منذ بدء رحلته انطلاقاً من تونس، محطّته الأولى، وما تلاها في مصر وغيرها، بدا أنّ قطار التغيير ماضٍ ولا سبيل بعد الآن لإيقافه. حقيقةٌ أدركتها نُظُمٌ عدّة، عربيّة وإقليميّة فاعلة في المنطقة. على رأسها المملكة السعوديّة، «الراعي الرسمي» للنظام العربي الرسمي. وقطر، الإمارة النفطيّة الصاعدة بقوّة اقتصاديّاً، والسّاعية إلى وراثة دور السعودية الإقليمي، بعدما ورثت عنها استضافة الحجم الأكبر من القوّات الأميركيّة في الخليج، منذ الحرب على العراق في 2003. كذلك إيران ذات الحضور الإقليمي القويّ، والبرنامج النووي الإشكالي. وإن كان للأخيرة أسلوب مختلف في التدخّل والتأثير، تبعاً لمصالحها وتحالفاتها، ممّا يستدعي أن يُفرد لها حديث آخر لا مجال له في هذا المقال.

كان لا بد، والحال هذه، من البحث عن حلول ومخارج للتعامل مع «الأزمة»، التي قد تواجهها تلك الأنظمة في بلدانها بعد انتفاضات «الربيع العربي». ذلك أنّ الأوضاع الاجتماعية والسياسيّة لمواطني قطر والسعودية وإيران ليست أفضلَ حالاً من أوضاع من انتفضوا، ولا هم يرفلون بثوب الحرّيّة، وينعمون بفضائل الديموقراطيّة دوناً عنهم. وقد تغريهم موجة الاحتجاجات غير المسبوقة، التي عادت بالشعوب إلى دائرة الفعل التّاريخي، التي أُقصيت عنها ردحاً من الزمن، اختُزلت خلاله لتكون وقوداً لنزوات الطغاة، وموضوعاً لاستبدادهم. ادّعت كلٌّ منها دعم المنتفضين طلباً للحرّية والديموقراطية، وهي التي في وجودها وبنيتها وأدائها تقوم على ثقافة مضادّة للديموقراطيّة ومعادية لها. ذلك أنّه حيال القطار الذي لا يمكنها مواجهته ووقف تقدّمه، ليس هناك ما هو أفضل وأنجع لتلك الأنظمة من التسلّل إليه وركوبه، ثمّ الاستيلاء عليه والتحكّم في مساره، مباشرةً أو عبر وكلاء محلّيين.
ومع الاستعانة بكلّ ما أوتيت به من مال، ودعاة، وتحالفات مع القوى الكبرى، ومع بعض العسكر وزبائن الداخل في بلدان الثورات نفسها، نجحت إلى حدّ كبير في السيطرة على حركة التغيير وضبط إيقاعها، والتحكّم في مساراتها ومآلاتها. الأمر ذاته تمّ في غير مكان عبر تحويل الحراك الشعبي السلمي إلى العسكرة والتطرّف، وصولاً إلى إذكاء نيران الفتن والحروب الأهليّة عبر دعم هذا الطرف أو ذاك. ساعدت كيفيّة تعاطي الأنظمة المعنيّة مع الشارع المنتفض على تهيئة التربة الخصبة لذلك. لتُحبَط فرصة تغيير كبرى كانت قد انطلقت بالفعل ــ رغم أنف المهووسين بنظرية المؤامرة ــ كحركة عفويّةً وشعبيّة، نتيجة ظروف موضوعيّة دفعت نحو انفجار الوضع على تلك الصورة. جرى العمل تدريجيّاً باتّجاه أن تؤول الأمور إلى أيدي بعض حركات «الإسلام السياسي»، الحالمة ببناء سلطة أقرب إلى صورتها ومثالها، الأمر الذي يتوافق وتوجّهات المتدخّلين، أيديولوجيّاً في المقام الأول، وسلوكيّاً في الخيارات السياسيّة والاقتصاديّة، التي تترجم تلك الأيديولوجيا.
ليس هذا تحليلاً تبسيطيّاً، ولا هو قفزٌ في فضاء التنظير والترف الفكري. إنّه جانب من واقع ما جرى، ويجري، في تونس ومصر على نحو أساسي. أي في البلدان التي أنجزت شعوبها المنتفضة، من خلال حراكها الثوري السلمي بوسائله المختلفة، المهمّة الأولى للثورة، والمتمثّلة في إسقاط رأس النظام. ثمّ ليبدأ اختراق الثورة والالتفاف على مفجّريها، وعلى دماء شهدائها، والسعي إلى إجهاضها، بحيث تنتهي إلى حالٍ أشبه بصراع على السلطة، منه إلى حراك شعبيّ ينشد بناء دولة ديموقراطيّة حديثة، تزدهر فيها الحرّيات وتُحتَرَم حقوق الإنسان، وترتقي بمستوى معيشته.
ذلك أنّه عوضاً عن التعدّديّة والحرّيّة وسيادة الشعب، التي من المفترض أنّ الثورات قامت لأجلها، غدا الاستئثار بالسلطة، والتضييق على الحرّيات العامّة، وإقصاء المختلفين بالرأي، العناوين الأبرز لمشهد ما بعد الثورة. مشهدٌ سيطر عليه الإسلاميون المدعومون بقوّة بأموال النفط، وفتاوى مشايخه. فضلاً عن الارتهان لأجندات غير وطنيّة، يشرف عليها «مرشدون» نصّبوا أنفسهم قيّمين على إرث «السلف الصالح»، وعلى مصالح الأمّة «بما يرضي الله»... والولايات المتّحدة الأميركيّة.
ليس أدلّ على ذلك من مسارعة «إخوان» مصر إلى إعلان «احترامهم للمعاهدات الدولية والتزامهم التام بها»، في إشارة إلى (كامب ديفيد) وضمان أمن إسرائيل. ومثله رفض «النهضة» في تونس مقترحاً بتضمين مسودّة الدستور الجديد مادّة تنصّ على تجريم التطبيع مع إسرائيل، بحجّة أنّ «الدستور التونسي سيكون أطول عمراً من إسرائيل» حسب ما صرّح به أحد قادتها. عدا السياسات الاقتصاديّة التي تزيد الفقراء والمهمّشين فقراً وتهميشاً. كل ذلك في استمرار لنهج المستبدّين المخلوعين، لكن مع نزعة ماضويّة. سلطة تريد باسم الدين إضفاء طابع مقدّس على استبدادها المنبعث من جوف التاريخ.
على أنّ هذا لا يعني بأيّ حال أن جميع القوى والأحزاب السياسية المطالبة بالديموقراطية، أو المعارضات التقليديّة في بلدان الثورات، من يساريين وليبراليين وغيرهم، هي حُكماً قوى ديموقراطية بالفعل، سواء في ممارستها السياسية أو في حياتها التنظيميّة الداخليّة، لكن المؤكّد، نظريّاً على الأقلّ، أنّ قابليتها لتبني الديموقراطية وممارستها فعلياً ممكنة وواقعية. ببساطة، كونها لا تتبنّى نصوصاً مقدّسة تتنافى بالأساس مع كل ما يمثل الثقافة الديموقراطية، كما هي الحال لدى الإسلاميين.
يبدو أنّ دور بلدان النفط وتجارة الدين على ضفّتي الخليج، وكذلك «عثمانيّي» تركيا الجدد، مشفوعاً بتواطؤ «الدول العظمى»، ورسوخ البنى المتخلّفة في المجتمعات العربيّة، قد حال دون نضج التغيير في بلدان الربيع العربي. فالحراك الشعبي العفوي لم ينتقل إلى مستوى المشاركة السياسيّة الفعّالة، الشرط الضروري لإنتاج وعي سياسي حديث، يؤسّس لتحوّل ديموقراطي حقيقي في العالم العربي. من الواضح أنّ تحوّلاً من هذا النوع لا يروق أولئك المدّعين دعمه والوقوف إلى جانب المطالبين به.
* كاتب سوري