فيما تحاول بعض وسائل الإعلام جعل مباراة المغرب ضد الجزائر في كرة القدم في مقدمة اهتمامات الرأي العام، تستمر المتابعة المكثّفة لأخبار الثورة في العالم العربي. تبادل التعليقات عن القذافي أكثر منه على نجوم كرة القدم، رغم أنّ كرة القدم بين الجارين قد صُبغت دائماً بطابع سياسي. على قناة بي بي سي العربية ـــــ التي استفادت من التشويش على قناتي الجزيرة والعربية ـــــ كان المحتجون يتجهون إلى ما يسمّى المرفأ المالي في المنامة. في الطريق، سدّد شرطي على رأس رجل يفصله عنه أقل من متر، وقع الرجل الذي يرتدي قميصاً أحمر أرضاً.

الصورة أجملت الوضع.
غادرت المقهى وأنا أردّد ما كتبه البحرانيان قاسم حداد وأمين صالح «نحن أفراد نرى الهاوية أمامنا فاغرة الأشداق».
كانت هذه النبوءة قبيل تصدير الشرطة السعودية إلى البحرين. وكانت ليبيا تعيش حرباً أهلية تفتح الطريق لتدخّل خارجي... هل ثمّة ثورات من دون دماء؟ ومن هو الثوري؟
في المغرب، يجرى هذا التمرين وفصل الربيع على الأبواب. تمرين لم ينته بعد، فرغم الخطاب الملكي الذي وعد بتعديل كبير في الدستور وفصل السلطات بعد الصيف، لا تتوقف الوقفات والمسيرات. صحيح أنّ الخارجين في تلك المسيرات بضع مئات، لكنّها ممتدّة أفقياً وعمودياً، في المكان والزمان. في كلّ المدن، وبوتيرة مستمرة. وبما أن تدخلات الشرطة غير مبررة غالباً، فإن ذلك يدفع مواطنين آخرين للانضمام إلى الاحتجاج، ولهذا نتائج. ففي ضربة واحدة، حقّق الشباب الداعون إلى الاحتجاج ما ناضلت من أجله المعارضة في المغرب منذ نصف قرن، وتحديداً منذ 1960.
من تلك النتائج، إطلاق سراح برلماني إسلامي قضى شهراً مجاناً في السجن، أعلان مشروع تعديل دستور سينصّ على فصل السلطات، وبدأ الملك بسحب استثماراته في قطاعات السكر والزيت والحليب والبنوك والمتاجر الكبرى.
وبعد سنوات في السجن، أعلن إطلاق كلّ المعتقلين السياسيين، ولا سيما المعتقلين السياسيين في ملف بلعيرج، وهم المصطفى المعتصم والأمين الركالة عن حزب البديل الحضاري، ومحمد المرواني عن حزب الأمة، وعبد الحفيظ السريتي مراسل قناة المنار في المغرب. من بينهم كذلك، شيوخ السلفية الجهادية، ومجموعة «التامك ومن معه»، وهم نشطاء صحراويون زاروا الجزائر وتندوف حيث قيادة البوليساريو وحوكموا جنائياً. الغريب تأخير إطلاق سراحهم، لأنّ التسريب أفسد المفاجأة، لذا سيمكثون في السجن بضعة أيام أو أسابيع.
في إعلام الدولة، الذي لا يُسرّب، ثمة حالة طوارئ. مطلوب التكيّف بسرعة، لكن واضح أنّ مديري قنوات تلفزيون الدولة، الذين تعوّدوا التصرف وفق المكالمات التلفونية التي يتلقّونها، عاجزون عن تزييت آلاتهم. والنتيجة أنّهم لا يتمكنون من إدخال اللحظة التاريخية في كادرات كاميراتهم، لأنّهم يوظفون صحافيين ومخرجين غير مسيسين. كلّ شخص مسيّس أبعد، بقي فنانون هزليون سطحيون، لا يستطيعون مواكبة مزاج الثورة. عليهم أن يدركوا أنّ برامج النجوم تتراجع. فمسلسل هيفاء وهبي أجّل، عادل إمام وسمية خشاب خفضا أجرهما، تامر حسني يبكي وهذا يفضح كم بُذل من مال وجهد لخلق نجوم التسلية وتمديد حالة الاسترخاء السياسي. ذلك الاسترخاء الذي وضع في الواجهة الإعلامية مسابقات الرقص والغناء ومهرجانات التفاهة وشويعر المليون... ويبدو أنّ الحكام قد صدقوا فاعلية هذه الخطة، حتى أنّه من فرط تبنّي التسلية، كان حسني مبارك يقول لمعاونيه عن الشباب في ميدان التحرير «دعهم يتسلّوا». فقط حين تنادى الشباب إلى الزحف نحو القصر الرئاسي، أدرك الرئيس أنّ الأمر جدّ لا هزل. الملك عبد الله لم يفهم بعد، الشعب السعودي يريد الإصلاح وهو يلوّح بالبترودولار. الآن، في عصر الثورة، لا مجال للرشوة العامة والعلنية للشعوب، ولا حلّ بوليسياً للثورات المدجّجة بوسائل الإعلام. علي عبد الله صالح لم يفهم هذا بعد.
لقد صعد نجوم جدد إلى الخشبة الإعلامية، إنّهم الثوار الشباب الذين يقودون العالم العربي في انعطافة تاريخية غير مسبوقة.
ما سبب هذه الانعطافة؟ الفقر والفساد والعنف لتحقيق الانقياد السياسي. هذا جواب غير كاف. العامل الاقتصادي ليس سبباً أولياً، فقمعنا لم يبدأ البارحة. هذه إذن أسباب لم تظهر في الأشهر الأولى من 2011، وبالتالي فهي لا تقدم تفسيراً لما يجري. وهذا تحدّ كبير للمراقب الذي يطمئن إلى شبكة مفاهيم لقراءة الواقع. شبكة تمكّنه، كلما لاحظ حدثاً، أن ينتقي مفهوماً يحلّل به الوضع، ثم يختم بثقة.
ما يجري هو نهاية الاسترخاء السياسي الذي مكّن الأولغارشيات الحاكمة في العالم العربي من السيطرة المطلقة على السياسة والاقتصاد والإعلام. سيطرة أثمرت ثقة مطلقة، صارت غروراً ثم غطرسة، تستهين بكلّ الأخلاق والقوانين التي تعاقد عليها البشر لبناء المجتمعات الإنسانية. غطرسة قطعت صلة تلك الأوليغارشية بالواقع، فصارت تبذر الملايير بمتعة لا يعكّرها بؤس البشر. غطرسة قادت أصحابها نحو حتفهم.
السبب هو المزاج الثوري المهيمن في اللحظة الراهنة من المحيط إلى الخليج. يقول هنري كيسنجر، عدو الثورات، إنّ «الثوريون دائماً يبدأون مشوارهم من موقع قوّة هامشي، وهم يهيمنون لأنّ النظام القائم أعجز عن المحافظة على نفسه من الضربات» («تاريخ الدبلوماسية» ص169).
احترق البوعزيزي في قرية هامشية، وقد كانت الانطلاقة فعّالة، لأنّ نظام بن علي كان منخوراً أخلاقياً، وقد توافق ذلك مع مزاج تونسي توّاق للتغيير. «التاريخ يتطور حين يتعفّن» وفق كارل ماركس، والعالم العربي لم يترك عفونة إلا ولغ فيها. تاجر القذافي بأطفال ليبيا المصابين بالسيدا. سيّرت ليلى بن علي دولة بعصابة. قارون وفرعون وهامان لم يكتنزوا سبعين مليار دولار والشعب مريض بالفول المسوّس، مريض ويُلبس أمثال أحمد عز حذاءه في باب المسجد. لن نرى هذا الإذلال في مصر ثانية.
هل يليق الآن أن نستبدل الاقتصاد بالسيكولوجيا لتفسير الظواهر؟ نعم.
كانت اللحظة التحريرية الأكبر للسيكولوجيا الشعبية، في الشرق الأوسط، قد انطلقت حين قذف منتظر الزيدي الرئيس جورج بوش بحذائه في قلب بغداد. منذ ذلك الحين صار الحذاء وسيلة تخاطب سياسي. تزامن ذلك مع شيوع، غير مسبوق، لوسائل الاتصال التي جعلت الناس يعرفون كل شيء عن حكّامهم، من غرف النوم حتى حسابات بنوك سويسرا. وبما أنّ ما عُرف مخجل جداً، فقد سقطت الهيبة تماماً، وهُتك سر الكاريزما. هكذا صار المواطن يرى نفسه والحاكم مدى الحياة على قدم المساواة، وهذه فكرة خطيرة جداً، دمّرت التراتبية الذهنية التي تأسست عليها الطاعة والولاء، بل الخنوع والانصياع الكلي. حين انهار جدار الخوف. وهو جدار برلين العربي، فانفتح الأفق نحو التغيير وحدثت المعجزات التي لم يحلم بها أحد.
الآن وقد تحققت المعجزة، فقد أثمرت مزاجاً جديداً يريد عيش الثورة بما هي حالة بغضّ النظر عن المطالب. مزاج انعكس على الكتاب أيضاً، فصاروا ينتجون أكثر، إذ جدد الأمل ملكتهم الإبداعية التي أذبلها اليأس وظلام الأفق.
غير أنّ هذا المزاج الذي يثمر معنويات عالية، لا ينبغي أن يحجب متطلبات المرحلة، فكما قال غرامشي «القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها».
المطلوب الآن هو الحرص على أن يخرج المولود سليماً، وأن يحمى من الطحالب التي قد تلتصق بمفاصله.
* صحافي مغربي