يشغل الحوار بوصفه الحل الوحيد للصراع في سوريا مكاناً متقدماً في تصريحات أطراف الصراع والمنخرطين فيه، والمنظّرين والمتابعين له، وإن كان بدرجات متفاوتة وبشروط مختلفة. ويرى الأفرقاء أنّ الحرب الدائرة الآن لن تلغي ضرورة هذا الحوار من منطلق أنّه لا مكان لمنطق الغلبة بين مكونات الشعب السوري على اختلافها. ويزيد هؤلاء ليصبغوا على فكرة الحوار صفة المطلق باعتباره الطريق الحتمي لدولة قادرة قوية ديموقراطية لكل أبنائها. إن في هذا الطرح تجاهلاً لخلفيات الصراع وتطوره وأدبيات المتصارعين وميدانيات الصراع الذي بات دموياً تتضاءل معه معقولية أي حوار، رغم المبادرات الدولية في هذا المجال. إنّ الصراع في سوريا لا ينحصر في أنّه داخلي بين «ثورة في مواجهة نظام ديكتاتوري فاسد» أو «دولة في مواجهة مجموعات إرهابية مسلحة»، بل يتعداه إلى اصطفافات إقليمية ودولية خلف كل من طرفي الصراع اللذين وإن كانا يحتلان الواجهة، إلا أنهما الأقل قدرة على التحكم بمجرياته وهي مفارقة مهمة في صراع يعتبر وجودياً بالنسبة إلى أطرافه الداخلية (بمعنى عدم إمكانية تعايش أطرافه معاً في نظام سياسي واحد)، وأقل وجودية بالنسبة الى أطرافه الخارجية.


ويعطي ذلك إمكانية لحلول وسط بين الأطراف الخارجية، بينما لا توجد مثل هذه الإمكانية بالنسبة إلى الأطراف الداخلية. لذلك، فإنّ حواراً يحمل نوعاً من الندية بين طرفي الصراع الداخليين (معارضة ـــ نظام) على الأغلب لن يتأتى إلا بضغط خارجي، وسيكون مبنياً على التوازنات الدولية التي ستشكل ثقل الأطراف المتحاورة وليس تمثيلها للشارع السوري. إنّ حواراً كهذا لن يلغي وجودية هذا الصراع الذي احتكم فيه طرفاه، أي المعارضة والنظام، للسلاح وهو احتكام سبّب وسيسبّب الكثير من المآسي للسوريين. لكن عدم وصول خيار السلاح إلى خاتمته المنطقية، وهي الحسم بين منتصر وخاسر سيكون كارثياً على سوريا الدولة وعلى السوريين وليس العكس. بمعنى أنّ الحوار المنادى به اليوم في ظل الظروف الداخلية والدولية القائمة والتحكم الخارجي بمجريات الصراع سيحول سوريا إلى لبنان آخر، حيث فرضت التوازنات الدولية والإقليمية على اللبنانيين في خضم حربهم الأهلية حلاً توّج باتفاق الطائف. هذا الاتفاق الذي يردد الآن بعض الدبلوماسيين إمكانية بحث شبيه له في سوريا (طرحت روسيا فكرة إقامة طائف سوري).
إن طائف لبنان لم يفض إلى قيام دولة قادرة قوية يطالب بها الأفرقاء اللبنانيون جميعاً حتى اليوم. هكذا دولة لربما كانت ستبرر الدماء التي سالت في الحرب الأهلية اللبنانية التي دفع ضريبتها المواطن اللبناني. المواطن الذي يدفع اليوم ضريبة عدم وصول الحرب إلى نتيجة توزع بموجبها اللبنانيون بين غالب ومغلوب، وهو ما ترك البلد على حافة الحرب الأهلية حتى اللحظة، فضلاً عن أنّ الأطراف اللبنانية ما تزال تهدد بإمكانية اندلاع هذه الحرب مجدداً، لأن أحداً لم يستطع احتكار العنف، وهو الشرط الأساس في بناء الدول. وما يزال لبنان، بعد أكثر من عقدين من الزمن على اتفاق الطائف، في مرحلة العبور إلى الدولة المعلقة على حبال التوازنات الدولية والإقليمية. وعليه، طالما احتكم طرفا الصراع السوري إلى العنف، فلا بد من أن يحتكره أحدهما، كشرط لبناء دولة قوية يرتسم في أفقها الاستقرار الذي يشكل قاعدة الديموقراطية والحرية والمنعة والعزة والكرامة، وكل الشعارات التي يرفعها كل من المعارضة والنظام على السواء.
إنّ مبدأ الغلبة لا يعني أن يعمد المنتصر الى إبادة الخاسر، بل يعني أنّ هناك طرفاً منتصراً سيعطي للنظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي في البلاد هويته ويرسم خطوطه العريضة، مع احترام الحد الأدنى من مطالب الخاسر. أي أنّ الاحتكام إلى السلاح يشبه أو يعتبر الوجه العنيف للاحتكام الى صناديق الاقتراع، لكن العنصر الحاسم هنا يتجسد في قوة السلاح التي لن يمكنها وحدها حسم الصراع دون أن يكون لها حامل شعبي. بمعنى أنّ المنتصر بالسلاح سيحظى بالأغلبية الشعبية، لأنّنا يجب أن لا نتجاهل أنّ ما يسمى الرأي العام لا يكون منقسماً بنسبة ثابتة بين المشروعين المتصارعين، بل تتغيّر هذه النسبة وفقاً لتطور الصراع بين طرفيه.
بالتالي، إذا كان المتصارعون في سوريا أوفياء لمبادئهم التي أعلنوها في بناء دولة قوية لكل السوريين، فعليهم أن يستمروا في طريق السلاح الذي سلكوه ليكتسب المنتصر شرعيته باحتكار العنف الذي من دونه لا قيامة لسوريا.
أما الحوار في هذه المرحلة، إذا كان جدياً، فسيحوّل الصراع من صراع مبدئي إلى صراع على السلطة يؤدي إلى تقاسمها بين أفرقاء يديرون دولة فاشلة لا يستفيد منها أحد من السوريين، بينما تكون فيها مصلحة للأطراف الإقليمية والدولية. لذلك نتمنى للسيد الأخضر الابراهيمي مصير سلفه كوفي عنان وأن لا تتعدى مهمته تقطيع الوقت في انتظار تتويج منتصر في سوريا.
* صحافي سوري