الحكومة اللبنانية العتيدة هي الرابعة في فئة الحكومات التي لم تؤلّف في بيت الرئيس الشهيد رفيق الحريري خلال الأعوام الثمانية عشر الماضية. وهي الرابعة، بعد حكومة كل من الرئيس سليم الحص، والرئيس عمر كرامي الثانية، والرئيس نجيب ميقاتي الأولى. والأخيرة كانت انتقالية، بمعنى أنّه عُيّنت لها مهمات محدّدة، لا تتضمّن ما تنطوي عليه برامج الحكومات العادية. أي أنّ الحكومة العتيدة هي الأولى، منذ زمن طويل، التي يمكن أن توفّر نقلة نوعية في تعاطي الدولة اللبنانية مع مشكلات المجتمع اللبناني. كما توفّر قطيعة مع تجربة عقدين من الفشل الاقتصادي والسطو، من بعض النخب، على المال العام، وتدمير مقومات وجود الدولة.

هل ستكون هذه الحكومة مؤهّلة لتوفير نقلة نوعية من أيّ نوع؟ إنّها، على الأرجح، ستوفر غطاءً شرعياً للمقاومة، وتنأى بلبنان عن تداعيات القرار الاتهامي. أي أنّها قد تنجح في التعاطي مع ملف لبنان السيادي، لكنّها ستفشل فشلاً ذريعاً في ملف الإصلاح الداخلي، الذي هو ملف اقتصادي وإداري، ما لم يجرِ الضغط لكي يكون للمشروع الحكومي محتوى إصلاحي وتغييري جدي.
وفي غياب محتوى كهذا، ستتحوّل جلسات مجلس الوزراء إلى جلسات سمر، وستهيّئ الحكومة، على أفضل وجه، لعودة الفريق الذي خرج من الحكم، وتمنحه فرصة تحقيق انتصار كبير في الانتخابات النيابية المقبلة. أيّ أنّها قد تكرر تجربة حكومة الرئيس الحص، التي أورثت إحباطاً كبيراً لكلّ الذين عوّلوا عليها.
وتسود الرأي العام آراء بأن ليس ثمّة بدائل في لبنان عما هو قائم، وأنّ من يطرحون أفكار التغيير إنما يعبرون عن مواقف أخلاقية في أحسن الأحوال، أو أنّهم أشخاص غير واقعيين. يردّد كثيرون ما كان يقوله الرئيس الشهيد رفيق الحريري متحدياً من يعارضونه، بأن ليس ثمة بدائل من السياسات التي اعتمدتها حكوماته. وهناك نزعة ـــــ تعبئة مستمرة، بدون انقطاع، منذ يوم اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. وتتبدّى هذه النزعة بانكفاء الأفراد عن الشأن العام، واستقالة النخب الثقافية من دورها في بناء رأي عام متعدد التوجهات. ويوفر ضجيج السياسيين ما يملأ فراغ حياة اللبنانيين وغياب أفق لديهم. وقد أظهرت الصيغة اللبنانية الفريدة، أنّها الأقدر على إبقاء الأمور على ما هي عليه. لكن البدائل موجودة. نقتصر منها، في ما يلي، على ما يتعلّق بالشق الاقتصادي والإداري.
عناصر برنامج حكومي يستجيب لطموح التغيير
يمكن اختصار عناصر برنامج حكومي غير تقليدي في خمس نقاط، تتوزّع على ثلاثة محاور.

المحور الأول: بناء الاقتصاد المنتج

النقطة الأولى: ما العمل بصدد سعر صرف الليرة المثبّت منذ 1993؟

أشار العديد من الباحثين إلى أنّ تثبيت سعر صرف الليرة، الاسمي منذ 1993، أخفى وراءه ارتفاعاً لسعر الصرف الفعلي الحقيقي. هذا الأخير يعكس تحسّن سعر صرف الليرة الفعلي، أي تجاه سلة عملات لا عملة واحدة، ويعكس تجاوز معدلات التضخم المحلية مثيلاتها في بقية العالم. وكلا الأمرين يؤديان إلى رفع كلفة الإنتاج محلياً، ويحبطان أيّ رغبة لدى المستثمرين المحليين والأجانب للاستثمار وخلق وظائف في لبنان.
ليس هذا وقت تغيير في سعر الصرف في لبنان. بل إنّ ما ينبغي أن يدفع الرأي العام في اتجاهه هو التشدّد تجاه المضاربين، ودعم المصرف المركزي في مواجهة هؤلاء، لمنع انهيار سعر صرف الليرة. كما لا يمكن الحديث مستقبلاً عن أيّ تغيير في سعر الصرف بهدف تحفيز الصادرات، إلا كعنصر ضمن برنامج متكامل لحفز الاستثمار والتصدير.

النقطة الثانية: اعتماد سياسة «رعاية للصناعات الناشئة»

في نص للكاتب تحت عنوان «التجربة الاقتصادية الليبرالية في لبنان»، جرت الإشارة إلى أنّ إعادة النظر في عملية تحرير المبادلات مع الخارج، التي حصلت في خريف عام 2000 من خلال إزالة الرسوم الجمركية على الواردات، يمكن أن تمثّل نقطة انطلاق للبدء باعتماد سياسة «رعاية للصناعات الناشئة» (Infant Industries). سياسة تعيد للبنان ما فقده من قدرة إنتاجية، خلال فترتي الحرب وما بعدها، وتضعه مجدداً على طريق «التصنيع المتأخر».
وفي دراسة للكاتب، نشرت في العدد ما قبل الأخير من مجلة «الدفاع الوطني اللبناني»، تحت عنوان «من أجل حمائية جديدة في خدمة التنمية العربية»، جرى اقتراح إعادة العمل بالرسوم الجمركية، لا على الطريقة القديمة، بل من أجل توفير حماية مشروطة للمؤسسات الإنتاجية، لكي تشرع في بناء ما عجزت عن تحقيقه تجارب الحمائية العربية السابقة، أي القدرة المحلية على إنتاج سلع ترسملية أو تجهيزية (Capital Goods)، على شاكلة ما حصل في تايوان وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاندا.
وقد نجم عن تجارب تحرير التجارة الخارجية وتحرير حركة الرساميل، التي مثّلت مضمون سياسات التنمية النيو ـــــ ليبرالية التي اعتمدت منذ 1982 في عموم العالم الثالث، فشلاً ذريعاً. وذلك لأنّها لم تربط بين اعتماد «التوجّه نحو الخارج» (Outward Orientation) وبناء القدرة التكنولوجية المحلية، التي يسمّيها هنري بريتون «مراكمة التمرين والتعلّم» (Learning and Knowledge Accumulation).
وها هي الثورات الشعبية العربية تعكس، إلى مضمونها السياسي، طفح الكيل من سياسات نيو ـــــ ليبرالية لا تحفّز الإنتاج، ولا تتيح التصدي لمشكلة البطالة التي لا تفتأ تتفاقم منذ عقود ثلاثة، مع ما يرافق ذلك من اتساع لنطاق الفقر والجهل.
وينبغي على لبنان أن يعمد، من دون أي تردّد، إلى إعادة رفع الرسوم الجمركية لحماية صناعات معينة، بعد التحقّق من قدرتها على بناء قدرة تنافسية تخوّلها المنافسة في الأسواق الدولية، بل ينبغي أن تكون إفادة هذه المؤسسات من الحماية مشروطة بالتزامها الذهاب إلى الأسواق الدولية.

المحور الثاني: تحسين الخدمات العامة والبنى التحتية

النقطة الثالثة: الخدمات العامة

أول ما يتبادر إلى الذهن بشأن تحسين الخدمات العامة، هو ضرورة تحسين خدمات الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي. وقد ناقشت حكومة تصريف الأعمال، في وقت سابق، اقتراحات وزير الطاقة فيها لتأمين زيادة الإنتاج الكهربائي في المديين القصير والمتوسط، لتلافي الكارثة المحدقة الناجمة عن انخفاض إنتاج الطاقة.
وينطبق الأمر نفسه على توفير مياه الشرب، من ضمن برنامج يتناول زيادة العرض للمياه بشبكة سدود جديدة تغطّي المجال اللبناني كلّه، وإعادة ترميم شبكات الجر والتوزيع، وإدخال عناصر كفوءة إلى إدارة مصالح المياه. كما ينبغي متابعة برامج الصرف الصحي وزيادة كفاءة التنفيذ.

النقطة الرابعة: البنى التحتية

ثمة قطاعان يكتسب التركيز عليهما أهمية فائقة، هما شبكة المواصلات والمناطق الصناعية. أما المواصلات، فقد أشار وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال، أكثر من مرّة، إلى ضرورة وصل طرابلس ببيروت بواسطة سكة حديد سريعة، تتيح انتقال العاملين بسهولة بين شمال لبنان وبيروت. ويكتسب هذا المشروع أهمية رمزية لأنّ إقراره يعني أنّ لبنان بدأ يخطو الخطوات الأولى على الطريق الصحيح، لجهة التزام الدولة سياسة ثابتة وطويلة الأمد لرفع مستوى شبكة المواصلات على امتداد لبنان كلّه. وهي سياسة يتيح تنفيذها توسيع القدرة الاستيعابية للمناطق، لاستقبال مؤسسات إنتاجية جديدة، ولاستيعاب زيادة سكانية كبيرة تنجم عن عودة الكثيرين ممن هجّرتهم، من لبنان، السياسات الاقتصادية الليبرالية المعتمدة حتى اليوم.
وينبغي إقامة شبكة واسعة من المناطق الصناعية تمتد على كامل الخريطة اللبنانية، يعمل على تجهيزها، بحيث تستقبل الصناعات الناشئة الجديدة، ويكون توفيرها نوعاً من دعم تقدمه الدولة للاستثمار الخاص.
إنّ سياسة جديدة لتطوير البنى التحتية هي قطيعة مع ممارسة استمرت بدون انقطاع منذ منتصف القرن التاسع عشر، عنوانها الخضوع، على الدوام، لمتطلبات توازن الموازنة العامة، واستثمارات حكومية دون الحد الأدنى المطلوب لتطوير البنى التحتية. ولم تُدخِل التجربة الشهابية تعديلاً جوهرياً على ثوابت هذه السياسة. وهي ممارسة عكست عدم مسؤولية النخب السياسية اللبنانية لجهة توفير شروط بقاء اللبنانيين في أرضهم، وأظهرت قصور هذه النخب عن إدراك المقومات التي تجعل شعباً يتشبث بأرضه.
والسؤال البديهي بعد تعداد عناصر البرنامج السالفة الذكر هو عن الموارد التي ستخصّص لتحقيقه. ومع 4 مليارات دولار على الأقل، تخصّص سنوياً لخدمة الدين العام، ويمثّل توفيرها محور السياسة الاقتصادية وهدفها الحصري، لا يبقى شيء للإنفاق على الخدمات العامة أو الاستثمارات في البنى التحتية أو لدعم القطاعات الإنتاجية، وخصوصاً الصناعة.
إنّ حكومة قوية تتعاطى بمسؤولية مع مستقبل شعب لبنان، يفترض بها أن تطرح موضوع المديونية العامة على النقاش العام بجرأة وجدية. ولا يستطيع اللبنانيون إلا أن ينظروا بسلبية إلى هذه المديونية، وما ترتّبه عليهم من تكلفة هائلة، منذ عقدين. ويشعرون بالظلم تجاه سياسة حكومية سخّرت وجودهم ومواردهم لخدمة مصالح فئات محدودة، هي المستفيدة من المديونية الحكومية. أما إمكان إلغاء الدين العام من طرف واحد فليس فيه أي ابتكار. وقد ألغى رئيس جمهورية كوريا الجنوبية الجنرال بارك عام 1972 بشحطة قلم، الدين على المؤسسات الإنتاجية الذي كان استيفاؤه سيؤدي إلى إفلاس مؤسسات القطاع الصناعي بكاملها في كوريا، وضرب مشروع «التصنيع المتأخر» الذي كان يتحقق آنذاك. ويمكن الاتفاق على تأجيل سداد الدين وفوائده مدة عشر سنوات.
وسوف يوفر استثمار الغاز الطبيعي، الموجود في المياه الإقليمية اللبنانية، موارد مالية كبيرة. ويمكن بوجود حكومات مسؤولة، تخصيص هذه الموارد للإنفاق على البنى التحتية. بل إنّ إنفاقاً سخيّاً ومدروساً على هذه البنى، مع الأخذ بالاعتبار مناخ لبنان وطبيعته الجميلة نسبياً، يمكن أن يجعل من هذا الأخير جنّة للسكن والسياحة.

المحور الثالث: الإصلاح الإداري

انتقد الباحث المشهور والأستاذ في جامعة هارفرد داني رودريك (Rodrik) السياسات التنموية التي تقترحها المؤسسات الدولية، وخصوصاً البنك الدولي. هذه الأخيرة قدمت لائحة طويلة من المؤسسات التي ينبغي خلقها أو إصلاحها، ضمن إطار «سياسات الإصلاح المؤسساتي» أو «الحكم الرشيد» أو «الحاكمية الصالحة»، لتحقيق التنمية. رأى أنّ الأمر أسهل بكثير مما يبدو، وأنّ البلدان النامية تستطيع أن تحفّز نموها من خلال سياسات أقل تعقيداً وتطلباً.
وفي نص سابق، نشر تحت عنوان «أفكار اقتصادية لبرنامج حكومي غير تقليدي»، جرى اقتراح إصلاح إداري محدود يتناول حصراً الإدارات والمؤسسات الحكومية المعنية بإنجاح برنامج تحفيز القدرة التنافسية للمؤسسات الإنتاجية الوطنية. واقترح إصلاحاً فحواه تنسيب إداريين جدد في خمس وزارات وإدارات عامة، من اللبنانيين القاطنين في لبنان والمهاجرين منهم، وفقاً لنظام المباريات الوطنية العامة وقواعده.
والأمر الأهم في ما يخص الإصلاح الإداري في لبنان، ليس تعبئة الشواغر كما يذهب البعض، بل إعادة تعريف مهمات الإدارة العامة اللبنانية في ما يخص علاقتها مع القطاعات الإنتاجية. ويقتضي بالتالي، بلورة نصوص جديدة توفر لهذه الإدارة قدرة تدخلية لدعم القطاعات الإنتاجية وتحفيز الاستثمار الخاص بها. وقد اتخذت الباحثة الكبيرة أليس أمسدن (Amsden) نموذج تايلاندا لإعطاء صورة عما يمكن أن يشرع به أي بلد نامٍ، لجهة تدخل الدولة لتوفير حوافز للمؤسسات الإنتاجية، بما يجعلها قادرة على الإنتاج والتصدير.
ولعل الأمر الثاني المهم، كنقطة انطلاق جديدة لدور الدولة التدخلي لدعم القطاعات الإنتاجية، هو إنشاء إدارة حكومية جديدة كـ«جهاز تخطيط مركزي» يستقطب أفضل الكفاءات، ويتحوّل إلى مجموعة تفكير (Think Tank) في الشأن الاقتصادي، ويجسد عقل المشروع التنموي الجديد. ويمكن دمج وزارتي الصناعة والاقتصاد والتجارة، بحيث تصبح إدارة واحدة اسمها «وزارة التجارة الخارجية والصناعة» (MITI)، على شاكلة ما كان قائماً في اليابان، على أن تعاد صياغة مهماتها، بما يجعل منها جهازاً للتخطيط المركزي ولتنفيذ سياسة «رعاية الصناعات الناشئة» التي سبق اقتراحها.

خاتمة

عبّر بعض أكثر الملتزمين بمشروع التغيير في أوساط المثقفين عن خوف من أي قطيعة مع السياق السابق. وانتقد عدد منهم المقاربة التي تؤدي إلى تأليف حكومة غير توافقية. ليست القطيعة مع السابق هي ما يفضي إلى نتائج تؤكد توقعاتهم التشاؤمية، بل الاكتفاء ببرنامج حكومي تقليدي. إنّ القطيعة مع السياق السابق هي الخيار الوحيد الذي يحقق الأهداف التي ترمي إلى بلوغها الثورات الشعبية العربية الراهنة.

* أستاذ جامعي لبناني

المراجع
* ألبير داغر، «التجربة الاقتصاديّة الليبراليّة في لبنان»، الأخبار، 18 و19/1/2010.
* ألبير داغر، «من أجل حمائيّة جديدة في خدمة التنمية العربيّة»، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 74، تشرين الثاني، 2010، ص. 67 ـ 94.
* ألبير داغر، «أفكار اقتصاديّة لبرنامج حكومي غير تقليدي»، النهار، 17/11/2004. أعيد نشرها في: أيّ سياسة صناعيّة للبنان: مقاربة مختلفة لدور الدولة في الاقتصاد، بيروت، «المركز اللبناني للدراسات»، ص 163 ـ 170.
*Henry Bruton, «A Reconsideration of Import Substitution», in Journal of Economic Literature, vol. 35, June 1998, pp. 903-936.
* Dani Rodrik, «Getting Institutions Right», CESifo DICE Report, 2-2004, pp. 10-15.
*Alice Amsden, «Industrialization Under WTO Law», in UNCTAD X, High-Level Round Table on Trade and Development: Directions for the Twenty-First Century, Bangkok, 12-19 Feb., 2000, 16 pages.