في هذه اللحظة من العنف المتطرف والاستقطاب الحاد التي وصلت إليها سوريا، قد لا يكون هناك متسع لقراءة نقدية لما يجري. الغالب أنّه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأنّ أي نقد بالنسبة إلى أطراف الصراع لن يتناول سوى انحرافات هامشية لا تؤثر على النتيجة الحتمية لما يجري، وهي خلاص «الشعب السوري» بـ«نجاح الثورة وتحقيق كرامة ورفاهية هذا الشعب» أو «فشل المؤامرة وتحقيق كرامة ورفاهية الشعب (نفسه)».

لكن، إذا سمحنا لأنفسنا بترف القراءة النقدية، وهو ما لن يؤثر على مسار الصراع بين المتحاربين، فسنجد الفشل يكلل مسيرة طرفي الصراع (المعارضة والنظام)، ومعيار الفشل قائم على ابتعاد كل منهما عن الأهداف التي أعلنها ولا يزال. فشلت المعارضة على الرغم من توفر نوع من نضج الشرط الثوري الذي تجسد بإجماع شعبي على فساد الحكم في كل المجالات، وحالة من عدم الرضى عن الأوضاع الاقتصادية بدأت تتنامى في أوساط سكان الريف وأطراف المدن القاعدة الشعبية للنظام، وكان أغلبية هؤلاء مترددين في دعمه في مواجهة الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد. حينها ظهرت المعارضة، وبدأ تراجع البعد الداخلي الجامع للصراع (الثورة) لصالح بعد خارجي (المؤامرة)، وهو ما جهد النظام في التركيز عليه واعتباره يختصر ما يجري في سوريا. منذ البداية، تصرفت المعارضة بعقلية ما بعد ثورية، بينما الواقع على الأرض لم يكن كذلك، فبدت كنظام قائم بذاته له مصالحه وتوازناته وارتباطاته، وكأن الثورة جاءت لتخدم أجندتها، لا العكس، محاولة فرض أبوّتها عليها. ساعدها في ذلك آلة إعلامية ضخمة ومالكوها من حكومات إقليمية وعالمية، وهو ما شكل اختطافاً للثورة قبل أن تنجز خطوتها الأولى في «إسقاط النظام» أو بمعنى آخر احتكار العنف الذي غالباً ما يتم اختطاف الثورة بعده، لا قبله. إن ما سعت إليه المعارضة هو انقلاب أبيض باستخدام السوريين، وهنا وقعت في فخ التبرؤ من العنف والفوضى، إذ رُفع شعار «سلمية الحراك» وهو ما يناقض جوهر الثورة التي يتجلى فيها كل شيء إلا السلمية المميزة لحركات احتجاج مطلبية تحت سقف النظام. وحتى في احتجاجات كهذه، تحصل بعض أعمال العنف وكأن في ذلك محاولة لتكريس نمط «الربيع العربي» الذي تعتبر السلمية أهم أسسه ظاهراً، لكنّه لم يتعدّ في جوهره انقلاباً عسكرياً تقليدياً. والفارق الوحيد هو أنّ الجماهير هنا خرجت لتطالب بهذا الانقلاب، لا لتباركه كما جرت العادة ـــ لنتذكر أنّ الجيشين التونسي والمصري قاما بخلع كل من بن علي ومبارك وليس الجماهير التي لم تستطع سلميتها في البحرين أن تغيّر شيئاً من موازين القوى. كما أنّ المعارضة، في محاولتها لتصوير الواقع وكأنّها تمسك بتفاصيل الحراك وتضبط إيقاعه، تبرأت من الفوضى أولى النتائج المباشرة وأهم العوامل الجاذبة في الثورات. هذه الفوضى تعطي لطيف واسع من المجتمع إمكانية أن يرى نفسه ممثلاً في ما يجري وأن الجميع على درجة واحدة من القوة والشرعية، بغض النظر عن اختلافات مصالحهم أو حجم قواهم الفعلية على الأرض. أما عندما يتم وضع وصفة مجربة للحراك الثوري ونتائج محددة يجب بلوغها، إضافة إلى إسقاط النظام، فهي تفقد إجماع الفئات ذات المصالح المختلفة، وهو ما أدى إلى خروج كثيرين من الحراك الثوري، فضلاً عن دخول آخرين في معارك جانبية. وما زاد الطين بلة أنّ المعارضة بدأت بالكشف عن وجوه المرشحين للسلطة الجديدة في البلاد، إذ دخل المعارضون أنفسهم في صراع على سلطة لم يبلغوها بعد، وعلى حصرية تمثيل الثورة والشعب السوري. وإذا كان للمعارضة الحق في وضع خطة عمل وتصور للمراحل اللاحقة، إلا أنّه لم يكن لديها خطط بديلة، إذ كانت تتوقع سقوطاً سريعاً للنظام. وعندما فشل هذا السيناريو، بدت عاجزة لا حول لها ولا قوة سوى أن تتحوّل إلى حصان طروادة لدول إقليمية ودولية لها مصالحها في سوريا وتسعى إلى تحقيقها بالدرجة الأولى. كما عادت لتلعب دوراً تقليدياً من موقع ردّ الفعل على النظام لا كجزء من حراك ثوري يتجاوز النظام ويضعه هو في موقع رد الفعل، كما كان في الأيام الأولى للحراك.
إنّ سياسة المعارضة قامت على شيطنة النظام وشخصنة الصراع وكأنّه قائم مع شخص الرئيس بشار الأسد أو مجموعة من المسؤولين السوريين، بمجرد رحيلهم يصحو السوريون على الجنة الموعودة. وهذا جزء من سياسة الكذب التي اتبعتها وفشلت فيها أيضاً، على الرغم من الآلة الإعلامية الجبارة التي تقف وراءها ـــ هل تحتاج الثورة إلى الكذب لتنتصر! إذ حاولت تصوير الصراع على أنّه بين السوريين جميعاً والنظام، بينما هو في بعده الداخلي صراع اجتماعي تاريخي قائم ومستمر بين فئات المجتمع السوري يعبر النظام عن مصالح أحد طرفيه. كما جرت محاولة تسويق مشهد ثوري يتمثل في خروج الناس إلى الشارع للاحتفال بالثورة وهو ما لا يتم إلا بعد سقوط الحكم، لا أثناء محاولة إسقاطه أو قبلها. ومع تطوّر الصراع، جرى تحويل هدف إسقاط النظام من خطوة أولى ومرحلية إلى هدف نهائي تمثل في استعداد المعارضة للقبول بحرب على سوريا لتحقيق ذلك. وهو ما جعل البعد الداخلي للصراع يضيق لصالح اتساع البعد الدولي ليتم تغييب الثوار الحقيقيين عن المشهد، ما شكل افتراقاً بين الثورة والمعارضة التي حولت الصراع إلى مجرد صراع على السلطة.
وإذا كان فشل المعارضة لاحقاً على الثورة، فإنّ فشل النظام سابق لها ويتحمل إضافة إلى ذلك مسؤولية فشل معارضته لأنّه وببساطة أمسك بمفاصل وتفاصيل سوريا الدولة والمجتمع لعقود من الزمن. وفي ظل ما تشهده سوريا من حرب مدمرة، لسنا بحاجة الى تحليل الشواهد على فشل سياسات النظام جملة وتفصيلاً، والتي تباهى من خلالها ولا يزال بكون سوريا في ظله عصيّة على المؤامرة التي تستهدف استقرارها وسيادتها ووحدتها الوطنية، وهو ما تطلب من السوريين تحمل أعباء مواجهتها. وفجأة، مع بداية «الأزمة» خرج ليخبر السوريين أنّ المؤامرة تغلغلت حتى النخاع في مجتمعهم، وأنّ قسماً منهم تحول إلى أداة لهذه المؤامرة، ليكون على سوريا مرة جديدة دفع تكلفة المواجهة، ولكن هذه المرة بما لا يقاس مع ما سبق، لأنّ الداخل السوري تحوّل إلى ساحة المواجهة، ما أطاح الاستقرار والسيادة وهدد الوحدة الوطنية التي تحولت أيضاً إلى هشاشة في النسيج الاجتماعي. كما أعلن بعض المسؤولين السوريين في تبريرهم لغياب الحريات السياسية في البلاد، وحاول النظام تسويق الجيش ضامناً لهذه الوحدة الوطنية، أي أنّه فشل خلال عقود في بنائها وترسيخها في المجتمع السوري، أو أن سياساته هي التي أنتجت هذه الهشاشة.
إن فشل المعارضة الذي يتحمله النظام هو في سعيه، على مدى عقود، إلى التماهي مع الوطن، إذ لم يترك بينهما هامشاً يتحرك فيه معارضو النظام، فتحوّل بالتالي كل فعل مناهض للنظام إلى عمل لاوطني، وهو ما شكل الخطر الأكبر على سوريا. وللمفارقة، فقد سارع النظام إلى إيجاد هذا الهامش الذي تحركت فيه المعارضة الداخلية، حيث رفضت التدخل الخارجي، وهو ما يعتبر سقفاً وطنياً، وبقيت متمسكة بإسقاط النظام. وبالمقابل، فإنّ التماهي بين النظام والوطن دفع آخرين إلى عدم اتخاذ مواقف وطنية لأنّها تدعم النظام بشكل أو بآخر.
إن تداعيات فشل ثنائية المعارضة ـــ النظام لا تتوقف عند ما تشهده سوريا من حرب مدمرة فحسب، بل إنّ الخطر الأكبر يكمن في أن تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة.
* صحافي سوري