يواصل رئيس حكومة الوحدة الوطنية التونسية، محمد الغنوشي، إطلاق تصريحاته المثيرة بشأن دوره في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وما بعد، في محاولة لتبرئة نفسه ومن معه من وزراء النظام السابق. فهو قال في مقابلة مع «راديو أوروبا 1» الفرنسي يوم الثلاثاء، إنّه كان يشعر بأنّ ليلى بن علي، قرينة الرئيس المخلوع، هي التي كانت تحكم البلاد في نهاية عهد الرئيس. وأشار إلى أنّ عائلة زوجة بن علي، المعروفة في تونس باسم «الطرابلسية»، يتعين أن تحاكم أمام القضاء، متعهداً أن تلقى تلك العائلة محاكمة عادلة... لكن ليس بن علي نفسه، أو أفراد عائلته.

فالغنوشي لم يتناول قط دور بن علي نفسه، في مسيرة الفساد التي نخرت جوانب الحكم وكل مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد التونسية. وكان بن علي، طوال 23 عاماً، غائباً عن الوعي، كما هو حال الغنوشي، الذي يبدو أنّ تظاهرات المحرومين والجياع والمظلومين والعاطلين من العمل، وهم جلّ الشعب التونسي، قد أعادت له وعيه. ذلك بعدما رأى ابن بلدته وحومته ـــــ حمام سوسة ـــــ قد غادر البلاد، وكان يعتقد أنّ تلك المغادرة هي مؤقتة، وهو ما سمح له بالتحدث معه هاتفياً، في شؤون البلاد والعباد، قبيل إعلان تأليف حكومته الجديدة. حكومة ضمت إلى جانب الغنوشي، اثنين من حمام سوسة: كمال مرجان وزيراً للخارجية ومحمد جغام وزيراً للسياحة، وهو الذي كان ينظر إليه على نطاق واسع على أنه خليفة محتمل لبن علي، في سنوات سابقة، قبل أن يقرر بن علي البقاء في الحكم إلى الأبد.
ويقول الغنوشي، في معرض الدفاع عن بن علي، إنّ الرئيس المخلوع قدم الكثير لتونس في سنوات حكمه الأولى، لكن في السنوات الأخيرة حدثت تغيرات كبيرة نتيجة الثراء غير المشروع للمحيطين به، وبدا أنّ ليلى بن علي هي التي تحكم البلاد.
لكن أين كان الغنوشي؟ وما هو دوره خلال أكثر من عشر سنين، هي عمر وجوده رئيساً للحكومة، وسنين قبلها وزيراً للمال؟ ألم تكن له أذنان وعينان تسمح له بالسمع والنظر؟ هل يمكن عاقلاً أن يصدق الغنوشي وهو يدافع عن نفسه بالقول إنّه كان مسؤولاً فقط عن النواحي الاقتصادية والمالية؟ أليس الاقتصاد بمرافقه هو الذي كان يتدخل فيه أفراد عائلتي الطرابلسية وبن علي، في عقد الصفقات وأخذ العمولات والرشى وسرقة حقوق الناس وثروات البلد ونهبها؟ هل كان الغنوشي معزولاً عن عالم تونس، مثلما ادعى الرئيس المخلوع، في آخر خطاب له عشية إطاحته، عندما قال «غلطوني»، أي أنّ المحيطين به كانوا يقدمون له تقارير ومعلومات خاطئة؟ هذا هو معنى تصريحات الغنوشي. لكن ألم ير الغنوشي إلى أين يتجه البرنامج الاقتصادي الذي يقول إنّه كان مسؤولاً عنه، بزيادة البطالة في البلاد إلى مستوى قياسي لم تعهده، ما دفع الناس إلى الشوارع يطالبون بطرد بن علي وحكومته وأعوانه وهو في مقدمهم؟ أليس هو المسؤول عن تنفيذ توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين، لخصخصة البلاد وبيع أصول القطاع العام التي استفاد منها «الطرابلسية» كما استفاد منها باقي أصهار بن علي؟
حصل ذلك في فترة تراجع الاستثمارات الأجنبية، فكان يُستخدم جزء من عوائد بيع القطاع العام، وهي عوائد ناضبة، لصبه في ميزانية الدولة، لتوفير أجور موظفي الدولة ورواتبهم لتأجيل الانفجار الشعبي. وكانت أجهزة الأمن، التي تضخمت في عهد بن علي بنحو غير مسبوق (نحو 200 ألف فرد)، تستنفد جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة، على حساب القطاعات الأخرى المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويعترف الغنوشي بأنّ ثورة المجتمع التونسي على حكم بن علي تأخرت. إلا أنّه يعتقد أنّ هناك فرصة لتعويض ما فات من خلال التوافق الوطني، الذي يتعين أن يسمح بالإسراع في تطبيق إصلاحات سياسية كبيرة. لكن لماذا لم يرفع، طوال أكثر من عقد من الزمن، وهو يعدّ الرجل الثاني في الحكم حسب دستور بن علي، الصوت مطالباً بالإصلاح السياسي؟ ولماذا وافق على مواصلة لعب دور واجهة بن علي، لدى مؤسسات التمويل الدولية؟ مؤسسات كانت هي الأخرى تساهم في حملة التضليل، بإشاداتها المستمرة بالنموذج الاقتصادي التونسي دونما نظر إلى تراجع القدرة الشرائية الحقيقية لدى المواطن التونسي. تراجع ترافق مع نشر ثقافة الاستهلاك على نطاق واسع، في بلد محدود الموارد، إلى حد تضخم سياسة الإقراض الفردي مع معدل أجور لا يتجاوز 4 آلاف دولار سنوياً، الأمر الذي جعل المواطن في نهاية المطاف عاجزاً عن السداد.
يعرف الكثيرون في تونس كيف كان يدير بن علي شؤون الحكم في كل القطاعات، إلى حد أنّه كان يتدخّل في الأرقام التي تتضمنها تقارير مصلحة الإحصاء الاقتصادي والتقارير الاقتصادية. ولم يكن يجرؤ أي مسؤول على نشر أي تقرير، أو إصدار تصريح قبل نيل موافقة الرئيس، الذي كان يحتفظ في قصره بحكومة ظل كاملة، تشمل مستشارين بعدد وزراء حكومة الغنوشي، مستشارين يتخذون القرارات التي ترسل إلى وزراء الغنوشي، الذين كانوا يُعدّون موظفين إداريين لا سياسيين.
* من أسرة «الأخبار»