يزداد قلق اللبنانيين من تحول الصراع السياسي الذي تعيشه البلاد الى مشكلة أمنية مفتوحة على نزاع اهلي، او حرب اهلية شاملين. وليس خافيا ان هذا القلق يزداد بمقدار ما تتفاقم الازمة السورية وتستعصي على التسويات والحلول، وتنزلق الى مرحلة خطيرة مقرونة بكل انواع التصعيد والدمار والمجازر والتهجير والتشرد والضياع...

ويزداد القلق ايضاً بسبب ازدياد تورط الأطراف اللبنانية الفاعلة في الازمة السورية. وهو تورط انكشف منه الكثير وبقي الكثير ايضا، مما لم يجر كشفه حتى الآن. والانخراط اللبناني هذا في النزاع السوري، سياسي وامني وسواهما. وهو يجري على نحو مباشر او غير مباشر، عبر الحدود او عبر اشكال اخرى باتت ممكنة وفعالة، بسبب تطور مستوى التواصل والاتصالات في حقول الاعلام والمال والاستخبار والتجسس والمراقبة والامن ...
أما مصدر قلق اللبنانيين الأكبر، فمرده الى معرفتهم بهشاشة نظامهم السياسي، وبابتذال سياسييهم وحكامهم. ولا بأس، مرة جديدة، من تكرار التذكير بأن النظام السياسي اللبناني لا يملك التماسك والآليات الضروريين لاحتواء الازمات والتسويات، وللقدرة، من ثَمَّ، على حلها. إنه نظام محاصصة وتقاسم، لا يزال يفاقم ضعف الدولة المركزية لحساب الدويلات الفئوية، وضعف عناصر الوحدة الوطنية لمصلحة الدويلات الداخلية والولاءات الخارجية، وهذان هما لحمة النظام السياسي اللبناني وسُداه.
أما عن ابتذال الحكام والسياسيين اللبنانيين، إلّا ما ندر، وبما يثبت القاعدة ولا ينقضها، فحدّث ولا حرج! وهو ابتذال اتخذ في الآونة الاخيرة اشكالاً تجمع ما بين الكاريكاتور والمأساة، وخصوصاً حين يلبس بعض هذه الاشكال ازياءً غير مدنية، او حين يجري تسييس القضاء والامن والادارة... من ضمن عملية استتباع وتوظيف باتت مكشوفة ومباشرة ووقحة دون حدود!
نتيجةً لذلك وسواه من العوامل والإعاقات، يعجز النظام السياسي اللبناني، عن احتواء الازمات، وعن ادارة الحوارات بشأنها، وعن الاحتكام وفق آليات مناسبة، إلى المؤسسات او الرأي العام: في انتخاب او استفتاء او حتى استمزاج.
ليس هذا فقط، بل إن المؤسسات الدستورية العامة نفسها، هي اول من يعاني وطأة الازمات وثقلها. فسرعان ما تتعطل هذه المؤسسات المرجعية: مجلس النواب، مجلس الوزراء، رئاسة الجمهورية، القضاء، المؤسسات الأمنية..... وهي، غالباً، تنقسم، أو تعجز، حتى، عن مجرد الاجتماع، فضلاً، طبعاً، عن عجزها عن المبادرة والفعل وممارسة الدور والواجب.
بعد الحرب الأهلية التي امتدت طيلة خمسة عشر عاماً، بدءاً من عام 1975، لم يحصل تقدم جوهري في طبيعة النظام السياسي. لقد جرى تعديل التوازنات دون المساس بالآليات. كانت الشكوى من «الهيمنة» الفئوية. وكان الحل في نظام مساواة، لكن ما حصل اقتصر على تعديل الحصص من ضمن النظام نفسه. لقد زالت «الهيمنة» لتحل محلها المحاصصة. وزالت الدولة لتحل محلها الدويلات. كان هذا هو جوهر الارتداد على «اتفاق الطائف»، الذي وضع خارطة طريق للانتقال، واضحة ومحددة، باتجاه بناء سلطة خارج القيد الطائفي، محتفظاً، بالمقابل، للهواجس الطائفية والمذهبية، بموقع ضعيف ومحدد في «مجلس الشيوخ» دون سواه.
والواقع انه، على الصعيد العملي، فقد أدى «التفسير» المشوَّه والمغرض لاتفاق «الطائف»، الى نشوء وضع أسوأ من الذي كان قائماً سابقاً. فلقد خسر الحكم آلية ودينامية اتخاذ القرار، من دون ان يجري استبدالها بآلية اخرى. لقد باتت «التوافقية» هي الالية المعتمدة. و«التوافقية»، تحولت، وسط تعزز دور الدويلات، الى الية تعطيل، وممارسة حق النقض. ولقد عزز من ذلك تعمق الارتباط بالخارج، وهو ارتباط هائل وغير مسبوق (مذهبي وسياسي ومالي وأمني ...)، مما حال دون حرية حركة الأطراف المحلية، وجعل كل مشكلة، صغيرة كانت أم كبيرة، تتحول إلى أزمة مستعصية، يتطلب حلّها لقاءات ومؤتمرات واتصالات ذات طابع اقليمي، وحتى دولي!
يضاف الى كل هذا الخلل في العلاقات، وكل هذا الخطأ في الرهانات، كل ذلك الانفلات في الصراعات الاقليمية: الازمة السورية. الاعتداءات الصهيونية (غزة والاستيطان) التهديدات بحروب اقليمية، النزاعات المذهبية والسياسية ... مما يدفع قلق اللبنانيين الى ذروة استثنائية. ومعروف أن اللبنانيين قد ذاقوا ويلات الاقتتال والحرب الأهليين قبل سواهم، ولم تزدهم مشاهد المجازر القريبة والبعيدة سوى المزيد من الخوف والقلق....
وسط هذا الواقع المتوتر والمقلق، تفتقر الساحة اللبنانية الى لاعب ثالث، يستطيع ان يمارس دور الضغط والرقابة والنقد والاحراج، فيما هو يسعى الى تقديم بديل انقاذي بالمعنى المطلوب للكلمة. سيكون دوره كبيرا في كشف خطأ الحسابات والرهانات والارتهانات، في فضح الفئويات والاتجار بالقيم والمقدسات والدين والمصالح الوطنية العليا ...وفي غياب هذا الطرف الثالث خارج الانقسامين النافذين، يفتقد المشهد السياسي اللبناني الحلول والتسويات الجدية، وتخلو الساحة للفريقين المتصارعين دون رقيب او حسيب. ولقد بات معروفاً ان سبب غياب هذا اللاعب الثالث، انما يعود الى اسباب معظمها ذاتي لا موضوعيّ. لقد برز ذلك في كل المناسبات التي كانت تحتاج إلى وجود قوة فعل ومبادرة وضغط: مشروع قانون الانتخاب، التحرك الشعبي ـــ الشبابي ضد النظام الطائفي، دعم تحرك القطاعات التعليمية وموظفي القطاع العام (وهو تحرك يتيم على المستوى السياسي، حيث يتناوب على إضعافه طرفا الحكم والمعارضة). مواجهة التورط اللبناني في الازمة السورية ...
بدلاً من بناء قوة استقطاب واسعة تضغط من اجل اصلاح النظام وتصويب السياسات، ومراقبة صيغ التفريط بسيادة البلد ووحدته ... بدلاً من كل ذلك، «يتسلى» البعض ببعض الزيارات، ويستجدي من خلالها دوراً إعلاميا عابرا وبائسا لا يسمن ولا يُغني من فقدان وزن وثقة وهيبة....
وينعكس ذلك ايضا في زيادة عدد الراغبين في تأدية دور «ابو ملحم»، ويلجأ بعض الحريصين الى النصائح والتمنيات بسبب غياب البرنامج القادر على المنافسة، وبسبب ما ذكرنا من عدم إنشاء مركز مستقطب سياسياً وشعبياً. ولقد كتب الزميل والصديق نصري الصايغ في أحد مقالاته الأخيرة ما يشير الى ما ذكرنا. ولم يفته أن يذكر ما قاله بعض من سمع او قرأ افكاره واقتراحاته: «هل أنت قادم من المريخ»؟!
لا يمكن ان نستمر في التأفف و«النق» من دون تفحص اسباب عجزنا، ومن دون تحديد مسؤولية من هم في موقع «المسؤولية».
إن النقد هو ما يجب الركون اليه في الأزمات (لا منع النقد كما يفعل البعض): لتحديد اسباب الازمات، ولتحديد المسؤوليات، ولبلورة البرامج والخطط الضرورية.
* كاتب وسياسي لبناني