مرّ قبل أيام تعقيب فلسطيني طريف على انتفاضة تونس. تعقيب كان بطله رئيس حكومة تصريف الأعمال سلام فيّاض، الذي استبعد أن يحدث في فلسطين ما جرى في تونس و«خصوصاً أننا تحت الاحتلال، وأن هامش الحرية والتعبير مصون عندنا، وعندنا غنى في المجتمع المدني، وهو عنصر قوة فريدة». من يستمع إلى سلام فيّاض يتخيّل أن الرجل يدير حكومة دولة مستقلة تتمع ببنية اقتصادية وسياسية متكاملة، وعلى هذا الأساس هو يتحدّث لتحصين هذه «الدولة» من تمدّد عدوى الثورة التونسية.

لم يفكّر فياض، ولا غيره، في كيفيّة استثمار مثل هذه الهبّة الجماهرية السلمية، مع التشديد على عبارة «السلمية»، على أساس أن فيّاض ورئيسه محمود عباس هما أصحاب السبق في إطلاق «الحمام الأبيض» في سماء الأراضي الفلسطينية عموماً، والضفة الغربية خصوصاً، حتى إن أبو مازن استغلّ زيارة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف التاريخية للضفة الغربية ليعلن نبذ «العنف والإرهاب».
المفارقة في كلام فيّاض أنه متطابق مع كل ما يصدر عن الدول العربية الديكتاتورية للتقليل من أهميّة الانتفاضة التونسية، والتشديد على أنها «عابرة» ولا مجال لانتقالها، وعلى هذا الأساس كان معنى كلامه أن «فلسطين غير تونس»، تماماً كما يقول أحمد أبو الغيط وغيره من المسؤولين العرب المتربعين على رؤوس شعوبهم.
«فلسطين غير تونس»، العبارة تستخدم للتعبير عن مخاوف من هبّة جماهيرية تطيح الحكومة والحكم، وهو ما دفع فيّاض إلى إعلان رزمة «تنويم» اقتصادية، في مقدمتها «توسيع دائرة المستفيدين من شبكة الأمان الاجتماعي لتصل في عام 2010 إلى 65 ألف أسرة تتقاضى دعماً مالياً منتظماً من السلطة الوطنية، وسيرتفع هذا العدد إلى 95 ألف أسرة خلال الربع الأول من العام الجاري».
إجراءات مثيرة للسخرية، على أنها تحاكي مثيلاتها من القرارات التي صدرت في الدول العربية لمنع انتقال العدوى. الإجراءات العربية لها ما يبررها، إذ إن المستبدين المتربعين على عروش السلطة لديهم ما يخشونه من هبّة شعبية تجعلهم تائهين في الفضاء بلا أرض يحطّون عليها، كما حدث مع زين العابدين بن علي. لكن ممّ يخشى سلام فيّاض ومن ورائه محمود عبّاس؟ هل هناك فعلاً دولة وسلطة من الممكن الخوف على استمرارهما؟
عند هذه النقطة يمكن أن تكون الإجابة أن «فلسطين غير تونس»، لا لأن أبو مازن وحاشيته وأبناءه ووزراءه غير منغمسين في الفساد من رؤوسهم حتى أقدامهم، لكن لأن من المفترض أن يكون للفلسطينيين أولويّة أخرى غير «قلب النظام»، هذا إذا حسبنا أن هناك نظاماً. الأولوية الفلسطينية هي لإقامة الدولة والنظام ثم الانقلاب عليهما.
ولعلّ في الثورة التونسية درساً لفلسطين والفلسطينيين، الذين لا بد من أنهم أحق بانتفاضة شعبية واسعة تحقّق جزءاً مما أنجزه التونسيّون. انتفاضة شعبية سلمية في وجه الاحتلال، أليس هذا ما ينادي به سلام فياض ومحمود عباس المعارضان لـ«العنف»؟ أين العنف في هبّة الشعب التونسي، الذي واجه رصاص الشرطة بصدره العاري وقدّم 80 شهيداً خلال أقل من عشرين يوماً فداءً للحريّة؟
التونسيون قدّموا أنموذجاً كان من الأجدى لفياض استخدامه بدل الهرب منه ومحاولة تجنبه. فإذا كانت الحال الاقتصادية الفلسطينية مزرية، والبطالة في مستويات مرتفعة، والفقر عند الخطوط الحمراء، فذلك لوجود الاحتلال بالدرجة الأولى، والحكم الفلسطيني «الرشيد» بالدرجة الثانية. لنبق عند الدرجة الأولى، فالتحرير من الاحتلال والتحرر من الاستبداد هما على المستوى عينه. وبالتالي كان من الممكن رفع التجربة التونسية في وجه الاحتلال الإسرائيلي بنحو مماثل لما حصل في الانتفاضة الاولى عام 1987، التي كانت سلميّة مطرّزة ببعض الحجارة فقط.
تجربة كان من الممكن لفياض، وغيره من أصحاب نظرية «المقاومة الشعبية»، الاستفادة منها لتدعيم حججهم بأن في الإمكان تحقيق إنجازات من دون اللجوء إلى السلاح، الذي يمقته فياض وأبو مازن، فالمقاومة الشعبية هي تظاهرات يومية شاملة واعتصامات وعصيان مدني وإضرابات على النسق التونسي الذي أوصل إلى غايته المنشودة. المقاومة الشعبية ليست تظاهرة أسبوعية في مكان وزمان محددين، كما هو حاصل اليوم في بلعين ونعلين على سبيل المثال. تظاهرات يتغنّى فيّاض بنموذجهما لمقاومة الاحتلال.
صحيح أن «فلسطين ليست تونس»، لأنه كان من المفترض أن تكون «فلسطين قبل تونس» في اعتماد هذه التجربة التحرريّة، لكن قادتها ليسوا في وارد استنساخ التجربة التونسيّة، لأنهم سيكونون أهداف مرحلتها الثانية.