«عمله هذا (الكوميديا الإنسانية) كان استمراراً لرثاء التعفن الحتمي لمجتمع جيد، وتعاطفه كله كان مع طبقة محكوم عليها بالانقراض»

فردريك انجلز عن «الكوميديا الإنسانية» لبلزاك

يذكّرنا إدوارد سعيد في «الثقافة والإمبريالية» بأن جوزيف كونراد المعادي للإمبريالية والفاضح لفسادها وعنفها وهمجيتها، كان، أيضاً وفي الوقت ذاته، إمبريالياً رغم ذلك، وكان «رجعياً بعمق»، كما قال، لرفضه وعدم تسليمه حتى النهاية «بأنّه كان لأفريقيا وأميركا الجنوبية تاريخ مستقل أو ثقافة مستقلة، عَكَّرَ صفوها (أقلقها) الإمبرياليون بعنف، رغم أنّها في نهاية المطاف كانت أحد أسباب هزيمتهم».

ويذكرنا سعيد كذلك، وهذا المهم هنا، أن هذا الإمبريالي، والمعادي في الوقت نفسه للممارسات الإمبريالية الهمجية، «كان نتاجَ زمنه»، (ابنَ زمنه) أو نتاجَ واقعه. ويضيف في ملاحظة تبدو الآن كصفعة على وجوه كلّ المغرمين بكل ما يلمع في الغرب وهو ليس ذهباً أنّ «المزاج الراهن في واشنطن ولدى صانعي السياسة والمثقفين الغربيين يشير إلى قليل من التقدم على آراء كونراد» (الثقافة والإمبريالية).
وكونراد، صاحب «قلب الظلام»، رغم رجعيته العميقة أو إمبرياليته الثقافية، لا يمكن أن يقاس أو يقارن بمنتجي الفيلم البذيء عن الرسول أو أن يصنف في الخانة ذاتها معهم، فهو ينتمي الى النخبة، إلى تلك الطبقة المتميزة، والمبدعة حقاً (على صعيد الأسلوب، الحوار، العقدة، والشخصيات) من الروائيين الذين أضاءت بعض أعمالهم عنف الهمجية الإمبريالية وانتجت نوعاً أدبياً مختلفاً ومتميزاً (قال عنه سعيد، الذي كان «مهووساً به»، كما أشار، في مقدمة «خارج المكان» إنّه: «كاتب متفرد في الأدب العالمي من حيث الأسلوب والمحتوى معاً»). لكن هذا النقد للعنف الإمبريالي، وكما نراه اليوم، لم يكن في النهاية أكثر من «فنيرة» رفيعة من التقدمية، أو طلاء لامع من الجمالية على السطح، غلفت تلك الأعمال، كما جادل جونا راسكين في «ميثولوجيا الإمبريالية»، وهو الجانب المعادي للإمبريالية نفسه الذي قصده سعيد عندهم.
أما إمبرياليتهم فتمثلت في الصور التي اخترعوها للمستعمَر المُلَوَن (غير الأبيض) والمكانة الهامشية التي احتلها في أعمالهم، رغم كونه في الحقيقة بطل القصة الحقيقي الذي قهر الإمبراطورية في النهاية. فهذا المستعمَر (الأفريقي في هذه الحالة، و«العالمثالثي» عموماً، والذي تعرفه الشعوب كبطل التحرير) لم يكن في أغلب الأعمال الأدبية الغربية الرفيعة أكثر من خيال همجي متخلف في نهاية الأمر، شبح بلا معالم، أو مسخ لا اسم له ولا حتى شخصية، ويعدم أحياناً حتى البنية الأخلاقية، كما تدل على ذلك ممارساته المتوحشة ضد الإمبريالي المتحضر (الأفريقي الهمجي المخيف القادم من الغابة الذي اخترعه خيال كونراد يحرق مخازن الشركات الغربية والممتلكات الكولونيالية مثلاً). ولهذا، «فحتى بعض العادات الحضارية التي قد يمارسها هؤلاء الهمج الملونون يمكن طردها من ملكوت الحضارة واستهجانها بسرعة. أنت لا تستطيع أن تكون متحضراً لمجرد أن تكون لك أخلاق حضارية وسلوك حضاري. لكي تتحضر يجب أن يكون لك أولاً بشرة حضارية متلألئة»، كما يخبرنا منير العكش في «أميركا والإبادات الثقافية» (ص: 228) في سرده لكتاب الرحالة شارلز وورنر «مومياءات ومسلمون». وورنر، هذا، كان يستغرب «حب المسلمين للنظافة الجسدية، لكنه شكّك في جدواها الحضارية». يقول وورنر «يبدو أن هؤلاء المسلمين لا يدركون عبث تنظيف جلودهم الملونة ولم يكتشفوا لاجدوى فركِها وحكها» (مومياءات ومسلمون، ص: 83).
أما صورة المكان، أفريقيا السوداء المتوحشة، التي اخترعها أدب الغرب الرفيع، فكانت، من ضمن أشياء كثيرة، تلبّي «حاجة أوروبا النفسية» لغطاء، لورقة توت، كما قال الكاتب النيجيري الفذ تشينوا أتشيبي. فأفريقيا عندهم «مكان للنفي، للإلغاء، وهو في الآن ذاته مكان بعيد وأيضاً مألوف ــ غامض، وهكذا فقط تكون نعمة أوروبا الروحية بالمقارنة معه جلية وواضحة» (تشينوا أتشيبي، آمال ومعوقات، ص: 3). وليست أفريقيا الجميلة التي أعطت العالم باتريس لومومبا (التي أصرّ هيغل في «فلسفة التاريخ» على أنّها «لا تنتمي الى تاريخ العالم») وحدها تُطرد من ملكوت الحضارة وحتى الإنسانية، بل والعالم أجمع يتحول الى «مجاهل»، و«أرض عذراء»، وإلى غير ذلك من المتكآت اللغوية التي يحفل بها أدب الغرب الرفيع (انظر منير العكش، أميركا والإبادات الثقافية). لهذا سَيُصدم من يزور «متحف سميثونيان للتاريخ الطبيعي» في عاصمة اليانكي (بين البيت الأبيض وهضبة الكابيتول). هناك «تعرض نماذج من الهياكل العظمية لسكان الصين والهند ومصر ووادي الرافدين ومعظم البلدان التي شهدت ولادة حضارتنا الإنسانية، الى جانب هياكل وعاديات السحالي والسلاحف والسمك والدببة والماموث والديناصورات والحيوانات المنقرضة» (ص: 229). لكن الزائر لن يرى هياكل عظمية للأنغلو ــ ساكسون، العرق المتكبر والمستكبر، فهؤلاء يرون أنفسهم ليس فقط فوق كل البشر فقط، بل وفوق التاريخ الطبيعي للعالم كذلك.
لكن المسخ العالمثالثي لم ولا يرقى في أدبهم أبداً أن يكون في مكانة موقع بطل الرواية التي تحكي بعضاً من تاريخ استغلال واستعمار أهله وتدمير وطنه مطلقاً. فَقُرّاء كونراد، كما يخبرنا سعيد، «لم يكن من المتوقع منهم السؤال عن، أو الاهتمام بما يحصل للسكان الأصليين. وما كان مهماً لهم هو كيف يستخلص مارلو معنى من كل شيء. فبدون الرواية المصنوعة (المصممة) عمداً لا يوجد تاريخ يستحق السرد، ولا رواية تستحق التسلية، ولا سلطة تستحق الاستشارة» (ص: 200).
أما احتلال الإنسان «العالمثالثي» لمكانة البطل لاحقاً، فاحتاج تحقيقه الى أعمال مبدعين من البلاد المستعمَرة المهمشة ذاتها. فهم من رفعوا لاحقاً هذا الانسان الذي قاوم الاستعمار الى مصاف البطل في الرواية، وأيضاً وفي ذات السياق أسسوا لنا كذلك طريقة جديدة لقراءة الأدب الغربي تفضح مسايرته للمشروع الإمبريالي وتماهيه معه في الجوهر، وحتى تمثيله (جزءاً من) بنيته الثقافية. وبذلك، فهم لم يعطوا صوتاً لمن أسكتتهم روايات كونراد ورهط روائيي الإمبريالية فقط، بل أسقطو أيضاً قناع البريق الجمالي للثقافة البورجوازية (وقناع نقد الهمجية والعنف الغربي المزور) التي تسحر السطحيين والقارئين التقليديين الذين لم يلحظوا بعد أن تعقيدات القراءة أصبحت ممارسة تفترض جانباً من المعرفة بعلم النفس والاجتماع والفلسفة والاقتصاد على أقل تقدير لينفذ القارئ بها وبأدواتها الى العمق، وليرى بعض تعقيدات مجتمع الراوي في كلماته وصوره التي يخترعها لنفسه وللآخر، وعلاقة ذلك كله بالمشروع الإمبريالي ومدى مسايرته له وحتى تماهيه معه إلى النهاية.
لذلك فحين وصف تشينوا أتشيبي كونراد بالعنصري الذي نزع كلياً إنسانية سكان أفريقيا الأصليين («صورة لأفريقيا: العنصرية عند كونراد في قلب الظلام» كان عنوان الفصل الأول، أو المقالة الاولى من كتابه/مجموعة مقالاته «آمال ومعوقات.» ص:1 ــ 19)، اعتبر سعيد أنّ أتشيبي لا يذهب بعيداً بما فيه الكفاية، مؤكداً أنّ «ما كان موجوداً في روايات كونراد الاولى أصبح أكثر وضوحاً وصراحة في أعماله اللاحقة التي لا تتعلق بأفريقيا، مثل «النصر» و«نوسترومو»» (الثقافة والإمبريالية، ص: 200). ويُلخص سعيد الموضوع كما يأتي: «أنا لا أحاول القول إنّ الرواية – أو الثقافة بالمعنى الواسع – «كانت سبباً» أو «سببت» الإمبريالية، لكن الرواية، أو الحرفية الثقافية في المجتمع البورجوازي من جهة والإمبريالية من جهة أخرى لا يمكن التفكير فيهما بدون بعضهما البعض» (ص: 84). ترى ذلك حتى عند صاحب «الثائر»، البير كامو، في «الغريب»، (و«الطاعون» كذلك) حيث الجزائري، «العربي» كما يسميه، لا اسم له، وأحياناً لا وجه له أيضاً كما في حالة الممرضة الجزائرية التي لا تبدو أكثر من خيال أو شبح إنسان، بلا اسم ولا ملامح ولا لغة أو لسان – ربما لذلك أفرد له سعيد، كممثل للإمبريالية الثقافية الفرنسية كما يبدو، قسماً خاصاً في الثقافة والإمبريالية ( ص: 204 ــ 224). فكامو، كما يخبرنا سعيد، «بتأكيده وتعزيزه على الأولوية الفرنسية، لم يجادل ولم يعارض (أو ينشق عن) حملة السيادة التي تم شنها ضد المسلمين الجزائريين لأكثر من مائة عام» (ص: 219). لكن، فيما أعطتنا ثورة الجزائر العظيمة ضد الاستعمار الفرنسي، مثلاً، نموذجاً فذاً للإنسان الجزائري والعربي مثل الأمير عبد القادر الذي لم يكتف بقيادة المقاومة ومحاربة الاستعمار لسنوات طويلة، بل كان كذلك شاعراً وفيلسوفاً، وندين له، بشكل خاص جداً برأيي، لنشره النسخة الاولى من «الفتوحات المكية»، أروع ما كتب أحد عباقرة العرب الشيخ الأكبر ابن عربي، أعطانا الاستعمار الفرنسي نموذج السفاح المارشال ثيودور بيجو (شارون الجزائر، كما يمكن تسميته) مصمم سياسة التطهير العرقي والمجازر ضد أهل الجزائر. من يستحق دور البطولة الحقيقية هنا؟ من يستحق الاحتفاء به؟
لم يتمكن هؤلاء المبدعون الغربيون من تجاوز جدران وحدود الزمان والمكان، وتداخلت أعمالهم الى أقصى حد مع المشروع الإمبريالي دائماً، رغم أنّ لمعان وتقدمية طلائها الخارجي أحياناً أعمى الكثيرين عن رؤية حقيقة عمقها ومسايرتها مشاريع النهب الإمبراطوري. كان راسكين، كما يبدو، على حق: «الإمبريالية واقع كلي»، وكان سعيد في «تغطية الإسلام» محقاً أيضاً. فكتابة النصوص «عن الواقع الإنساني أو قراءة هذه النصوص نشاط يشارك فيه من العوامل ما يزيد كثيراً عما يمكن تفسيره (أو حمايته) بعناوين مثل «الموضوعية»»(ص: 42). ورغم أن هناك الكثير ليقال عن تلك العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، لكن هناك أيضاً، وربما بذات الأهمية، ما يمكن أن تقوله هذه الأعمال عن حالة مجتمعاتها التي أنتجتها وحالة منظوماتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.

الغرب ما يفعله الغرب

هذا يعني أنّ بذاءة فيلم «براءة المسلمين» (لم يُشِرْ أحد إلى أنّ العنوان قد يعني «سذاجة المسلمين»، وليس البراءة كما تتبنى الترجمة المعتمدة للعنوان) وسفالة منتجيه ووقاحتهم لا يمكن أن تفهم خارج سياق واقعها، أو خارج زمانها ومكانها، إذ هم مخلوقات زمانهم ومكانهم كما قد يقول سعيد لو كان حياً، ولا يمكن فهمها خارج حاجاتهم النفسية وأزماتهم الأخلاقية وانحطاط مجتمعاتهم، كما قد يقول تشينوا أتشيبي، ولا خارج سياق المشروع الإمبراطوري الأميركي وأزماته وتقهقره وتعفنه وتحولاته الطبقية، كما قد يرى إنجلز، لو كان حياً أيضاً. ورغم أنّ هؤلاء وفيلمهم أحطّ من أن يقارنوا بأي عمل مهما كان رخيصاً، فإنّه يجدر، للعبرة، كما استحضرنا سعيد وأتشيبي وإنجلز، استحضار عبارة ماركس الشاب ذات الدلالة المهمة كذلك لفهم إثم وخطيئة المجتمع الغربي ومسؤوليته عن كل ما يُنتج فيه: «الفلاسفة لا ينبتون خارج التربة مثل الفطر، بل هم نتاج زمنهم وشعبهم». فلا يمكن، إذن، فصل عالم الأفلام، مهما كانت بذيئة أو عبقرية، عن عالم الأفكار التي يؤسس لها واقع مشروع النهب الغربي للعالم، ولا عن أزماته وأزمات طبقاته المهيمنة وتعفن منظوماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانحطاطه الأخلاقي. يخطئ من يبرّئ الغرب كمجتمع وتاريخ ونخب ومشروع إمبريالي من أي مسؤولية عن الفيلم الوقح. ويخطئ كذلك الذين حاولوا لفت النظر، للتخفيف من وقاحة الحدث ولحصر مسؤوليته، الى أنّه ليس بفيلم، بل أربع عشرة دقيقة فقط، وكأنّ هناك فرقاً في الجوهر (لو أنّ إدوارد سعيد، مثلاً، كان يحصي عدد صفحات الروايات قبل أن يقرر دراستها لما عرفنا شيئاً عن رأيه في «قلب الظلام» وكونراد ولا في «الغريب» وكامو). ويخطئ أكثر من يلوم الضحية التي أهينت في أقدس ما لديها (وما أصبح يرمز لها كجماعة وأفراد) لأنّ طريقتها في الاحتجاج والغضب لم تَرْقَ الى ذوق شمطاء وزارة الخارجية ومسلمي السفارات وفقهاء سلاطين النفط أصحاب شعار «إلّا أميركا». ما هذا الاحتجاج الذي يقرر شكله ومقاييسه ومداه من يحتج ّضده الناس؟
نعم، رؤيتنا للمجتمعات الغربية، وبعكس نظرتهم لمجتمعاتنا، يجب أن تكون مركبة، فهي ليست مجتمعات متآلفة ولا أحادية الجانب ولا يمكن اختزالها لجوهرانية وماهية ثابتة غير متغيرة وعابرة للتاريخ، ولا يمكن أيضاً استبدال التاريخ والاقتصاد والاجتماع والسياسة كأدوات للرؤية وأسس للتحليل بالبيولوجيا والجنس مثلاً، كما يحلو لبرنارد لويس أن يفعل دائماً في رؤيته لنا. أيضاً، يجب أن تكون النظرة معقدة ومركبة لنفهم كيف لمجتمع كانت ولا تزال فيه العنصرية تياراً يقترب من أن يكون رئيسياً (إن لم يكن كذلك حقاً) ويعبر عنه في كثير من المواقف حزب رئيسي (كالحزب الجمهوري الذي لا يخجل مرشحه للرئاسة من أن يعلن احتقاره الشديد للنصف الأفقر من شعبه) أن ينتخب رئيساً أسود. أو، كيف لمجتمع أبيض الاقتصاد، وأبيض السياسة، وأبيض الثقافة أن ينتخب رئيساً أسود (حتى لو كان هذا الأخير من نوع «أوريو»، أسود من الخارج وأبيض من الداخل، كما يُلقب الأميركيون من أصول أفريقية الخونة من بينهم، أو من نوع التفاحة، أحمر من الخارج وأبيض من الداخل، كما يسمي السكان الأصليون الخونة منهم، ذلك الذي لم يبق من هنديته إلا لون البشرة وأصبح أبيض السياسة والأخلاق وأبيض النظرة الى معتقدات أهله ــ انظر، منير العكش: أنكل أوباما ولسانه المشقوق).
هناك فرق، إذن، وفق هذه القاعدة بين سلمان رشدي، صاحب «الآيات الشيطانية» ومنتج الفيلم البذيء. الأول قريب من نوع كونراد، أو حتى بلزاك (سيد الواقعية، كما وصفه إنجلز في رسالة الى مارغريت هاركنيز، رغم مَلَكِيته المنحطة) أو تنتمي أعماله إلى جنس أدبي مركب ومتعدد الطبقات، لكن يمكن القارئ إذا نفذ خلف لمعان طبقة طلائه الخارجي أن يلمح، عدا عن مسايرته للمشروع الإمبريالي، بداية تعفن المجتمع نفسه أيضاً، وهو ما يفسر الرجعية العميقة التي تحدث عنها سعيد عند كونراد. أما الثاني فهو التعبير الأكثر فجاجة وانحطاطاً ووقاحة لحالة تعفن نظام اجتماعي ــ اقتصادي يبدو أنّ التاريخ بدأ بلفظه الى المزبلة، كما لفظ طبقة الإقطاعيين ومجتمعهم الذي رثاه بلزاك. لننظر إذن خلف ما يقولونه عنا وعن أدياننا وثقافاتنا الى ما يعنيه ذلك بخصوص حالة مجتمعاتهم. أو لننظر إلى ما يقولونه عنا (وهو نتاج لمجتمعهم لا لما نفعله) لنعرف أيضاً شيئاً عن حالة نظامهم الاجتماعي ــ الاقتصادي. فهذا الفيلم يقول الكثير عن الغرب وأميركا وحالها الغارقة في التعفن والانحدار، كما يقول عن رؤيتهم لنا ولأدياننا وثقافاتنا ومجتمعاتنا ــ مسافة طويلة جداً وتحوّلات كبيرة مرت منذ توصيف دانتي (البشع، كما يجدر القول) في الكوميديا الإلهية للنبي محمد والإمام علي (واحتجازه لابن رشد ــ «صاحب الشروحات العظيمة»، كما سماه ــ وابن سينا على الأعراف، الليمبو، لأنّ أثرهم الفلسفي العظيم على الغرب والإنسانية شفع لهم عند دانتي فلم يلقِ بهم في الجحيم، إلا أّن إسلامهم كما يبدو لم يجعل دخولهم الجنة ممكناً) وحتى فيلم باسيلي الذي لن يكون الأخير. كان مجتمع دانتي حينها مجتمعاً صاعداً وجديداً إلى درجة أنّ الكوميديا الإلهية تدرس في بعض الجامعات العربية وتنشر المجلات العربية أقسام منها وتنشر دراسات عنها باستمرار لنعرف شيئاً عن ذلك المجتمع (كما فعلت مجلة الكرمل مثلاً بنشر ترجمة الشاعر كاظم جهاد الجميلة حقاً للأناشيد الثمانية الاولى). أما هذا، مجتمع باسيلي وبوش ورومني (وأوباما أيضاً، حتى لا ننسى أنّ حملته الاولى طلبت من بعض مناصراته المسلمات المتحجبات أن يغيّرن أماكنهن حتى لا يظهرن في الخلفية ويشوّهن الصورة التي يحاول صناعتها لنفسه في خَطْبِهِ لودّ من يرفض عِرقه وأصله، وهذا أحد أعراض «وباء العم توم» الذي أصاب كولن باول وكوندوليزا رايس من قبله) فهو مجتمع في حالة الأفول والتعفن.
بعض هذا الفرق عبّر عنه، للسخرية، سلمان رشدي، لا غير، في حوار تلفزيوني قبل أيام، حين وصف منتج الفيلم البذيء «بالأحمق»، ورفض ما جاء في الفيلم. لكنّه في النهاية، وبعد محاضرة مملة للجمهور عن أسطورة «حرية التعبير» الغربية، انتهى ليتقيأ أسوأ ما في الاستشراق من صور وأفكار عن المسلمين والعرب. «هناك صناعة غضب وكراهية» في المجتمعات الإسلامية، قال للمشاهدين. والشباب عاطلون من العمل «وليس لديهم شيء يفعلونه وليس لديهم صديقات». لا يختلف هذا التفسير كثيراً عن رأي برنارد لويس في أسباب الانتفاضات العربية والعمليات الاستشهادية ضد الاحتلال ــ شباب يبحث عن الموت من أجل لقاء العذراوات في الجنة بسبب الكبت الجنسي (انظر لقاء لويس مع جيروزاليم بوست، 25 شباط 2011). فجأة تختفي السياسة والاقتصاد والثقافة، وتختفي العقلانية، عند بعض عباقرة الغرب، حين يهمّون بتفسير احتجاج العرب على الظلم والاستعمار ويختزلون عالمنا كله ببيولوجيا ومواصفات عابرة للتاريخ ــ ربما يفسر هذا ما يمكن رؤيته في متحف سميثونيان في واشنطن حيث الإنسان الملون معروض على المسرح ذاته مع المخلوقات المثيرة للأطفال.

خصخصة الاحتجاج وفقهه

لا يحتاج العمال وأعضاء النقابات إلى ترك أعمالهم من أجل الاحتجاج على ظروف العمل أو المطالبة بتحسينها، ولا داعي لترك العمل حتى لساعة واحدة من أجل الاعتصام أمام الشركات والأعمال التي تستخدم عَمالة من خارج عضوية النقابات. النقابة ستقوم بالإعلان عن حاجتها إلى معتصمين ومحتجين بالأجرة، وستقوم باستخدام بعض العاطلين من العمل مقابل الحد الأدنى للأجور ليعتصموا ويهتفوا ويرفعوا اللافتات بدلاً من العمال ــ يسميهم بعض أعضاء النقابات «الأقدام المستأجرة». خصخصة الاعتصامات، والاستعانة بمصادر خارجية في الاعتصامات هي آخر تقليعات النيوليبرالية في بلاد اليانكي.
لا يُفَرَغ الاحتجاج من محتواه ومن معناه فقط، وبأيدي العمال والنقابات العمالية نفسها وبمعونة من العاطلين من العمل، ضحايا الرأسمالية المتوحشة الذين اخترعت النيوليبرالية حلاً شيطانياً لمشكلة بعضهم بمسخهم لأقدام مستأجرة، بل تتحول وسيلة الضغط الوحيدة لدى الطبقة العاملة الى ممارسة بلا قلب سياسي وبلا روح اقتصاد. في عصر النيوليبرالية أصبح الاعتصام والاحتجاج أقرب الى مسرحية هزلية بسيناريو تافه لا يكفي حتى «لفشة الخلق». هكذا تقوم النيوليبرالية بتفريغ كل شيء من معناه السياسي وجوهره الاقتصادي والاجتماعي، وهكذا تسطح النيوليبرالية ثقافة المجتمع الإنساني وتخصي عقله.
ربما حين يهان العرب في المرة القادمة بتدمير وطن عمره سبعة آلاف عام كالعراق، أو إحراق لبنان، أو غزة، أو ليبيا، أو حين ينتجوا فيلماً جديداً أو رسماً آخر ليمارسوا رياضة البصق في وجه ثلث سكان الكوكب، سيكون فقه الاحتجاج قد تَلَبْرَل كفاية وأصدر فقهاء السلاطين ومسلمو أميركا فتاوى تتبنّى آخر صرعات الحضارة النيوليبرالية في خصخصة الاحتجاج. حينها ستقوم عائلاتنا الحاكمة، مشكورة، باستئجار من يحتج ويغضب عنا، و«كفى الله المؤمنين شر القتال».

سياسة الكلمة والفيلم والرسم

سأختم بتلخيص مبدأين يمكن الاستفادة منهما للنظر إلى ظاهرة الأفلام المسيئة. الأول سياسة الفيلم والكلمة والرسم، والثاني، علاقتهم بواقع صانعيهم وبيئتهم السياسية (وهو ما أخذ المساحة الأكبر في هذه المحاولة).
في السياسة والكلمة، يذكرنا توماس فرانك وإدوارد وايزباند في كتابهما «سياسة الكلمة: استراتيجية اللفظ بين القوى العظمى»، بعلاقة ما يقوله السياسيون والعناوين السياسية التي يصنعونها، وتحتل صدارة حديث السياسة والمشهد السياسي من جهة وتأسيس مبادئ رسمية وتوقعات غير رسمية تؤسس لتبرير الممارسات السياسية، أو علاقة الخطاب السياسي ببناء تصورات ومواقف ومبادئ للوصول الى الفعل المطلوب. يعتبر فرانك ووايزباند، باختصار، أنّ بلاغة الامم السياسية وفصاحتها، وخصوصاً القوى العظمى، لهما وزن مهم في السياسة الدولية لا يجب تجاهله. لهذا، كان «لسياسة الكلمة»، أو «الاستراتيجية اللفظية» كما يسمونها، دور في تأسيس مبادئ التعامل الأميركي مع قضية غواتيمالا في 1954، أزمة الصواريخ الكوبية، وجمهورية الدومينيكان، وهو ما استثمره الاتحاد السوفياتي لاحقاً في تدخله في تشيكوسلوفاكيا. بمعنى، «الاستراتيجية اللفظية» للولايات المتحدة كقوة عظمى هي التي أسست لمبدأ حق التدخل لحماية مكانتها ومصالحها، وليس القانون الدولي ــ لكن الاتحاد السوفياتي، كقوة عظمى، استثمر ذلك المبدأ لصالحه حين اقتضت الحاجة. لذلك، يعتبر الكاتبان، ويرغبان كما يبدو، أنّه يمكن الولايات المتحدة عبر «الاستراتيجية اللفظية» التأسيس لمبادئ مختلفة، مثل التأسيس لشبكة علاقات تمنع مبدأ التدخل. علينا، إذن، العمل على تفكيك ألغام بلاغيات الأمم لفهم ارتباطها بتأسيس مبادئ سياسية وتبرير السياسات والممارسة السياسية. أيضاً، ولأنّنا لا نعيش في زمن الكلمة (كتاب فرانك ووايزباند كتب في 1971) فقط، بل وفي زمن الصورة وصناعة المشهد كذلك، لا ينبغي إهمال ما يمكن تسميته «سياسة الصورة» و«سياسة المشهد» وعلاقة ما تنتجه الأمم بالتأسيس لمبادئ وتبرير سياسات لاحقاً.
أما في الواقع والبيئة السياسية، يذكرنا إدوارد سعيد في «تغطية الإسلام» بأن «كل ما يختص بدراسة الإسلام في الغرب المعاصر اليوم مشبع بالأهمية السياسية»، لكن، وكما يقول أيضاً، «ما أصعب أن تجعل معظم الخبراء الأكاديميين المتخصصين في الإسلام يعترفون بأنّ ما يقولونه ويفعلونه باعتبارهم باحثين يقع في سياق ذي صبغة سياسية عميقة، وأحياناً ما تكون معادية» (ص: 40). يجدر بكل من تسرع من المعلقين العرب، إذن، وحاول التقليل من أهمية ومعنى الفيلم البذيء ورمزية، وأيضاً ارتباطه بتاريخ طويل من الإذلال والإهانة والتدخل في تفاصيل حياة المسلمين والعرب اليومية، التفكير ملياً في ما قاله سعيد. فالفيلم الوقح لم يظهر على المريخ، بل هو وليد بيئة سياسية وسياق تاريخي.
أن نَدَّعي أن الغرب يستثيرنا متى شاء، كما يُستثار الثور الإسباني، فيه الكثير من التبسيط (حتى لو كان من قال ذلك فيلسوف بمكانة مالك بن نبي الذي أقدّره بشدة)، وفيه حتى الكثير من الإهانة. مؤسف أن يلجأ بعض مثقفينا إلى استخدام نظرية بافلوف في «الإشراط الكلاسيكي» لتفسير ردّ فعل الشارع الذي، وبعكس «كلب بافلوف»، لديه القدرة، كإنسان على الأقل، على التجريد وإدراك معنى الحدث وتمييزه. لم يكن الخلل في ردّ فعل الشارع هذه المرة. كان الخلل في رد فعل فقهاء النفط الذين لم نعد نستغرب استعدادهم لِلَيِّ عنق الدين حسب الحاجة (فمرة يفتون بهدر الدم وتبرير القتل وخراب الأوطان ومحبة الناتو، ومرة أخرى يكتشفون التسامح وعبقرية فن الاحتجاج الانغلوساكسوني)، وكان الخلل الأكبر في موقف بعض المثقفين المتعالين على ناسهم والمسحورين «بحضارة الغرب» (لم يفكر ملياً ذلك المثقف العربي الذي ظن أنّ تجربة بافلوف مع كلبه تنطبق على قومه. يا حيف!). أما عن حضارة الغرب، فيجدر القول، وتكراراً لما قاله غاندي مرة، إنّها ستكون فعلاً فكرة جيدة.
* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ــ بارك سايد