ما كشفته وثائق أميركية عن مكتب وزير الخارجية الألماني، غيدو فيستر فيله، يضرّ الحزب الألماني الحر «FDP» (الذي يتزعّمه فيله، وهو جزء من الائتلاف الحاكم مع حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل «CDU»)، وبالتالي يضع السفير الأميركي لدى برلين، فيليب مورفي، نفسه، في موقف الدفاع.


رغم شحوبه واصفرار وجهه الذي يدل على هزاله، لا يفقد فيليب مورفي حيويته أثناء حديثه عن سخطه على ما كشفه موقع «ويكيليكس» من وثائق تشير إلى اتصالات (مع الأميركيين) من البرلمان الاتحادي «بوندستاغ» والحكومة الألمانية.
لقد أبرق مورفي (53 عاماً)، إلى واشنطن ببعض الأمور المُغرية عن غيدو فيستر فيله وغيره من سياسيين ألمان، والتي نُشرت. أصبحت إعادة بناء الثقة مع هؤلاء السياسيين صعبة بالنسبة اليه، بيد أنّه لا يريد أن يعترف بذلك، إذ يقول «أعتقد بأنّ علاقاتنا تعود الى النقطة التي كنا فيها»، أي «مصالح الجانبين».
لا يعرف مورفي هيلموت ميتسنر (الجاسوس الألماني). وأكد «لا أعرف اسمه، أستطيع أن أتذكر عدم حدوث لقاء بيننا». لكنّه يعرف الآن. من هو ميتسنر؟ إنه موظف لدى فيستر فيله، مخبر سرّي تماماً من الحزب الديموقراطي الحر (الليبرالي)، وفق بعض التقارير التي أرسلها إلى السفارة الأميركية. يقول مورفي إنّه كان قريباً جداً من مواجهة ما يمكن أن يحدث بسبب هذا الأمر.
الخميس الماضي، اعترف ميتسنر في محادثة مع فيستر فيله بأنّه لا يثق كثيراً بوزير الدولة مارتن بيزل، الذي يعدّ مصدراً في تقارير الأميركيين. غير أنّه قبل ذلك، بقي صامتاً لأيام، رغم أنّ البحث عن الخُلد [حيوان يعيش تحت الأرض يُرمز به هنا الى المُخبر الجاسوس]، كان مستمراً تماماً. أراد ميتسنر أن يصبح مدير مكتب فيستر فيله وأن يغادر منصبه مديراً لقسم العلاقات الدولية في «توماس ديلرهاوس» (المقر التاريخي للحزب الحر في بون ـــــ عاصمة ألمانيا الغربية سابقاً).
في تقارير السفارة، كان ميتسنر يُوصف بأنه «شاب ناشط حزبي». سجّل بسهولة في خريف عام 2009، مفاوضات التحالف بين الاتحاد المسيحي الديموقراطي والحزب الليبرالي من أجل الائتلاف الحكومي. فضيحة ميتسنر كانت محرجة تماماً بالنسبة إلى الحزب.
لذا، كان هناك خاسران في ألمانيا خلال الأسبوع الذي تلى نشر البرقيات الديبلوماسية الأميركية. الأول هو مورفي، الذي بات محادثوه يتساءلون دائماً، إلى أي حدّ يمكنهم الوثوق بالسفير وأي قباحات يرسل الى واشنطن. أمّا الخاسر الآخر فهو حزب «FDP». الليبراليون لم يتضرروا كثيراً بسبب كشف مُخبر في صفوفهم. طبعاً هذا الشيء غير مريح، لكن الأمر قد يكون أكثر سوءاً إذا وجد خبير في قيادة الحزب يمكنه الالتفاف على الوضع.
بالنسبة إلى الجميع، أظهر رئيس الحزب، فيستر فيله، في هذه الأزمة اهتماماً قليلاً، فبعد التقرير عن مخبري الـ«FDP» في جريدة «شبيغل» أوضح فيستر فيله قائلاً «أعتقد أنّ هذه القصة ليست بالأمر المهم. لم أبدّل ثقتي الكاملة في القوى العاملة جميعها في الحزب». بدا ذلك أجوف، لأنّ وزير الاقتصاد، رينر بروديرلي، طالب في وقت سابق خلال اجتماع لرئاسة الحزب، أن يقدم الأشخاص المشاركون والذين هم في صلب القضية، ضمانات لبراءتهم. ورفع الضغط عن فيستر فيله.
لا يمكن زعيم الحزب وقف التكهنات. في احتفال عيد البشارة، كان المخبر الغامض، الموضوع الرئيسي للنقاش موجوداً، ودافع وزراء عن أنفسهم ضد الاتهام، مؤكدين بحدة أنّهم من الناشطين المخلصين المؤيدين للحزب. لا يمكن أن يكون المقصود، على سبيل المُزاح، وزير الصحة فيليب روزلر. لقد كان بالفعل زعيماً.
بالنسبة إلى فيستر فيله، يصبح البحث عن «الخُلد» مشكلة. لأنّه كان هناك خمسة أو ستة أسماء في التداول، ما يُهدّد الأبرياء غير المتورطين. في كتلة الحزب النيابية، تكهّن البعض أنّ فيستر فيله علم بخصوص اتصالات الموظف، بعدما بدا أنّه قام بمحاسبة مدير مكتبه. لكن على ما يبدو باتت العديد من الشائعات مقبولة.
من جهة ثانية، قال عضو كتلة الحزب الديموقراطي الحر في البوندستاغ، لارس ليندمان، «بالنسبة إليّ ليس ممكناً أن تكون الأشياء التي فعلها هيلموت ميتسنر، غير مُنسّقة مع قيادة الحزب». وفيستر فيله غير قادر كفاية على دحض الاتهامات.
تصرّف زعيم الحزب بحسم، أراد أن يبقى هذا الوضع الصعب مطوياً. فمن الطبيعي ألّا تبدو الأمور جيدة عندما يعمل أحدهم في مكتب زعيم الحزب مُخبِراً. محاولة أمين سر فيستر فيله الحديث عن الوضع بطريقة جميلة، جعلت الأمور أسوأ. لا سيما في ما يتعلق بمفاوضات الائتلاف عام 2009.
من ناحية ثانية، قال وزير التنمية، ديريك نيبل، إنّه جرى تداول «الأعمال اليومية بنحو عادي جداً» في السياسة خلال تلك المفاوضات. وأضاف نيبل «عندما ينظر المرء في عدد الذين اتصلوا من هواتف محمولة، بشأن المفاوضات الائتلافية، مع الصحافيين، يمكن تصور الوضع حينها. ربما كان أحدهم يتقاضى السعر الأدنى».
إنّها نظرة عامّة إلى الأمور منحرفة تماماً، على الرغم من أنّها ليست غير مألوفة، ذلك أنّ موظف الحزب المختص بالسياسة الدولية، أجرى اتصالاً بسفارة أجنبية. لقد ذكر ميتسنر خلال لقائه مع بيزل، أنّه خاطب الأميركيين بما هو ممكن. أيضاً قوّم الرجل الأحداث السياسية، وما يتعلق بالأعمال العادية.
مع ذلك، من غير المألوف أنّ مخبراً أبلغ ممثلي بلد آخر بشأن الخلاف النابع من محادثات الائتلاف، حسبما يتضح من وثائق السفارة. لذا تحدث ميتسنر، وفقاً للتقرير، عن نزاع داخلي حول نزع السلاح (ربما المقصود عدم التدخل العسكري خارج ألمانيا) وهو الموضوع المُفضّل لفيستر فيله. يعرف الأميركيون أيضاً، أنّ الحكومة كلّها لن تقف خلف وزير الخارجية، المعنيّ في هذه القضية.
من الواضح أنّ هذا الأمر يُعدّ تجاوزاً للحدود. لقد ذكر التقرير أيضاً، أنّه وضع في التصرف نسخاً من وثائق تتعلق بمجلد التفاوض الائتلافي. كذلك عرضت البرقيات، التي نشرتها «شبيغل»، وتعود إلى وقت الاتصالات بين السفارة وميتسنر، أنّه في 22 حزيران من عام 2007، أبرق السفير لدى برلين إلى واشنطن تقريراً قال فيه: «فيستر فيله أعد نفسه ليكون وزيراً للخارجية في الحكومة الاتحادية المقبلة. المصدر: هيلموت ميتسنر (رئيس استراتيجية المعركة الانتخابية) في الحزب».
مع ذلك، ظلّت العلاقة مع الأميركيين سليمة، حتى بعد المفاوضات الائتلافية. ففي تقرير من برلين في 3 شباط 2010، روى ميتسنر بأسلوبه عن صعوبة الائتلاف مع الاتحاد المسيحي. تقول الوثيقة المعنية: «هيلموت ميتسنر اتهم حزبي الاتحاد الديموقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، بالتفاعل مع مشاكلهم الداخلية الخاصة». حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي له علاقة بقضية قندز (مقتل مدنيين بغارة عسكرية نفّذها الجيش الألماني في أفغانستان)، والاتحاد الاجتماعي المسيحي متورّط في فضيحة مصرفية صعبة.
في 16 شباط، قال ميتسنر مجدداً لموظف في السفارة الأميركية: «فيستر فيله تحدث بإسهاب عن أنّه سيواصل قناعاته بشأن «الكلام الدبلوماسي» الذي يصبغ تصريحاته بصفته وزيراً للخارجية، لكن في السياسة الداخلية سيعلن خطاباً واضحاً فيما بعد».
لم يكن ميتسنر جازماً في القول بشأن الطريقة التي تحدث بها مع الأميركيين. يبدو واضحاً أنّ لديه استعلاءً حادّاً. لقد جال بنحو لافت حول قادة الحزب. في مدونته الإلكترونية، كان يصف نفسه بأنّه «ميتسنر المُختار». هناك أيضاً رابط لمقال في الجريدة اليومية «TAZ»، يفيد بأنّ ميتسنر يتميز بأنّه «زعيم وكالة صغير». هذا ما أظهره بأنّه في وضع سفلي.
يخاف كثيرون في الحزب الآن من التعامل الأخرق مع قضية ميتسنر. تعامل قد يؤذي الحزب. هم يريدون أيضاً للعلاقات مع الولايات المتحدة ألّا تتوتر مجدداً. فزعيمة كتلة الحزب، بيرجيت هومبورغر، تفضّل عدم التعليق على كشف الوثائق. لكن نائبها باتريك دورينغ وأعضاء آخرين، يطالبون بالعمل على استبدال مورفي. يبدو هذا مثل مناورة شفافة لصرف النظر عن القضية، لكنّه يُظهر أيضاً أنّ مورفي لا يملك فرصة كبيرة لإعادة بناء علاقة طبيعية مع المسؤولين الحكوميين الألمان أو النواب.
في محيط فيستر فيله، يقال إنّ ذلك سيستغرق سنوات، حسبما يرى آخرون في الحكومة أيضاً.
قدّم هذا السفير (مورفي) خدمات بارزة للعلاقات الألمانية ـــــ الأميركية. وعلى عكس سلفه، ويليام تيمكين، سعى مورفي إلى إقامة علاقات مع المواطنين، وذلك من خلال تنظيم ما يسمّى «لقاءات مبنى البلدية» مع الطلاب، إذ يلتقي رئيس البلدية ورجال أعمال. هو نشيط جداً ويبدو ممثلاً أميركيّاً ودوداً.
كذلك كان (مورفي) على علاقة جيدة مع البيت الأبيض، جعلته مثيراً لمحادثيه وحظي باهتمامهم. لكن ماذا سيفعل الآن؟
تحدّث مورفي أيضاً خلال الأيام القليلة الماضية عن مواعيده مع مسؤولين ألمان، إذ لا تزال 95 في المئة من مواعيده قائمة، حسبما قال بنفسه، فهو لا يزال يلتقي، كما في الماضي، مع أعضاء البوندستاغ.
من لا يفكر الآن على الفور بموقع ويكيليكس، حين يتحدث مع مورفي؟ بإمكان شخص حساس جداً مثل فيستر فيله، وبكثير من حسن النية، ألّا يتنحّى عن منصبه، ذلك أنّ مورفي كتب عنه أنّه «قد يكون عدوانياً»، ويقيم «علاقة ذات وجهين مع الولايات المتحدة». لكن مورفي سفير حسن تحت الطلب، ومصيره، يدفع للاحتفاظ بالسفراء الألمان.
* عن مجلة «در شبيغل» الألمانية
(ترجمة معمر عطوي)