الثلاث سنوات، فلا. والحجة عادة هي «ما بدنا نفتح باب على حالنا»، أي إنّ راحتهم أهمّ وأكبر من القيمة التربوية أو الأخلاقية. وتخيّل طفلاً يُمتحن عبر الطلب منه التعرف إلى إحدى الشخصيات الكرتونية الأميركية أو الفرنسية مثلاً، و«طلع ما بيعرفها»، لأنّه لا يحبّها أصلاً ربّما! أو تخيّل أنّه لم يفهم سؤالاً وُجّه له باللغة الفرنسية أو الإنكليزية، «معقول ما عرف يجاوب، ولو»!
هذا نموذج عن كيف يخدم هؤلاء الأذناب الزعامة الطائفية ـــــ السياسية.
في حالتين على الأقلّ من الحالات التي نعرفها بالاسم، أعيد قبول الأطفال بعد رفضهم لكلّ الأسباب أعلاه، بعد مكالمة هاتفية من الزعيم الطائفي ـــــ السياسي.
وهذا يعني أنّ الديناميات الداخلية غير المنظورة للمدارس المسمّاة «مدنية وتربوية»، تخدم مباشرةً إعادة إنتاج النظام الطائفي والفاسد والزبائني.
وهذا كلّه كان يمكن أن ينتفي لو وُجدت المدرسة الرسمية ذات النوعية، في بلد غير طائفي وديموقراطي.
وعلى أمل ألّا تنعكس هذه القيم الزبائنية والفاسدة على التلامذة، وإن كنّا نشك بذلك، خصوصاً أنّهم عندما يكبرون سيعرفون أنّ قبولهم كان بتسهيل مباشر من نظام العلاقات الفاسد هذا، الذي من شبه المؤكد أنّهم سيستعملونه بدورهم، ممّا يعيدنا إلى المربّع الصفر. وما أجمل الصفر! ألم يكن العرب هم من اخترعوه (كما يُقال) أصلاً.
(بالإذن من علاء الأسواني) إلغاء النظام الطائفي هو الحلّ.
* كاتب لبناني