في 16 آب الماضي، هاجمت قوات الشرطة في جنوب أفريقيا عمال المناجم المضربين، وقتلت سبعة وثلاثين عاملاً، فأثار الحادث صدمة في البلاد بين مناصري الجنوب أفريقيين الذين ناضلوا لعقود طويلة ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وكان التساؤل البديهي: كيف يمكن أن يحدث هذا في بلد عاش كل تلك النضالات ضد كل صنوف القهر والتمييز العرقي والطبقي؟ لم تنته المفاجأة حتى حلّت المفاجأة الثانية متمثّلة باتهام 270 عاملاً من المضربين بجريمة قتل زملائهم بناءً على قانون المشاركة بمشروع إجرامي، المعروف بـ«common purpose»، وهو قانون من مرحلة الأبارتهايد كان يستخدم ضد المناضلين السود، لكونه فضفاضاً ويمكن استخدامه جزافاً ضد أيّ شخص يعارض نظام الفصل العنصري.


أما في حالة عمال المناجم، فقد استُحضر القانون وكل ذكرياته الأليمة ليستخدم بناءً على فرضية المشاركة في الهدف الواحد، أي مواجهة الشرطة، وبالتالي التسبب بالقتل. كيف يمكن تفسير ما حصل؟ ألم ينته الأبارتهايد؟ أين الوازع الأخلاقي الذي يجب أن يسود في دولة ما بعد الأبارتهايد؟
انتهى الأبارتهايد القانوني في جنوب أفريقيا وحصل السود على المساواة القانونية في دولة ليبرالية. انتهى التمييز وأصبح حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ــ التيار الأهم في حركة التحرر السوداء ــ في سدّة الحكم منذ 1994 وقاد مانديلا عملية المصالحة في الدولة، وكانت تجربة أخلاقية متميزة أقرب إلى اليوتوبيا، لما فيها من تسامح من قبل الضحايا. أما ما لم يحصل في جنوب أفريقيا، فهو التخلص من الأبارتهايد الاقتصادي، فالسيطرة البيضاء على الموارد والاقتصاد بقيت كما هي، بل تفاقمت الأوضاع من خلال نشوء طبقة اقتصادية بين السود مرتبطة بقيادات المؤتمر الوطني ومتماهية مع سياسات الاقتصاد النيوليبرالي التي وصلت بديون جنوب أفريقيا إلى 85 مليار دولار.
بكلمات أخرى، انتهى الأبارتهايد القانوني وبقي الأبارتهايد الطبقي المرتبط بالرأسمال العالمي والشركات العابرة للقوميات الباقية من المرحلة السابقة أو استُقدمت بعد وصول حزب المؤتمر إلى السلطة. في إضراب عمال منجم ماركينا، طالب العمال بزيادة أجورهم من شركة لونماين التي تستغل المنجم وحققت 321 مليون دولار صافي أرباح في 2011، والشركة تشخيص حيّ لا يخلو من المفارقات الرمزية لتركيب العلاقات الاستعمارية والاستعمار الجديد، وهي النموذج الحيّ لعدم صوابية التساؤل في المستوى الأخلاقي. فقد تأسست لونماين ــ اسمها في السابق لونروهو أو شركة لندن وروديسيا للأرض والمناجم المحدودة ــ في 1909، أي في أوج السيطرة الاستعمارية لبريطانيا الإمبراطورية لاستخراج الموارد الطبيعية في المستعمرات الأفريقية. وروديسيا هي دولة زيمبابوي وعانت من الاستعمار والأبارتهايد حتى أواخر السبعينيات. وقد لا تكون من المصادفة أن تتحول شركة لونماين في مرحلة الثمانينيات من شركة متخصصة في المناجم إلى شركة متعددة التوجهات الإنتاجية في ظل سياسيات ريغين ــ تاتشر «التحريرية» للسوق ورأس المال ومحاربة أيّ شكل من أشكال الإنفاق ذات الطابع الاجتماعي. ومدير لونروهو/لونماين وأكبر مالك أسهم فيها هو المليونير تايني رونالد، وكان أحد عناصر شبيبة هتلر في بدايات حياته، ومع ذلك كانت له علاقات متعددة ومتشعبة مع قيادات الدول الأفريقية التي تحررت من الاستعمار. وقد منحه نلسون مانديلا وساماً في 1996 «لجهوده في مساندة» أفريقيا. وقد يكون صاحب ومدير شركة لونروهو/لونماين ــ حسب بعض التقارير ــ متعاطفاً مع الأفارقة السود وحركتهم التحررية في لحظة ما، من خلال فضحه لشركات النفط التي تبيع لنظام الفصل العنصري في زيمبابوي. وقد لا يكون عنصرياً بمنعى الكره للسود من منطق التفوق الأبيض رغم تاريخه النازي حسب تقارير أخرى، إلا أن هذا لا ينفي أن شركته استفادت وتواطأت بحكم المصالح الرأسمالية من منظومة الاستعمار الأبيض. أما منحه الوسام رغم تاريخ شركته، فيشكّل مستوىً جديداً لمستويات تعقيد العلاقة بين المركز الاستعماري والمستعمرة وإعادة تشكّل هذه العلاقات بُعيد الاستقلال، وأخيراً تحوّل الدولة المستقلة إلى حامية للشركة الرأسمالية ضد مواطنيها في مرحلة النيوليبرالية. يجادل بعض المثقفين والناشطين الفلسطينيين في أن مقارنة الكيان الصهيوني بالأبارتهايد يشكل تحولاً مهماً وإنجازاً للناشطين الفلسطينين ومناصريهم. ومما لا شك فيه أنّ مقاربة واقع الفلسطينيين بالأبارتهايد تحمل الكثير من الدقة إذا ما نظرنا إلى الممارسات والقوننة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين، إضافةً إلى الأهمية الاستراتيجية لاستخدام ما يحمله مفهوم الفصل العنصري من وزن قانوني وأخلاقي على المستوى الدولي. وقد أصبح التعبير شائعاًً بين الفلسطينيين، حتى إنّ سلطة أوسلو باتت تستخدمه في خطابها. وتكمن أولى المفارقات بين ما حصل في جنوب أفريقيا وما يحصل في فلسطين أنّ المؤتمر الوطني الأفريقي انتصر في ثورته فعلياً وانهار نظام الفصل العنصري قانونياً، أما الحركة الوطنية الفلسطينية فلم تنهزم مادياً وسياسياً فقط، وإنما فكرياً وثقافياً بترويجها لفكرة الدولة المستقلة في حدود 1967. هذه الفكره أشبه بما عرضه نظام الفصل العنصري على الجنوب أفريقيين السود لوقف نضالهم، أي البانتوستان، وتترجم بمعني الوطن القومي، أي إعطاء استقلال سياسي شكلي لبعض الأقاليم للمحافظة على التفوق الأبيض في جنوب أفريقيا (ليس غريباً أن تكون إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي اعترفت ببعض البانتوستانات).
بالعودة إلى مأساة عمال منجم ماركينا ومحاولة المقاربة بين التجربتين الفلسطينية والجنوب أفريقية، يجب التركيز على أنّ الحالة الفلسطينية اليوم هي حتى أدنى من حالة البانتوستان، فهي في الأساس مجموعة من الغيتوات/ المعازل البشرية التي تتمتع بشكل هزلي بالاعتراف الدولي ككيانيّة سياسية. بالتالي المقاربة السياسيّة هي إجحاف بحق حركة التحرر الجنوب أفريقي. لكن المقاربة هنا هي في إقصاء الاقتصاد من منظومة الفكر التحرري لحركات التحرر في ظل سيطرة النيوليبرالية على مستوى العالم.
رغم استخدام مفاهيم الاقتصاد السياسي لتحليل المشروع الاستعماري في فلسطين، إلا أن الروابط بين الاقتصاد والسياسة في خطاب حركة التحرر الفلسطيني بدأت تتلاشى مع انحسار تأثير الأفكار اليسارية والتقدمية، بعد هزيمة التجربة القومية الاشتراكية منذ نهاية السبعينيات، واختفت تقريباً بعد انهيار المعسكر الشرقي، (بالإضافة إلى مساهمة الإسلاميين، وحماس تحديداً، في زياده تهميش الاقتصاد من منظومة فهم العلاقة الاستعمارية والتركيز على جوانب التمايز الديني عن منظمة التحرير). وكأن ذلك الربط بين الوطني والاجتماعي كان عبارة عن صياغات بلاغية أكثر مما هو موقف فكريّ يربط بين تحرير الأرض وتحرر الإنسان. أما بعد انهيار برنامج التحرر الوطني وحق تقرير المصير وتحوله إلى خطاب الجغرافيا وقبول مقولة «الأرض مقابل السلام» حتى مفاهيم السلام الاقتصادي ومبادرات رجال الأعمال المشبوهة «لبناء جسور الثقة»، مروراً بالتقديس لفكرة الدولة. أهملت بقايا الحركة الوطنية مفاهيم الحقوق الاقتصادية الاجتماعية والحق في التنمية والحق بسيطرة الشعب المستعمَر على مصادره والتوزيع العادل للثروة، وفي الوقت نفسه أصبحت مفاهيم «مؤسسات الدولة» و«تحقيق الأمن» و«خلق بيئات استثمارية مناسبة» و«خفض الإنفاق العام» هي الخطابية المسيطرة، أي لغة تحرير السوق، لا تحرير الوطن. وتحولت مفاهيم «الطبقات الشعبية» أو «المهمشين» إلى تصنيفات اجتماعية تقنية ممأسسة كـ«الفقراء» أو «ذوي الدخل المحدود» المحتاجين للمساعدة الاجتماعية، وأصبح الاقتصاد قضية تقنية بامتياز، أي إنّ الاقتصاد أضحى «عِلماً» مفصولاً عن حقلي الاجتماع والسياسة. ويكفي أن ننظر إلى اللغة التي يستخدمها منظرو السلطة لنرى تعبيرات مثل «العرض والطلب» و«النمو» و«آليات السوق» و«البطالة» و«تشجيع القطاع الخاص»، وكأنّها تعبيرات تقنية منفصلة عن السياق الاجتماعي، وعن التصور الفكري لشكل المجتمع وعمليات إدارته. ويكفي (بحسب أحد الزملاء) النظر إلى التدريس الجامعي في الجامعات الفلسطينية الأساسية لنرى انفصال الاقتصاد عن السياسة والعلوم الاجتماعية، انتهاءً إلى دسترة «النظام الاقتصادي الحر» (في مسودة الدستور للدولة المرتقبة). وبالضرورة فإنّ هذا التعامل مع الاقتصاد تقنياً ينفي التحرر الوطني لكونه في الأساس عملية تحرير للإنسان لا للحجارة. وبكلمات أخرى، إنّ تحرير الأوطان هو بالضرورة رؤية مساواتية وتوزيع عادل للثروة، وهي حق أصيل وليس منّة.
إنّ من يجادل في أنّ سياسات سلام فياض هي المسؤولة عمّا وصلت إليه حال الفلسطينيين في الضفة الغربية إنما يصف ربع الحقيقة. ومن يجادل في أنّ اتفاقية باريس (الشق الاقتصادي من اتفاقية أوسلو) هي سبب الأزمة ويتبنى أطروحات تحميل المسؤولية للاحتلال (وهو بالضرورة المسؤول الأول) يحاول أن يجد مبرراً للمتواطئين مع الاحتلال. إنّ أهم الأسباب هو غياب الرؤية الوطنية التحررية التي تربط المطالب الاجتماعية بالتحرر السياسي، فالاقتصاد ليس دراسة تقنية، بل ممارسة اجتماعية مرتبطة بمصالح طبقية. إن نموذج مجزرة عمال المناجم في جنوب أفريقيا، وسياسات سلطة أوسلو هما نتاج للفصل المنهجي المصطنع ما بين الحقل الاقتصادي الاجتماعي عن الحقل السياسي ضمن منطق النيوليبرالية وأوليات السوق والربح.
إنّ الاحتجاجات، سواء في العالم العربي أو في فلسطين، إنما هي إدراك شعبي واعٍ لتحوّل الدولة إلى خادم لرأس المال المعولم والوطني، كما هي واعية حيال ما يجب أن تكون عليه عملية التحرر كما فهمها المستعمَر في بدايات مشروع تفكيك الاستعمار، وليس كما تفهمها البورجوازية الوطنية التي يصف فرانس فانون «نفسيّتها بنفسيّة التاجر التي لا يمكن أن تنتج تغييراً في الأمة، وإنما ترى العالم بوصفها وسيطاً بين الرأسمالية والشعب» وتتحول إلى وسيط سياسي بين رأس المال «الوطني» ورأس المال الاستعماري.
* أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة بيرزيت