من لا يتقبّل النقد، يخطئ كثيراً في التغيير، وقد يفشل؛ فلا حركة ثورة من دون نظرية ثورية كما يقول الرفيق لينين. لا ثورة منتصرة من دون نقد متواصل، وهو أمر مطلوب في كل وقت. إذن، النقد شرط كل تغيير جذري. هناك نقد يقدم نفسه في مواجهة الثورة وكل تشكيلاتها، ويحكم عليها حكماً كلياً، فتصير أخطاء الثورة ثورة مضادة ومؤامرة كونية وطائفية المصدر والمآل. هذا الرأي الذي يسوقه كثير من مثقفي سوريا للثورة، هو في جانب منه صحيح. فهناك أخطاء، وهناك مؤامرة، وهناك طائفية هامشية وكلها موجودة، ولكن خلاصات ذلك المنطق الشكلي خاطئة كلية، ومسيئة للثورة وداعمة بوجه ما للنظام، وتستقي من حكاياه انتقاداتها. النقد الجاد ومحاربة الاتجاهات الأحادية في الثورة عمل صائب وضروري. فلا معنى لتكريس شكل واحد للثورة، كالقول إنّ الثورة صارت مسلحة، ومن لا يدعم الجيش الحر هو خائن للثورة. ولا معنى بالمقدار نفسه لمن يقول بالسلمية والنظام يدمّر البلد. ولا معنى للقول إنّ الإمبرياليات والدول الاقليمية والعربية تتحكم في الثورة وتقودها. وكذلك لا معنى لمن يعتبر الثورة ثورة طائفية. هذا تفكير سطحي وضحل، لأنّه لا يميّز بين ثورة شعبية تتضمن الكثير الكثير من التشعب والمرونة، وثورة سياسية، فالسياسية منها محددة الأسباب والنتائج، وأما الشعبية فثورة مرنة متعددة الأسباب والأشكال والأهداف، وتتضمن انفتاحاً عالياً على كل دول العالم لنجدتها وديمومتها وانتصارها. وبالتالي، من يتهم الأخيرة بالتبعية مثلاً، هو ناقد حاقد عليها، ويساويها بثورة سياسية صرفة وذات مدلولات يسارية، وهي بالتأكيد لها دلالات سياسية ولكنها شعبية بالأصل. عدا عن أنّ أي شكل قادم للسلطة، لن يكون في مقدوره إيقاف الثورة، بل ستستمر إلى أن تحقق مطالب الشعب، في تغيير النمط الاقتصادي الريعي، والوصول إلى نظام علماني ديموقراطي، ودولة كاملة السيادة بأفق وطني عام، تنقل شعوب المنطقة بأكملها، نحو دولٍ تتآخى فيها قوميات المنطقة، لا تناحر ولا هيمنة لبعضها على البعض الآخر، كما تفعل كل من تركيا وإيران، بصفة خاصة. تستهدف الثورة السورية التغيير، التغيير الكلي، ومفتاح ذلك طلب الحرية المكثف والمختصر باللغة العامية ومنذ بداية الثورة «سورية بدا حرية». النقد المندغم بهذا الأفق، يتموضع داخل الثورة، يصقلها، يجوهرها، يشهر سلبياتها ويقدر إيجابياتها، يخوض الصراع كما يجري على أرض الواقع. ولذلك أعجب كثيراً ممن يقول بتحوّل الثورة إلى صراع مسلح أو طائفي ويتهمها جملة وتفصيلاً بالثورة المضادة، وهو بالحقيقة يغادر موقع الصراع؛ فلا كان بها، وإن كان بها فقد غادرها سريعاً، رغم أن النظام ودولاً خليجية ودولاً عظمى تدفع بالضبط نحو صراع مسلح بوجهة طائفية.

دون قناع، نقول: منطق الاتهام، هو منطق المهزومين، منطق الذين يضعون شروطاً قبل التمعن فيها، قبل قراءتها كما هي، وليس كما ينقل الإعلام له، أو استنتج بعض الأفكار من مشاهداته الخاصة والمحدودة، فغادرها دون وجه حق. فمن يرفض التسليح والعنف والطائفية وينسب كل ذلك إلى الثورة، بحجة خراب البلد، ويتجاهل أنّ النظام يحاول دحرها وتكبيلها وهزمها وحرفها، وهو من مارس كل ذلك منذ اللحظة الأولى، وسعى جاهداً لتقديم تصور ووعي مسنود لوقائع محدودة ومحرفة على مدار عام وسبعة أشهر، وأن الثورة تدمر البلد وتذهب بالأمان والاستقرار وتسمح للخارج الإمبريالي والإقليمي بالتدخل في البلد. نقول: هذا الرأي يتطابق واقعياً مع رؤية النظام، وبالتالي لا يحاول تغيير سلوكيات الثورة، بل يتبنّى إيديولوجيا السلطة ويساعدها في دحر الثورة.
وهناك نقد يضع نفسه في قلب الثورة؛ هذا ضروري لتغيير سلوكياتها، وهو المطلوب في المرحلة الراهنة، ويتمحور بصفة خاصة في الاعتراف بتكامل مكونات الثورة ودورها التشارطي لانتصارها، وأن يكون المكون العسكري أكثر مكوّنٍ معروفة مهامه في الإطار العسكري والمعارك، لا أكثر ولا أقل. وبقية المكونات، يفترض فيها تأمين كل احتياجات المواطنين، الثائرين والموالين، وخلق شبكة علاقات سياسية بين المواطنين تسهم في تذليل التخندق الأهلي والطائفي، وأن يتم التواصل عبر الأشكال التي تتطلبها كل منطقة. وفي هذا ضرورة سياسية، وليس نقداً فكرياً فقط، فهو مهم لإعادة قراءة الثورة، وللتدقيق في سلوكيات المكونات، وفي توضيح أخطاء العمل العسكري، خططاً وأعمالاً ميدانيةً ومعارك يومية وطرق إمدادٍ وغيرها، وفي تفكيك رؤى المعارضة القاصرة، ونقد عمل التنسيقيات والمجالس المحلية ومجالس المدن.
نعم، يجب نقد كل فعاليات الثورة، ونقد الصلة بالخارج، وتبيان مخاطرها وحجمها، وهدف الدول الإقليمية والدولية من ذلك الدعم. هذا نقد مشروع وضروري، لثورة تنشد الحرية، حرية مجتمعٍ لطالما أفقر ونهب واستُبد به، هذا أولاً.
وثانياً، إبعاد المرجعيات الدينية عن المكوّن العسكري بصفة خاصة، والاعتماد على عقيدة قتالية موحدة، تؤمن بحقوق المواطنة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وإبعاد الجيش عن السياسة حالما يسقط النظام. الجيش الحر بصفته حامي الثورة وليس هو الثورة، مطالب بالأخذ بهذه القضايا، وهو من خلال بياناته في الشهر الأخير وتشكيله لسرية تأديبية وغير ذلك يقر بذلك. وثالثاً، رفض «الطائفية السياسية» في إعلام الثورة، والاعتماد على إعلام وطني عام، وبالتالي هناك ضرروة لميثاق وطني جامع لكل تشكيلات الثورة، وقواها الفاعلة، لرفض كل تمييز بين السوريين، على أساس الطائفة أو الجنس أو القومية، أو السياسة. ينتقد بعض المثقفين الثورة، بما يتوافق مع سياسات النظام القائم، التي شهّرت بالثورة منذ اليوم الأول، كأن يقال عنها إنّها احتجاجات طائفية، أو إنها معزولة، أو إن بندر بن سلطان يتحكم فيها، أو إنها مؤامرة إمبريالية وخليجية على نظام ممانع ومقاوم... أو خرجت من الجوامع وتهدد الأقليات، وضد العلمانية. هذا النقد، في أفضل حالاته، يتصنّع الفكر، فيتكلم عن أوضاع اقتصادية سيئة كانت تعاني منها قطاعات شعبية، وذلك كنتيجة لسياسات الليبرالية الجديدة قبل اندلاع الثورة، وبالتالي يجب علاجها، وسرعان ما ستنتهي كل المشكلات، وهو ما فعله النظام حينما حاول القيام بذلك في الشهر السادس من العام الماضي، ورفع الأجور؛ والتي لا تغطي سوى فئة قليلة من السكان، رغم أن آلة القتل لم تتوقف لحظة واحدة! وهناك من نقاد الثورة من ساق حكاية النظام بانحياز المدن الكبرى لصالحه، وفي الحقيقة سقطت كل تلك الانتقادات. فالثورة شملت البلاد، وقد كانت كذلك منذ البدء، ولكن بدرجات أولية، وها هي تتمركز في المدن الكبرى. المؤامرة الكونية المُدعاة هي مسألة كاذبة، فلطالما كرّر الجيش الحر أنّه ينسحب بسبب انتهاء الذخيرة، وهذه حقيقة، وهي كذلك تصدم السوريين الثائرين وتبيّن كذب الدعم الخارجي وكذب المعارضة في آن واحد، حينما تتكلم عن دعمها للجيش الحر وللثورة بالعموم... ولو كان مدعوماً بالفعل لكانت الذخيرة وفيرة ولحسمت المعركة منذ عدة أشهر، وبالتالي هذا النقد لا قيمة له، لأنه كلام إيديولوجي وموقف سياسي منحاز انحيازاً كلياً للسلطة التي منعت أفرادها من متابعة القنوات الفضائية العربية والعالمية واتهتمها بالتحريض المباشر وأن دول الخليج خلف الثورة. وهناك الكثير من الكلام الذي يساق بهذه الاتجاه كأنّه حقائق، بينما واقعياً كل ذلك الإعلام لا يغطي سوى جزء شحيح عن الثورة، بل ويسهم في نقل صورة مشوّهة عنها.
أخيراً هناك صنف ثالث من النقد، هو من خارج الإطارين السابقين، هو نقد الباحثين والمتابعين ومراكز البحوث، الذين يضعون كل وقائع الثورة والنظام وصراعهما على طاولة البحث، ويعملون على بحث المخارج لسورية، وهذا النقد ضروري جداً. أهل الثورة وكتابها وتنسيقياتها ينتظرونه بنهمٍ. بل لا شيء يصدر عن أيّ جهة وباحث وسياسي مهم في سوريا وفي العالم لا يتنبه له أهل الثورة. من يتخيّل أن ناشطي الثورة لا يتابعون عالم السياسة الخبيث والفكر وانتقاداته وصراعاته، أحمق كبير. ناشطو الثورة يتابعون، ويبحثون دائماً عن الرأي السديد، ولو كان جارحاً، أو عنيفاً، فهو وحده من يضيء لهم طريق الحلول؛ وحده من يساعدهم على تلمس مؤشرات الخروج من المشكلات.
النقد بكل أشكاله ضرروي، وذلك من أجل إحداث تغيير جذري في كل مجالات الحياة في سوريا؛ فثورة بكل هذا الزخم، بكل هذا الإصرار، رغم كل هذا السحق والدمار والقتل، تستحق أن تنتج دولة حديثة بامتياز، تكون بالفعل ممثلة لكل السوريين. فليكن النقد إذن سراجاً مضيئاً للثائرين نحو إسقاط النظام وبناء دولة حديثة.
* كاتب سوري