تتميّز عائلة الأمين بتنوعها السياسي والفكري، إذ كانت العلوم بشتى أنواعها، وخصوصاً الدينية والأدبية منها، رفيقة درب أبنائها. ولقد برز عبر التاريخ رجالات دين وفكر وشعراء وأدباء ومجتهدون كبار، كان لهم الأثر الكبير في عالمنا الإسلامي والعربي، حتى إنّ أحدهم قال «في كل بيت من بيوت هذه العائلة يوجد شاعر أو أديب أو رجل دين»، كما أنّها قدّمت الكثير من التضحيات والشهداء على مدى الصراع ضد الاستعمار العثماني والفرنسي، والتاريخ المعاصر في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وهذا مسجّل ومعروف عند قراءة تاريخ منطقتنا، فالأسماء كثيرة ومعروفة، ولا مجال لذكرها كي لا ننسى أحداً، لدرجة أنّ الانتماء إلى هذه العائلة أصبح فخراً لأبنائها، وهذا ما يشعر به هؤلاء عند التعريف عنهم لدى الآخرين، إذ يذكرون بعض رجالاتها وما لهم من اسهامات في التراث العاملي.

قد يقول البعض لماذا التذكير بإسهامات وتراث تلك العائلة؟ لعلّ السبب الذي دفعنا الى ذلك هو ما يحصل الآن من استباحة للخطوط الحمر، واستهانة بتراثها وتاريخها، إذ تشهد صفحات الجرائد اتهامات وفضائح جعلت العديد من أبناء العائلة يطلبون عدم زجّ هذا التراث بعناوين بعيدة عن «الأمينية»، رغم استغلال البعض لها. ان منطقتنا الآن تشهد صراعاً حاداً يتعلق بالمصير، وخاصةً أنّ استراتيجيات كبرى بدأت عملها لتنفيذ خطتها الجهنمية في احداث الانقسامات وخلط الأوراق، مما أدى الى عدم وضوح الرؤية والارتماء في أحضان تلك المخططات عند البعض. ان الصراع السياسي والعسكري في منطقتنا أصبح الآن واضحاً بين خطّين، هما خطّ المقاومة وحلفائها في وجه القوى التي تريد السيطرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفائها، أو أتباعها في منطقتنا. وهذا ما دفع البعض من العائلة الى الدعوة للمهادنة والاعتدال والصداقة مع أميركا وعدم المخاطرة او المجابهة معها، لكن هذا البعض تحول عن قصد أو غير قصد، الى خير معين للخطّ الذي يريد شرذمة الداخل. ففي أتون هذا الصراع لا يمكننا الّا أن نكون مع تاريخ عائلتنا وتراثها الوطني والفكري، وهذا لسان حال اغلب أبنائها، إذ إنّ العديدين منهم ناضلوا واستشهدوا وهجّروا وقاوموا وأحرقت بيوتهم في سبيل قضية وطنية، فهم الأوائل، لا بل طلائع حركات التحرّر العربي. وهذا ما دفع العديدين منهم الى الاستغراب والتعجّب في كتابات وتصريحات البعض، ورسم علامات استفهام كبيرة على هذا الصوت العالي لهم، الذي أطلقته أبواق أصدقاء أميركا المرئية والمسموعة. صحيح أنّ العمل الاجتماعي واغراءات السلطة قد تبرز أخطاء وتصرفات قد تصيب المبدأ الأساس، وتجعل البعض يستغلها ويشير دائماً اليها لأهداف معروفة، لكن ذلك لا يعني اضاعة البوصلة، ألا وهي الخط الوطني المقاوم والمدافع عن شعبنا وأمتنا. قد يقول البعض ما لنا ولهم من هذا الضجيج الاعلامي، فلكلّ منّا حريته وآرائه وعلاقاته، ولا علاقة لرابطة الدم والقرابة بذلك، وبتصرّفات أفكار من ينتمي اليها. فنحن لسنا عشيرة يقودها شيخها، فالانتماء العائلي لا يرتبط بالضرورة بالتوجهات السياسية لأبنائها. بالتأكيد انّ ذلك صحيح ومنطقي، شرط عدم استغلال البعض لتاريخ وتراث أغلب أفراد العائلة، وخصوصاً من كان لهم اسهامات كبيرة في اطار الصراع العربي الاسرائيلي، ولأهداف قد تستغلها قوى معادية لتشويه تلك الصورة الناصعة البياض. وقد أدى ذلك الى التصدي لتلك الظاهرة وما هو المراد منها، كأنّها في صراع مع المقاومة وحلفائها، مع أنّ الواقع عكس ذلك تماماً، وهذا ما دفع البعض إلى الكتابة في هذا المجال، وتبيان الحقيقة أمام الرأي العام.
صحيح أنّ حرية الرأي وحق الاختلاف، مشروعان ومصونان لكل انسان، لكن لهذه الحرية حدّ أدنى في الحفاظ على الصدقية والأخلاقية، وعدم الاختباء وراءها وتحريف الواقع من أجل أهداف باتت معروفة، لذلك علينا دائماً التذكير بقول الإمام علي في أنّ «قيمة كل امرئ ما يحسنه»، لأنّ قدر هذه العائلة هو الاندماج الكلّي مع فكرها ووطنيتها وشعبها، فهي دائماً تحيا بالقيمة الكبيرة التي أحسنت صنعها، وأضاء بعض شمعاتها رجال صدقوا وعاهدوا من آل الأمين.
* استاذ جامعي لبناني