لعله لا يكفي عكار ما يلحق شعبَها من ظلم تاريخي في إهماله وتهميشه وتجويعه وتجهيله لدرجة «استحماره»، حتى تأتي التعليقات شبه مجمعة على تحميله مسؤولية بشاعة مشهد «الغضب» في ساحة «النور» الحريري الطرابلسية.

أجمعت وسائل الإعلام تقريباً، على تصوير ما ظهر من بشاعة يوم الثلاثاء في طرابلس، كأنّه صناعة عكارية. يُطل مشهد «يوم الغضب» على الشاشات ضعيفاً في مشاركة الطرابلسيين، فلا بد من «انتظار الترياق الآتي من عكار»، ويكتمل مع «الاستعانة بأهل عكار». ولا يبخل الإعلام على أهل الضنية بنصيبهم. لكن الاعتماد هو على عكار. خلاصة التقارير الإعلامية، تجعل المشاهد للفضائيات يستذكر توصيف سكان جبل لبنان للمقاتلين المسيحيين الذين استقدمهم آل الجميّل وشمعون في أواخر السبعينيات من بعض قرى عكار للمدافعة عن الكانتون المسيحي بوصفهم بعبارة «وحوش عكار»! واليوم يتكرر المشهد باستقدام فئة من العكاريين للمدافعة عن «كيان» طائفي للسنّة، فيوصف أبناء عكار بوصمة «الغضب» البشع. فهل ما حصل في طرابلس يعبر عن أخلاق عكارية، أم أخلاق طرابلسية، أم أخلاق بيروتية؟ لنعرض سير مشاهد «يوم الغضب».
أطل علينا الصحافي البيروتي العريق محمد سلام، مهللاً مكبراً، كأنّه داعية جليل: «الله أكبر. الله أكبر. اسمعي يا سماء، استفاق المارد السنّي». قالها بتجويد، إيقاعه من نَظْمِ مهندسة ثورة الأرز، الأميركية بولا دوبريانسكي. «اسمعني يا بشار، لن تحكم لبنان، لن تحكم لبنان، لن تحكم لبنان. فليسمع أحمدي نجاد، لن يحكم لبنان، لا هو لا وكيله في لبنان... نحن لا يرهبنا سلاح، نحن اخترعنا السلاح. رجالنا تقاتل على زغاريد النساء. لا أسمع زغاريد النساء (إيه يلاه!). نحن حصان عربي لا يحكمه فارسي. أقول لـ14 آذار لا يكفينا أن لا نشارك في الحكومة، يجب أن نمنع حكومة العملاء من أن تحكم وسيمنعها شارع عمر وأبو بكر وعثمان وعلي». ولعله كان يريد أن يستحضر يزيد لولا أن جاءه هاتف لربما أبلغه: «فضحتنا»! فانسحب وهو يصرخ لعيونك يا شيخ سعد، بعد أن ضاعف في الحضور شحنة «ريدبول» كان قد بدأها «أبو العَبَد» كبارة. هذا الطرابلسي صاحب صورة «نثق بهذا الرجل» الكبير، راعي المنحرفين ومتابع قضاياهم في المخافر والسجون ليفلتوا من القضاء ويُحرموا المعالجة النفسية، قال: «من طرابلس عاصمة اللبنانيين السنّة... احتجاجاً على التدخل السوري ـــــ الإيراني الفاضح في شؤوننا الداخلية... نقول لكل الخونة إنّنا لن نركع... سنواجهكم بصدورنا وأجسادنا لنسقط مخططاتكم». وأعقبه «أبو سطيف» علوش «بجرعة حماسة زائدة»، فهو طبيب ويحسبها: «يا أشرف الناس، أنتم الأشرف... إنّها الإهانة، ومن يقبل الإهانة يبقَ مهاناً كل حياته... يريد الجندي في ولاية الفقيه أن يفرض الرؤساء اليوم... هل سيصبح لبنان المقر الصيفي للولي الفقيه في الغد؟... لن نقبل بنقل لبنان إلى المحيط الفارسي، ونحن لهم بالمرصاد».
بلغت نشوة التعبئة الذروة، عندما جاء دور ابن العائلة الطرابلسية العريقة، الوزير السابق الجسر ليقول: «ماذا تريدون؟ في كل مرة نمد يدنا نجدكم ترفضون... تستكبرون... وصبر الحريري وصبرنا... وشرعتم في الانقلاب...». لم يسمعه أحد. الجمهور غائب في نشوة التعبئة، ولم تنفع معه صيحة الجسر: «صلوا على النبي». شعر كأنّه لم يؤدّ دوره. فهل قصّر؟
عندما أيقن نواب الصدفة في عكار، قادة باصات «المستقبل» العكاري، والصحافي البيروتي والقيادة الطرابلسية الحريرية أنّ الجمهور بات جاهزاً لأداء دوره، اختفى القادة، جميع القادة. وحصل ما حصل كما كان مقدراً. ونجح السيناريو. لذلك نسأل: هل ما حصل في طرابلس يعبّر عن أخلاق عكارية، أم أخلاق طرابلسية، أم أخلاق بيروتية؟
إنّ بشاعة ما حصل في طرابلس صناعة «حريرية» بامتياز: مهندسها بيروتي عريق، مقاولوها من بعض كبار الساسة الطرابلسيين، ملتزموها نواب من صغار كسبة السياسة العكاريين.
عفواً يا شيخ سعد. لم يكن في «يوم الغضب» الطرابلسي «دعوات مشبوهة». لقد كان كلّ ذلك اليوم، بتنظيمه وإعداده وتنفيذه، مجرد «دعوة مشبوهة»، نظمها، عن سابق تصميم وإصرار، تيار سياسي زعم أنّه يعمل وفق «حب الحياة» بممارسة «حضارية» عبّرت، في طرابلس، عن أخلاق قيادات تيار المستقبل ونوابه.
أما أخلاق العكاريين فهي معروفة: عيش مشترك عميق، إيمان بقضية العرب الكبرى، استشهد في سبيلها العشرات من العكاريين على تراب جنوب لبنان وعلى تراب فلسطين بالذات، سعي إلى لقمة عيش كريمة رغم كلّ إغراءات «التسويل» بديلاً من المطالبة بالحقوق. أخلاق عكار أخلاق جدودنا المقاومين للاحتلال الفرنسي، وأخلاق آبائنا المقاومين للاحتلال الصهيوني، وأخلاقنا المنادية بالوحدة الوطنية ورفض الطائفية البغيضة. أما الدخيل على عكار فتجار الضمائر وفجار السياسة و«مستحمرو» الفقراء والمظلومين، شركاء صناعة يوم «الغضب البشع».

* أستاذ جامعي