الطريق الوعر الدامي الذي كان على السوريين خوض غماره طلباً للتغيير، والانعتاق من ربقة الاستبداد، بات اليوم مرشّحاً، أكثر من أي وقت مضى، ليفضي بهم إلى استبدال سلطة استبداد بأخرى، إذ لا فرق في الاستبداد بين أن يمارسه فرد أو حزب أو ائتلاف. ذلك أنّ فئة من «المعارضة السورية» تصرّ على إعادة سيرة الاستبداد الذي تدّعي مقارعته، فهي لا تنفك تبني عناصر قوتها بالاتكاء على العنف، والدعم الخارجي، وتسعى إلى الاستئثار بالمشهد السياسي لسوريا المقبلة، عبر احتكار «التمثيل الشرعي».

خلال الأشهر الأولى التي تلت انطلاق الاحتجاجات الشعبية، ورغم تكاثر اللقاءات والمؤتمرات التي عقدتها المعارضات السورية المتنوّعة، في الداخل والخارج، من اللقاء التشاوري الأول في فندق سميرا ميس بدمشق، إلى أنطاليا، وبروكسل، مروراً بإنشاء هيئة التنسيق وغيرها، لم يدّع المجتمعون في أي من تلك المناسبات أنّهم وحدهم من يمثل الشعب السوري، ولا هم ادّعوا تمثيل المعارضة دون سواهم، بل على العكس من ذلك، كان ثمّة إصرار لدى الجميع على القول إنّهم «جزء من انتفاضة الشعب» أو «جزء من المعارضة»، مع الدعوة إلى دعم الانتفاضة الشعبية، وتوحيد المعارضة.
هكذا إلى أن أُنشئ «المجلس الوطني السوري» ــــ الكتلة الأكبر في الائتلاف الحالي ــــ وبدأ حينها الحديث عن «تمثيل الشعب السوري»، عبر ما واكب المجلس من ترويج إعلامي واحتضان قوى دوليّة وإقليمية له، والادّعاء بأنّه يعبّر عن مختلف مكوّنات الشعب السوري، ويضمّ في صفوفه كافّة أطياف المعارضة السوريّة، إضافة إلى التنسيقيات والنشطاء الميدانيين، في بادرة أُريدَ لها أن تكون فاتحة العمل على استنساخ «السيناريو الليبي» في سوريا، عبر إنشاء كيان سياسي جامع للمعارضة، على شاكلة «المجلس الانتقالي» في ليبيا، ليكون بديلاً عن النظام بعد إسقاطه.
في سوريا، ثمّة بديل اليوم للحزب «القائد للدولة والمجتمع»، الذي لم يزل منذ نصف قرن يدّعي تمثيل السوريين، مستنداً إلى «الشرعية الثورية»، التي أسبغها على انقلاب عسكري حمله إلى السلطة في صبيحة ذلك اليوم من آذار/ مارس 1963، ولم يكف طوال نصف قرن عن الاستئثار بالسلطة، والدفاع المستميت عنها بالحديد والنار، مسنوداً بدعم حلفائه الإقليميين والدوليين. هناك «ممثل شرعي وحيد» جديد، يسعى إلى الحلول محلّه، ذلك أنّ «أصدقاء الشعب السوري» قرّروا، في اجتماعهم الأخير في المغرب، أنّ هذا الشعب أصبح لديه اليوم «ممثل شرعي وحيد»، هو «ائتلاف قوى الثورة والمعارضة»، بعدما سبقتهم إلى ذلك بعض عواصم التبرّع بالمال والسلاح ... والشرعيّة.
كل ذلك يعبّر عن أزمة الشرعية المزمنة في سوريا، وهي انعكاس لانعدام الفاعلية السياسية لدى الشعب السوري، بعد عقود من التهميش، وتراجع الوعي السياسي العام، كنتيجة منطقيّة لهزيمة المجتمع أمام السلطة الشمولية، التي ابتلعت الدولة. وهي، إلى ذلك، تعبّر عن أزمة لدى المعارضة لا تخلو من رواسب أيديولوجية، وكل حديث عن صفة تمثيلية للفاعلين السياسيين، في الحكم أو في المعارضة، لا تنشأ عن الاختيار الحر الواعي للمحكومين، هو حديث غير ذي معنى.
ما هو موقف من يفترض به وحده تمثيل السوريين من المؤيّدين للنظام، وهم ليسوا من «الأقليات» فقط، كما يحلو للبعض القول، أليسوا سوريين أيضاً؟ ماذا عن شرائح واسعة من السوريين، يرفضون هذا النظام جملة وتفصيلاً، وهم في الوقت عينه لا يجدون في «ائتلاف قوى الثورة والمعارضة» ممثلاً لهم، أو حتّى «معبّراً عن تطلعاتهم»، نظراً إلى كون القضية المركزية الناظمة لعمل «الائتلاف» والقوى الدّاعمة له، ليست قضيّة التغيير الديموقراطي وحقوق الإنسان في سوريا، بل إسقاط النظام والوصول إلى السلطة. بدليل تأجيل النظر في أيّ مسائل أخرى، على اعتبار أن ذلك «يطيل عمر النظام». وعوضاً عن قراءة حاجات الواقع وممكناته، والتعامل بجدّية مع المخاطر التي تتهدّد الكيان السوري برمّته، ينشغل «الممثل الشرعي» بتلقف تصريحات المسؤولين الدوليين والتغني بالاعتراف به.
على أنّه ليس من السياسة في شيء إلقاء التهم بالخيانة أو العمالة، كما يفعل بعض المعارضين في الداخل نتيجة موقف أيديولوجي من «الخارج»، وهي التهمة التي لطالما رمى النظام بها معارضيه، وحاكَمهم بذريعتها. ليست المشكلة في التعاون مع هذه الجهة أو تلك، أو عقد التحالفات في ضوء المصالح، بل إن المعيار الأساس في تقويم الجدوى السياسيّة يكمن في مدى تحقيق الموازنة بين المصلحة الوطنية السوريّة، ويُفترض أنّ عنوانها الأساس اليوم هو وقف إراقة الدماء وإنجاز التحوّل الديموقراطي المنشود، وبين مصالح الجهات الداعمة لقوى التغيير في سوريا.
في الظروف الراهنة، ومن خلال اعتماده على القوى الخارجيّة المعترفة به، والداعمة له لمصلحة أجندات ليس «التغيير الديموقراطي في سوريا» على جدول أعمالها الحقيقي، يبدو أنّ الائتلاف المعارض، في سبيل إسقاط النظام والوصول إلى السلطة، يقع في منزلق الخضوع لمصلحة الخارج عوضاً عن تقاطع المصالح، الذي يُفترض به أن يخدم الأهداف التي من أجلها انتفض الشعب في الداخل، وخصوصاً مع تدفّق السلاح و«المجاهدين»، برعاية بعض الأطراف الداعمة للائتلاف، وتنفيذاً لأجنداتها، التي تحمل في طيّاتها بذور الفوضى والنزاعات الأهليّة.
ورغمَ أنّها الخطوة الأساسيّة، إلا أنّ مهمّة إسقاط نظام الاستبداد القائم حاليّاً ليست كلّ ما تحتاج إليه سوريا لبناء نظام ديموقراطي عصري، كأنّ الباقي تفاصيلُ تُبحث في حينها. من الخطأ تجاهل حقيقة تاريخية أساسيّة، تؤكّد أن الأهمّ والأصعب ليس التحرّر فقط، بل أيضاً تنظيم الحريات التي ستنتج عنه. التنظيم الذي لا بدّ من فهمه واستيعاب آلياته في سياق العمل للتحرّر. وهذا لا يستقيم من دون نشر المفاهيم الديموقراطية وثقافة التسامح، وتمثّلها ومحاولة توطينها ما أمكن كثقافة شعبية قولاً وممارسة، لتغدو خياراً نهائياً يقطع مع الاستبداد، ويمنع احتمالات عودته في المستقبل بأشكال أخرى قد تكون أشدّ فتكاً وظلماً، لا الترويج لمزيد من ثقافة العنف والاستئثار والإقصاء والانتقام.
ما من شكّ أنّ كل أحاديث النظام عن الإصلاح لا تعني سوى إعادة إنتاج ذاته ضمن صيغ مقبولة دولياً. فالنظام ومن هم وراءه، وضعوا الشعب، بين خيارين لا ثالث لهما: إما أنا أو الفوضى والخراب. ولا يبدو أنّ خصومه الذين يخوضون حربهم معه معنيّون بغير ما يُعنى هو به، أي السلطة، ويريدونها ولو كان ثمنها الفوضى والخراب أيضاً. وبات المشهد صراعاً بين «استراتيجية» السعي إلى انتزاع السلطة، في مقابل «استراتيجية» الاحتفاظ بها، عوضاً عن الانتفاضة الشعبيّة السلمية التي ابتلعها العنف، والعنف المضاد والتدخّلات الخارجيّة. وتحوّلت البلاد إلى ساحة لحرب المصالح بين مختلف القوى الإقليميّة والدوليّة.
وكأي حرب، لا بد من لحظة ينتهي فيها الأطراف إلى تسويات وتفاهمات لتقاسم المصالح، فهل يجب أن يُقتل المزيد من السوريين وتُدمّر بلادهم، على أيدي من يتنازعون ادّعاء تمثيلهم قبل الوصول إلى تلك اللحظة؟ أليس الأجدى بالسوريين، على اختلاف مواقعهم، أن يعودوا إلى رشدهم، ويلقوا السلاح، ويتحلّوا بالمسؤوليّة التاريخيّة والأخلاقيّة، للسعي إلى التوافق وحقن الدماء، عبر تفاوض سياسي جدّي، بضمانات دوليّة، يفضي إلى عملية سياسيّة واضحة المعالم، تؤسس لتحول ديموقراطي حقيقي، يجسّد بالفعل تطلعات الشعب السوري، ينهي معاناته، ويضع حدّاً لمآسيه.
* كاتب سوري