في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني مساهمتان، لعلهما الأبرز، من بين مساهماته العديدة في الحياة الحزبية والسياسية اللبنانية عموماً. الأولى «داخلية» والثانية «خارجية». الأولى تنظيمية، والثانية سياسية. «الداخلي» و«الخارجي»، والتنظيمي والسياسي، حاضران في المساهمتين، ويتفاعلان بشكل كامل، إنما السمة الأساسية هي ما أشرنا إليها في هاتين التجربتين المميزتين: عنينا انعقاد المؤتمر الثاني في 1968، والمشاركة في إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» في 1982.

استعادة بعض المؤتمر الثاني في ذكرى تأسيس جبهة المقاومة إنما يعود لما بين الحدثين من تأثير يكاد يكون سببياً إلى حد بعيد. فلقد كرّس المؤتمر الثاني توجهاً جبهوياً أملته تناقضات الواقع اللبناني وأولوياته وبرنامج «الحكم الوطني الديموقراطي» الذي أقره المؤتمر مرحلة تمهيدية انتقالية «تفسح في المجال» أمام التغيير الاشتراكي. من خلال ذلك، انتقل الحزب إلى أن يصبح لاعباً داخلياً بعد أن كانت السمة الخارجية ــ الأممية هي الطاغية على حضوره ودوره وأولوياته. طبعاً، كانت تلك السمة محكومة تماماً بما يقرره المركز السوفياتي الذي أصبح مع الستالينية المستفحلة والحاكمة في موسكو وظلها البكداشي (نسبة إلى الزعيم الشيوعي في سوريا وفي لبنان في الأربعينيات والخمسينيات خالد بكداش)، أصبح نهجاً سائداً في الحركة الشيوعية العربية والدولية.
إذاً، لقد بات العمل الجبهوي خياراً قائماً بذاته (جزء من خطة أو أداة لها)، بعد أن كانت العلاقات تقوم أو تنقطع تبعاً فقط تقريباً لموقع هذا الطرف أو ذاك من الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديموقراطية(!)، أو طبعاً ربطاً بالموقف من الاتحاد السوفياتي ومن بعض سياساته وأولوياته. لقد استدعى اعتماد برنامج مرحلي وخطة سياسية، الانطلاق أساساً من تناقضات الخريطة الطبقية والسياسية اللبنانية. ولقد أصبحت سياسة الحزب الشيوعي منبثقة من الداخل بعد أن كانت مستنسخة عن الخارج. صارت تنطلق من الوطني إلى الأممي، لا العكس. وقد أملى كل ذلك دينامية استدعت نظرة جديدة وعلاقات جديدة مع «المركز» السوفياتي.
كان لا بد أن يُترجم ذلك مباشرة سعياً إلى التحرر من الهيمنة البكداشية التي اتخذت منذ أواسط الخمسينيات خصوصاً صيغاً شديدة التعسف دفع ثمناً لاحقاً لها الحزبان الشيوعيان في كل من سوريا ولبنان (كان الشهيد فرج الله الحلو الضحية الأبرز، بالإضافة إلى المئات من أبرز القادة والمثقفين في لبنان خصوصاً).
في مجرى الحراك المذكور، تكاملت عدة عوامل تشكل معاً شرطاً للنجاح وللاستمرارية: الأول، وضع برنامج خاص للحزب الشيوعي اللبناني. الثاني، وضع نظام داخلي يحكم الحياة الحزبية مع مساحة متزايدة من المشاركة والديموقراطية ودور الهيئات. الثالث، رفع سيف الهيمنة البكداشية عن الحزب الشيوعي اللبناني وتعزيز استقلالية الحزب (نسبياً) إزاء المركز السوفياتي.
في امتداد هذه الدينامية، وفي شروط مواصلة حلقاتها، حصل الانفصال بين الحزبين الشيوعي في لبنان وسوريا في 1964. ثم انطلقت ورشة سياسية ــ تنظيمة تَوَّجَهَا انعقاد المؤتمر الثاني في 1968. في مجرى ذلك، وكنتيجة له في آن واحد، بالإضافة إلى عوامل أخرى، بدأت النواة الأولى لتأسيس «الحركة الوطنية اللبنانية» عبر «لقاء الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية»، وعبر إطلاق حركة معارضة شعبية واسعة، بل هائلة، شملت كل ميادين وحقول النشاط الشعبي والجماهيري والنقابي والطلابي والتربوي...
كجزء أساسي في «ورشة» المؤتمر الثاني وما بعده، جرى تصحيح الموقف من القضية القومية، ومن التحالفات ومن أساليب النضال ومنها الكفاح المسلح... فقد درجت العادة لدى معظم الأحزاب الشيوعية العربية على اتخاذ موقف سلبي من الكفاح المسلح كنتيجة طبيعية لموقف خاطئ من قضايا التحرر ذات الطابع القومي. وفي مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، انخرط الحزب الشيوعي اللبناني في إنشاء «قوات الأنصار» كصيغة مشتركة لعدد من الأحزاب الشيوعية العربية للمشاركة في مقاومة الاعتداءات الصهيونية، وللتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته قتالياً لا سياسياً فقط. وكذلك أنشأ الحزب الشيوعي اللبناني «الحرس الشعبي» لمقاومة الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني.
هذا هو المناخ وتلك كانت التوجهات اللذين كانا سائدين في الحزب الشيوعي اللبناني واللذين مهدا لانخراط الحزب الشيوعي اللبناني في مقاومة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بالتحالف مع فصائل الثورة الفلسطينية، ومن ثم في 1982 للمساهمة في تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
كانت في البداية جبهة، وإن كان العبء الأساسي في جهودها قد وقع على الحزب الشيوعي اللبناني. وهي بشكل من الأشكال قد واصلت مسيرة «الحركة الوطنية» التي كانت قد اصطدمت صيغة استمرارها السياسية بتعقيدات الوضع اللبناني وتعاظم الفرز الطائفي، وخصوصاً بعد اغتيال القائد الشهيد كمال جنبلاط، زعيم الحركة الوطنية وأحد أركانها المؤسسين الرئيسيين.
كان على جدول الجبهة الوليدة ومن يقف وراء تأسيسها أمران: الأول تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي الذي كان قد بلغ العاصمة، والثاني هو الخروج من الحرب الأهلية خدمة للهدف الأول من جهة، ولوقف مسار تدميري مخيف بات يهدد الوجود اللبناني برمته، من جهة ثانية.
وينبغي أن نوضح من موقع معايشة الحدث التاريخي ذاك، ومن موقع متابعته ومتابعة ما يتناوله من آراء وتفسيرات، بأنّ هدف التحرير كان يُملي، ليكون ممكناً ومكتملاً، هدفاً آخر هو تجميد التناقضات الداخلية اللبنانية، وخصوصاً في الشق الذي اتخذ صيغة حرب أهلية داخلية فيها.
كان ذلك يقود بالضرورة، إلى التصدي لمسألة الخلل القائم في النظام السياسي اللبناني وما يجُرُّ من مخاطر وانقسام على الوحدة الوطنية والسيادة والاستقرار والتطور والتقدم والتنمية في الحقول كافة... بمعنى آخر، لم تتأسس جبهة المقاومة وتحمل السلاح من أجل إجراء إصلاح في النظام السياسي اللبناني. فالإصلاح هو ثمرة صراع سياسي لا عسكري، وبالتالي ثمرة موازين قوى ينبغي أن تصبح راجحة لمصلحة القوى الداعية للإصلاح والعاملة من أجل إحداثها.
هذا بعد أساسي من تلك العلاقة الجدلية التي ربطت التطور في الحزب الشيوعي اللبناني، بمساهمته الباهرة في تأسيس وإنجازات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. أما ما يتصل بالتضحيات والنجاحات والبطولات، فقد روت وسائل الإعلام اللبنانية بعضاً منها، وما لم يجرِ تناوله أعظم. لكن السؤال الخطير الذي يُحَتمه تناول جزء من تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني هو ماذا بشأن وضع الحزب حالياً؟!
إنّ ذكرى الجبهة هي منذ عدة سنوات إلى اليوم، مجرد احتفالية ذات طقوس وشعارات لا علاقة لها بجوهر الإنجاز وبحجب ما يفرضه على الحزب من برامج ومهمات وتحالفات وأساليب عمل... أما الحزب نفسه، فيجري الاستمرار، وبشكل ممنهج، في عملية قطعه عن تاريخه، والعودة به إلى ما قبل المؤتمر الثاني التاريخي. ويتمثل ذلك في ما يشهده الحزب من تعسف في حياته الداخلية، وفي تصفية تدريجية لما حققه من خطوات معزِّزة للمشاركة وللديموقراطية وصولاً إلى تهديد استقلاليته بعد إضعاف فعاليته وحضوره وتفكيك معظم منظماته ومؤسساته.
هل يكون المؤتمر الحادي عشر تتويجاً لنهج التصفية ذاك، أم يكون فرصة لمواصلة ما حصل في 1968 و1982؟!
* كاتب وسياسي لبناني