يحلو لفريق 14 آذار أن يطلق على نفسه لقب «الفريق السيادي». يمضي بعضه من «المستقلين»، إلى آخر هذا الأمر، وصولاً إلى محاولة إضفاء بعد سياسي ــ ثقافي، أي إيديولوجي، على هذه التسمية. تابعنا آخر تطبيقات هذه «النظرية»، وقد تجلت في التعامل مع اغتيال اللواء وسام الحسن ومع فرع المعلومات نفسه، بوصف المغدور وفرع المعلومات «سياديين» في أدائهما وانتمائهما على حد سواء. لسنا هنا بصدد تناول «المحاصصة»، السيئة الصيت، وقد امتدّت علناً إلى أجهزة أمنية، هي بطبيعتها سيادية! أوليس تقاسم المؤسسات الأم: «الرئاسات» الثلاث، المواقع، الوزارات، المجالس... هو الخطيئة الأصلية التي تفرع عنها كل هذا البازار البائس الذي بلغ أبسط الوظائف وطاول حتى «المياومين»، وصولاً إلى النقابات ومجالسها وموظفيها والبلديات وانتمائها و«حملاتها» والمهن الحرة في اصطفافاتها وخلافاتها وممارساتها... إلى القضاء والتعليم والرياضة و«الفن» (الذين بات بعضهم لا يهتم فيه بـ«رواية» محمود ومعروف والياس وحسين في فولكلورنا المهضوم!). فهذا النوع من التحاصص هو الذي دشن، من الداخل، الاعتداء على سيادة الدولة وصلاحية ودور المؤسسات وشجّع أو استدرج الاعتداء عليها من الخارج.


ولكي لا نذهب بعيداً في الزمن والتاريخ، نعود الى اختبار «السيادة» عام 2005. يومها وقع زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كانت فرصة تاريخية لا مثيل لها، لتوظيف قلق اللبنانيين ومخاوفهم واندفاعهم وشجاعتهم، في عمل وطني واحد وموحَّد وموحِّد.
إلا أنه تبين سريعاً أنّ «حليمة» لا تستطيع تغيير عاداتها القديمة؛ فذلك الزخم الشعبي الهائل، مشاركة أو تعاطفاً، الذي انتفض ضد الظلم والتعسف والتمييز والتخويف، وكذلك ضد التبعية والالتحاق والاستزلام والارتهان، هذا الزخم جرى هدره بإخضاعه للعبة التقليدية السائدة منذ عقود... فمن أبرز ما تختزنه الذاكرة، وهي ما زالت خضراء طرية، بشأن تلك المرحلة، أمران: الأول إعادة رسم توازنات نظام المحاصصة الطائفي ــ المذهبي (من دون الاخلال بأسسه)، والثاني استبدال هيمنة وتبعية خارجية بأخرى مناوئة (من دون الإخلال بمبدأ الاستقواء والتبعية والارتهان). لقد انتقل مركز القرار من عنجر إلى عوكر... وما بدَّلوا تبديلاً!
كان يمكن تلك اللحظة التاريخية أن تفتح مساراً آخر تماماً. كان يمكنها أن تكون لحظة تأسيسية بكل ما في الكلمة من معنى. كان يمكن بالفعل إعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس راسخة وحقيقية. كان يمكن أن تكون، فعلاً، لحظة انطلاقة ربيع عربي جديد كما كانت المقاومة وبطولاتها وتضحياتها وإنجازاتها لحظة تحوّل كبير في مصير الصراع مع الصهاينة وشركائهم المتواطئين وحلفائهم المتآمرين.
ما جرى كان عكس ذلك تماماً. فلقد استمرت اللعبة التقليدية وفق توازنات جديدة وأسماء جديدة، من دون تغيير في الجوهر أو في الأسَاسيات. ولذلك فقد ضرب الإحباط واليأس الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وخصوصاً الأجيال الشابة التي عوَّلت على التغيير واختبرت قدرتها على المشاركة في إحداثه. لكنها أيضاً، اختبرت فساد اللعبة وخداع أصحابها...
ومع ذلك، يستمر الحديث عن «السيادة» و«الفريق السيادي». وهنا تكمن نقطة الخلل الرئيسية، أي ليس فقط في الادعاء السيادي، بل في المفهوم المتداول نفسه. فالسيادة وفق هذا المفهوم، هي بالضرورة فئوية وليست نسبية فحسب. إنّها السيادة وفق ما يقود إليه الخلل في النظام الطائفي اللبناني، ووفق ما يفرضه الانقسام والاستقواء... لا وفق معايير عامة وموضوعية وثيقة الارتباط بمستلزمات بناء وطن حر سيد مستقل مستقر وموحد ومحصَّن ...
ومن دون إهمال الفروق في السياسات والتحالفات ارتباطاً بالصراع الدائر في المنطقة وعليها، لا يختلف أفرقاء المحاصصة الطائفيون الا في التفاصيل وعلى التفاصيل. وليس ادل على ذلك مما هو حاصل اليوم من انقسام في المنطقة بلغ حدوده القصوى بشأن الازمة السورية وبسببها. ويترك ذلك الانقسام نتائج قد تصبح كارثية على الوضع اللبناني. فالأطراف التقليديون اللبنانيون قد اعتادوا «الرعاية» الخارجية التي لا بأس أن تبلغ درجة الوصاية المباشرة او غير المباشرة. وهذه «الرعاية» هي التي يسَّرت التسويات بعد الصراعات والنزاعات والحروب. ولعل الرئيس نبيه بري، وهو من أبرز حراس النظام ومديري أزماته، قد أدرك هذا الأمر قبل سواه لأنه كان يعوِّل عليه أكثر من الآخرين (نظرية الـ«س.س»). ولذلك فهو يقترح اليوم بدء حوار بين اللبنانيين من اجل ان يشتقوا بأنفسهم حلولاً لأزمتهم. لسنا هنا بصدد فرز الغث من السمين والمناورة من المحاولة الصادقة، بما ان الازمة حقيقية وضاغطة على جميع المواقع والأدوار والمصائر... كذلك سنضع جانباً التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتكَوّن البورجوازية اللبنانية بأجنحتها المتصارعة والمتآلفة في آن واحد لضبط الصراع في نطاق النظام الطائفي وفي نطاق التبعية (وحصر التنافس على الحصص). اي سنضع جانباً «لا وطنية» مصدر تكوين الثورة والنفوذ والأدوار... لنصل الى حقيقة انّ الجميع في خطر. وهو طبعاً خطر نسبي. لكنه خطر حقيقي بدأت مقدماته بالظهور في الحقول كافة: الأمنية (الفلتان) والسياسية (تعطيل المؤسسات) والاقتصادية (الانهيارات، وإفلاس عدد من المؤسسات، وخسائر السياحة، والغلاء، والنزاعات الاجتماعية المستعصية على الحلول والتسويات...). هل كل ذلك يكفي لتحريك «ضمير» طرفي النفوذ والنزاع التقليديين، لمباشرة مراجعة لسياساتهما وعلاقاتهما وتحالفاتهما الخارجية؟ ليس في الإمكان بناء آمال على تغيير ذاتي وطوعي. سيكون ذلك من قبيل الوهم أو التمنيات. لكن الأمر قد يختلف اذا ما تحركت في الوضع اللبناني عوامل سياسية ــ شعبية ضاغطة ومؤثرة وهادفة. عوامل تستنفر مصلحة اكثرية اللبنانيين من اجل ان يمارسوا دورهم المفقود في الدفاع عن وطنهم ولقمة عيشهم وأمنهم واستقرارهم وسيادة بلدهم. تتواصل اليوم دعوات للقاءات وتحركات من اجل «الدفاع عن السلم الاهلي». لا مبرر في التشكيك بنيات اصحابها. لكن من المشروع تماماً كشف القصور في عدد منها بما انها صادرة عن جهات تخلت عن دورها وانصرفت الى صراعات فئوية داخلية هي نقل واستنساخ لأسوأ ما ارساه النظام اللبناني من تقاليد وسلوكيات... فإذا كنا نطالب اطراف النظام المنقسمة على اسس الفئوية والارتهان، بأن تكف عن عبثها بمصالح البلاد والعباد، فالأحرى مطالبة القوى السياسية رافعة لواء التغيير وشعاراته، بأن تنهض الى دورها التاريخي في بناء الصيغ واعتماد البرامج واقامة العلاقات التي من شأنها ان تتدارك الخلل والخطر في آن واحد.
لن يحصل ذلك بغير التخلي عن الفئوية والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية... المسؤولية التاريخية: من يبادر؟!
* كاتب وسياسي لبناني