يكثر الكلام منذ مدة بشأن الاستراتيجية الوطنية للدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل بين الناس، وفي الأوساط السياسية. وقد احتدم السجال الداخلي بين الأطراف المتصارعة على الساحة في كل مرة يطرح فيها هذا الموضوع الخلافي على طاولة الحوار الوطني. هذا ولم تخلُ وجهات النظر المتباينة من الاتهامات المتبادلة التي بلغت حد التخوين والتشكيك في الصدقية الوطنية. فانحدر بذلك مستوى الخطاب السياسي إلى درك الإسفاف في التعبير الكلامي، بدل التخاطب الموزون على قاعدة تحكيم العقل لا الاحتكام إلى الغرائز. وتعالت أخيراً بعض الأصوات التي حاولت التصويب على سلاح المقاومة في وجه العدو، من زاوية النيل من نظرية التكامل بين الجيش والشعب والمقاومة. وهو الكلام الذي يصدر بدافع تفريغ الأحقاد وإثارة النعرات في هذا الجو الملبد بالتحريض الطائفي والمذهبي، لا بدافع البحث عن الصيغة المثلى للمواءمة بين منطق الدولة في تجسيد هيبة الحكم وخيار المقاومة في تأكيد جدوى الكفاح المسلح في انتزاع الحق. فما هو دور ذلك الثالوث المبتكر في تأمين الموازنة بين الشرعية التي تمثلها الدولة، والفاعلية التي تحققها المقاومة؟ وكيف يمكن تعزيز هذه الصيغة في المواجهة بتثبيت مرتكزات الصمود والتصدي مستقبلاً؟

يبقى المرتكز الأول في الدفاع عن لبنان الجيش، الذي يمثّل صمام الأمان في الحؤول دون انفجار الوضع في البلاد من الداخل. فالجيش الوطني هو الضامن الوحيد للسلم الأهلي في لبنان، باعتراف الجميع. وقد تمكن مراراً من إنجاز مهمات صعبة في الحفاظ على الاستقرار والأمن وفي نزع فتيل التفجير الوشيك أو المحتمل. بهذا المعنى، يكمن دوره في ترسيخ ركائز النظام اللبناني، قبل أي شيء آخر، وفي مكافحة المحاولات الانفصالية أو الانعزالية، من زاوية العمل على تحصين أو أقله على تحييد الوحدة الوطنية عن الصراع الداخلي أو الخارجي. بيد أنّ تحرك الجيش يحتاج إلى قرار سياسي من كافة الفرقاء لـ«نصرة» المهمة الموكلة إليه. فانعدام أو عدم توافر قرار كهذا في دعم العمل الذي يضطلع به الجيش من شأنه إقحام المؤسسة العسكرية في الحسابات الداخلية. إنّ رفع الغطاء عن الجيش، لدى قيامه بما تفرضه عليه مسؤولياته الوطنية، يجعله مكشوفاً، ويؤدي إلى ضرب الثقة التي من المفترض أن يحظى بها لدى أدائه لواجبه الوطني. هنا تجدر الإشارة إلى دور التطور في العقيدة القتالية للجيش اللبناني ــ لجهة إعادة النظر في تعريف العدو والصديق ــ في إعادة بناء المؤسسة، وفي إعادة بناء الثقة بها بعد الحرب اللبنانية. هكذا بات الجيش، بعقيدته الوطنية الجديدة، عنصراً مؤثراً في بناء الجبهة الداخلية لمواجهة العدو الإسرائيلي. إلا أنّ ذلك لا يجعلنا نغفل مسألة أن انفراط عقد الوحدة الداخلية لهذه المؤسسة بات وشيكاً. لقد انسحب الواقع الفئوي في لبنان على مستوى أداء المؤسسة العسكرية وقدرتها على المبادرة الفاعلة. فتمكنت ظاهرة الاصطفاف الطائفي والمذهبي من التسرب إلى داخل الجيش والقوات المسلحة. ولا أحد يستطيع أن ينكر أبداً أنّ التماسك الداخلي للجيش اللبناني أصبح عرضة للقضم بفعل انتشار لغة الحقد الطائفي، كما اشتداد رابطة الولاء الطائفي في صفوفه على كل المستويات. تكاد السياسة تفسد تلك الروح العالية التي يتحلى بها أبناء المؤسسة العسكرية. وما تحييد الجيش عن الملفات الداخلية إلا نتيجة تغلغل هذا الخطاب الفئوي إلى داخله. وهو الأمر الذي لم يكن ظاهراً للعيان بهذا الشكل الفاضح في ما مضى. هنا تكمن المشكلة الأولى التي من شأنها تقويض فاعلية المعادلة الثلاثية في المواجهة المرتقبة. فالجيش الذي يعول عليه في الحفاظ على ما تبقى من ذلك العيش المشترك، وعدم السماح للمؤامرة بالنفاد إلى الداخل من بوابة الاقتتال الأهلي، بات هو أيضاً على شفير الهاوية، فيما لو نجحت محاولات التفكيك على خلفية «التمايز» الطائفي والمذهبي عند أول استحقاق أو مطب سوف يواجهه.
يأتي بعد ذلك دور الشعب في دعم المؤسسة العسكرية، ومسؤوليته في احتضان المقاومة ضد إسرائيل. فالشعب في المبدأ هو مصدر السلطات، لكنّه أيضاً مصدر الشرعية كذلك، ولا سيما في ظل الأنظمة الديموقراطية المعاصرة، التي توليه أهمية خاصة في سير العملية السياسية وإدارة السياسة الخارجية، ومنها سبل المواجهة مع العدو ومسألة الحرب والسلم كما يحلو للبعض القول، لكن النهوض من قبل الشعوب بهذه الأدوار التاريخية في ريادة المعركة ــ بقصد التغيير في الداخل والتحرير في الخارج ــ يفترض توافر الحد الأدنى من الوعي السياسي والاجتماعي، أكان على المستوى الفردي أم المستوى الجماعي، في مقاربة التحديات التي تحدق بالأمة أو الوطن. أما في لبنان، فالأمر مختلف بالتأكيد، لعدم تحقق الأهلية في ممارسة هذا الحق في التعبير وفي المشاركة غير المباشرة في تسيير الشؤون العامة. فالشعب في لبنان هو عبارة عن مزيج من الجماعات الطائفية والمذهبية غير المتجانسة أو المتوافقة، التي تمتلك كل منها هوية خاصة ومشروعاً خاصاً، إذ تختلف في ما بينها في تحديد الأهداف وفي ترتيب الأولويات. من هنا، يبدو جلياً كيف أنّ الشعب اللبناني منقسم على ذاته، وغير قادر على إنجاز عملية استكمال بناء الجبهة الداخلية على قاعدة الاتحاد الوطني ضد إسرائيل. فالميول السياسية والتفضيلات وخارطة الأحلاف أو المحاور تختلف بين اللبنانيين باختلاف طوائفهم ومذاهبهم. إنّ الشعب اللبناني هو، في حقيقة الأمر، عبارة عن مجموعة من الشعوب المتناحرة التي يفرقها كل شيء، ولا يجمعها سوى الوجود الحتمي في التاريخ والجغرافيا معاً على التراب اللبناني. على هذا النحو، يبدو من الصعب جداً الحديث عن اتفاق اللبنانيين على مواجهة العدو على نحو مشترك. فقد اختلفوا قبلاً في تحديد الأصول التاريخية وفي تعريف الهوية الوطنية التي تنبثق عن الوعي الجماعي لديهم، هذا إن وجد أصلاً. وها هم يختلفون ويمعنون في الخلاف حول المقاومة في وجه إسرائيل. عند هذه النقطة بالتحديد تتجلى الثغرة الثانية، التي من شأنها الانتقاص من شرعية نظرية المثلث الذهبي كما يصفها البعض. فالمقاومة نفسها تقر، على حد قول قيادتها، بعدم وجود إجماع من حولها، لا في الماضي ولا في الحاضر، وبأنّها نشأت واشتد عودها نتيجة الظروف الموضوعية التي أحاطت بها، والتي ساهمت بداية في دخولها المعترك السياسي الداخلي، ومن ثم في اقتحام حلبة الصراع العسكري الإقليمي، كما معادلة التوازن الدولي، وهي حقيقة لا أحد يمكنه إنكارها. إنّ عدم توافر الإجماع على سلاح المقاومة قد يفقدها شيئاً من الشرعية في نظر العديد من اللبنانيين، لكنّه لا يمس أبداً بجوهر القضية التي من أجلها حملت السلاح، ولا بوجهة هذا السلاح في مواجهة العدو الصهيوني من ضمن تلك المعادلة الإقليمية المتجذرة والثابتة على خياراتها.
تكتمل الصورة باستحضار المقاومة التي تمثل الحلقة الأخيرة، وربما الأكثر إثارة للجدل، في الثالوث الذي يرى أنصاره ومؤيدوه أنّه وحده القادر على حماية لبنان فعلاً في ظل التوازنات الراهنة. فقد مارست هذه الأخيرة منذ زمن طويل الكفاح المسلح في مقابل التهديدات الإسرائيلية إبان المقاومة الوطنية، ومن ثم المقاومة الإسلامية في لبنان. وراكمت الخبرات، وكذلك الإنجازات، في التحرير واسترجاع الحقوق المغتصبة وصولاً إلى فرض معادلة التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني. هكذا تبرز هذه المقاومة اللبنانية تجربة فريدة في ممارسة الجهاد في الميدان حتى بلوغ الأهداف دون كلل أو ملل، وبما لا يتناقض مع المبادئ العامة للقانون الدولي، بل بما يكرس الحق في النضال من أجل استعادة الكرامة وتحقيق العزة وبناء قوة الردع في مواجهة الممارسات الحربية لإسرائيل. في هذا الصدد، ربما يقتضي التحليل العلمي التأكيد على الوضع القانوني للمقاومة، من وجهة نظر المواثيق الدولية التي تقر بمبدأ السيادة الوطنية وترعى الحق في تقرير المصير بحرية تامة وناجزة. فالمقاومة اللبنانية، بكل تلاوينها وفي جميع مراحلها، هي في جوهرها تجسيد عملي لحق اللبنانيين المشروع في الدفاع عن وطنهم وفي الرد على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية، وفي انتزاع ما عجزت الأطراف الدولية المكلفة إدارة الملفات الإقليمية، ومنها منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، عن إثباته أو إعادته بثبوت أحقية الطرف اللبناني فيه. قد لا نحتاج إلى البحث في مدى التزام مبدأ المقاومة بالمعايير الدولية ومدى ملاءمته لأحكام الشرعية الدولية. فهي في الأصل وليدة تجارب العديد من الدول الأميركية والأوروبية المهيمنة على القرار الدولي في نضالها ضد الاستعمار الخارجي والاحتلال الأجنبي. ما يعنينا في ما يخص المقاومة الإسلامية في لبنان ــ وهو بالطبع ما قد يثير مخاوف الكثيرين ــ هو أحادية الانتماء المذهبي لهذا الفريق، الذي يحمل السلاح في وجه إسرائيل في بلد تجذرت فيه الروح الفئوية. فالمقاومة التي ترفع لواء القتال لإسرائيل كمشروع وطني كبير لم تسلم من الانتقادات التي تطاولها، والتي تتهمها بالمذهبية والطائفية في التكوين والتموضع، على الرغم من الشعارات الوطنية التي ترفعها. وهذه المشكلة هي السبب الرئيسي في ما وصلت إليه الأمور من تدهور في العلاقات الداخلية للمقاومة مع بقية الفرقاء من الأحزاب التي تنتمي إلى سائر المذاهب أو الطوائف. هكذا يطفو على السطح مكمن الخلل الثالث والأخير في المعادلة الثلاثية التي أريد لها أن تجمع بين الجيش النظامي والمقاومة الأهلية في بوتقة الصيغة النموذجية الخاصة بالدفاع عن لبنان، في خضم المناقشات والمناكفات حول سبل التطوير والتغيير في استراتيجية الدفاع الوطني.
مهما قيل في سلاح المقاومة والمعادلة الثلاثية التي تحمي لبنان، فلا أحد يمكنه أن ينكر دور المقاومة في إنجاز الانتصارات المتتالية. فقد يكون البعض مرتبطاً بأجندات داخلية وخارجية تدفعه إلى إنكار الحقيقة التي لا لبس فيها. وقد يكون البعض غير قادر على التخلص من الذهنية الميليشياوية التي مارسها طويلاً، حتى بات ينظر إلى سلاح المقاومة ضد إسرائيل نظرته إلى سلاحه، الذي حمله هو يوماً ما في وجه سائر اللبنانيين. مهما حاول هذا البعض أن يصطاد في الماء العكر، وأن ينال من صورة المقاومة التي هزمت إسرائيل، إذ اعتاد دوماً التخبط في مواقفه المتأرجحة بين أقصى اليمين الذي يخفي انخراطه فيه، وأقصى اليسار الذي يدعيه زوراً، فإنّه سيبقى دائماً في ذاكرة التاريخ نموذجاً حياً للانتهازية والمزاجية في أدائه السياسي المتهور واللامسؤول. في المقابل، ستبقى المقاومة التي انتصرت تجربة رائدة في التعبير عن حق الشعوب في تقرير المصير، وتحقيق التحرر الوطني من نير الاحتلال. هكذا كانت وسوف تبقى لدى الملايين من أبناء الوطن والأمة، مهما حاول البعض تشويه الحقائق أو تزييف الصور. فهو لم يستطع حتى مجرد أن ينأى بالنفس عن المؤامرة التي تحاك ضد أبناء وطنه، فانغمس فيها، وكان رأس حربة في التحريض على الفتنة حين ركب موجة المشروع الأميركي الجديد لإعادة تقسيم المشرق كله تحت ستار الربيع العربي، في محاولة مفضوحة لمواجهة المحور الإقليمي للمقاومة والممانعة. وما قيل عن الثُّغر أو المثالب التي قد تشوب ثالوث الجيش والشعب والمقاومة يجعلنا نخلص إلى القول بأنّ المقاومة تظل معنية، حتى في ظل هذا التكامل العضوي، بالاتكال على قدراتها الذاتية أكثر منها اعتماداً على فرضية التأييد من الشعب الذي لم يكتمل، أو مقولة الحلف مع الجيش الذي لا يحتمل!
* باحث سياسي