استطاع مَن حرّف الأوروبيون اسمَه من «محمّد» إلى «ماهومِتوس» ثم «ماهومي» واعتبروه، في زمن مسيحيّتهم الأولى، مجرّد دجّال، استطاع في ظرف عشر سنين أن يوحِّدَ شبهَ الجزيرة العربية تحت لواء ديانة جديدة، فامتدّت المملكةُ الإسلامية بضعَة عقود بعد وفاته من شواطئ الأطلسي إلى سفوح الهملايا. ولا يجادلُ مؤرخٌ جادّ في أنّه عبقريّ من عباقرة التاريخ، لا يخفِض من شأنه أنّه وُلد في قرية صحراوية لا في إحدى عواصم عصره، أو أنّه أحاط نفسَه بالمستضعَفين من كل جنس لا بالأشراف والنبلاء.

ويبدو أنّ مجلة «شارلي إيبدو» لا تعرف الكثيرَ عن سيرة نبيّ الإسلام وما يميّزُها عن سيرة مصلحين آخرين من تلازمٍ بين التأمل الفلسفي وخوضٍ لغمار الحياة سفراً وتجارةً وزعامةً سياسية، بين لغة الدعوة ولغة السلاح، بين السعي إلى الارتقاء الروحي بالعرب الوثنيين والعملِ على تقنين أبسط الأمورِ الدنيويّة. لذا لم يكن مستغرباً أن يستوحيَ رسّامو هذه الأسبوعية الفرنسية لتصويره كليشيهاتٍ عتيقةً من مخلّفات القرون الوسطى الأوروبية، مثَلُهم في ذلك مثَلُ صاحب فيلم «براءة المسلمين» ذي الوجه الغائم المتحوّل. ولم يتساءلوا: إذا لم تكن حياةُ «ماهومي» سوى سلسلةٍ من الملذّات، فكيف استطاع أن يقيمَ دولةً مساحتُها مليونان ونصفُ مليون كيلومتر مربّع، أصبحت بعد وفاته بمدّة قصيرة إمبراطوريةً مترامية الأطراف؟
ما أشبهَ اليومَ بالبارحة. تغيّرت شخوصُ القصّة، لكن حبكتَها حبكة القصّة نفسها التي عشنا أحداثَها منذ 7 سنوات، في أيلول/ سبتمبر 2005، عندما نشرت الصحيفة الدانماركية «جيلاندز بوستن» «كاريكاتيرات مسيئةً» أعادت نشرَها «شارلي إيبدو» في شباط/ فبراير 2006، ولم تكن هي الأخرى سوى تحديثٍ فجّ لكليشيهات قديمة عن الإسلام والمسلمين.
ما أشبه اليومَ بالبارحة. «رسوم مسيئة»، تظاهراتٌ في البلدان الإسلامية وتصريحاتٌ رسمية أوروبية أميركية محرَجةٌ تنتقد «الاستفزاز» من دون أن تنسى الدفاعَ عن «حرية التعبير»، لا بالضرورة إيماناً بها بل خوفاً من سهام أساطين الإسلاموفوبيا، ممن حوَّلهم خوفُ الأصولية الإسلامية إلى «متطرفي علمانية»، يتعمّدون الخلط بين المسلمين وأعضاء تنظيم القاعدة.
ما أشبه اليومَ بالبارحة. «خبراءٌ» يُسهبون في الحديث عن تحريم الإسلام «تصوير كلّ ذي روح» (فما بالك بالرسل) ويذكِّرون بهدم طالبان تماثيل باميان في 2001، ولا يتساءلون: ما سرُّ تصويرِ البشر (بل والأنبياء) في الفنّ التركي والفارسي، وما سرُّ نجاة هذه التماثيل البوذية من الاندثار طيلة قرون من الحكم الإسلامي؟
ما أشبه اليومَ بالبارحة. في 2005، عندما نُبِّهت «جيلاندز بوستن» إلى أنّ تمثيلَ نبي الإسلام وعلى رأسه عمامةٌ في شكل قنبلة قد يعني وصفَ كل المسلمين بأنّهم «أبناءُ لادن» محتملون، صاح مسؤولوها: «حريّة التعبير»، بالضبط كمدير «شارلي إيبدو»، ستيفان شاربونيي، في ردّه على منتقديه. نسيت هذه الجريدة الدانماركية آنذاك أنّها رفضت في 2003 نشرَ كاريكاتيرات تمثِّل المسيحَ تجنّباً لإهانة المسيحيين، ونسيت زميلتُها الساخرة الفرنسية أنّها في تموز/ يوليو 2008 استغنت عن خدمات أحد رساميها، موريس سيني، متهمّة إيّاه بمعاداة السامية (وهي تهمة بُرّئ منها بحكم قضائي في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010).
وللأسف الشديد، عدا بعض الاستثناءات، لا يحتلّ المشهدَ في مواجهة مخرج «براءة المسلمين» ورسّامي «شارلي إيبدو» سوى متزمتين حقيقيين، بعضُهم لا يزال يؤمن بأنّ الصورة من فعل الشيطان. لا يكتفي هؤلاء الناجون من العصور السحيقة بإدانة «الرسوم والأفلام المسيئة» فتراهم يُدينون «الغرب الكافر» كلَّه، لا فرقَ بين الشعوب والحكومات، بين ناخبي اليمين المتطرف والمدافعين عن مسلمي أوروبا وأميركا، بين مساندي السياسات الإمبريالية والرافضين لها ممّن عارضوا غزوَ العراق وأفغانستان. وبدلَ أن ينتقدوا استعمالَ حرية التعبير هذا الاستعمالَ السّادي، ينتقدون حريةَ التعبير ذاتَها وكأنّها ثمرة من ثمرات «الحضارة المادية الغربية» لا مكسبٌ من مكاسب البشرية جمعاء. كذلك، لا تشغلُهم معاناةُ مسلمي المهجر (بل تراهُم يُفاقمونها ببعض تصريحاتهم) بقدر ما يشغلُهم «المساس بالمقدسّات» وكأنّ من قبلَ إسلامَ أعتى «كفار قريش» ستحُطُّ من شأنه رسومٌ دافِعُ الإبداع في إنجازها أضعفُ بكثير من الرغبة الجامحة في الإيذاء... وزيادة حجم المبيعات.
لا شكّ في أن هؤلاء المتزمتين يهوون الدفاع عن دينهم، لكن واضحٌ أيضاً أنّ هذه القضايا الإعلامية تمكّن كثيراً منهم من الاستمرار في تجاهلِ ملايين «المحمَّديين ممن يعيشون كالعبيد تحت سلطة أنظمة تدّعي الانتساب إلى النبيّ محمد» (الروائي الجزائري كاتب ياسين) ومن مواصلةِ السكوت على الهيمنة الأورو ـــ أميركية (الاقتصادية والسياسية) على بلدانهم. لذا لا يُدين من لن نبالغَ إن وصفناهم بأحباب السلطان أنظمةَ بلدانهم القمعية ولم يُثر احتلالُ العراق وأفغانستان في نفوسهم الغضبَ الذي أثارته فيها «الرسوم والأفلامُ المسيئة»، رغم أنّ الأميركيين والبريطانيين (وهنا نقتبس حديث متظاهر سوريّ ضد جرائم نظام بشّار الأسد) «أهانوا الرسولَ وربَّ الرسول» وهم يقتلون العراقيين والأفغان بالآلاف.
ولا يقلّ تصوُّر مجمل هؤلاء المتزمتين للحرية الدينية تناقضاً عن معارضتهم لما يسمونه «الغرب». يطالبون الأمم المتحدة بتقنين حماية المقدسات الدينية، لكنهم يُمضون وقتهم في ذمّ مقدسات غيرهم ومهاجمة المسيحيين والبهائيين و«الفرق الإسلامية الهالكة» بأقذع الألفاظ. يُندّدون باضطهاد مسلمي أوروبا وأميركا (وهم في ذلك محقّون) ويسكتون على الجرائم التي تُرتكب بحق أبناء وطنهم غير المسلمين (والساكت على الجريمة كالمشارك فيها). يطالبون بحرية الدعوة الإسلامية في «دار الكفر» ويدعون إلى مناوءة كل دعوة غير إسلامية في «دار الإسلام». ما أشبه اليوم بالبارحة. حرية التعبير ذريعةً لاستفزاز مئات الملايين من المسلمين المسالمين والدفاعُ عن المقدسات غطاءً لتكبيل الحريات (القليلة) في العالم الإسلامي وتعميق عزلة أقلياته الدينية. هذا يحلم بـ«غرب» خالٍ ممّا سمّاه السياسي الفرنسي برونو ميغري «الطابورَ الخامس المسلم»، وذاك يحلم بعالم مسلمٍ صاف، لا تشوبه شوائب الكفر والشرك. لا هذا فولتيرُ زمانِه ولا ذاك سيُصدّقه «الغربيون» ممّن يريد هدايتهم إذا قال لهم إنّ الإسلام ديانة سمحاء.
* كاتب جزائري