نشر الدكتور عزمي بشارة مقالاً على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، بعنوان «ملاحظات حان وقتها»، حاول فيه أن يضع إطاراً حداثوياً للجهد القتالي الميداني الذي تخوضه المعارضة السورية، وأن يدفعها إلى عدم التفكير في الإشكاليات الكبرى التي وقعت وستقع فيها مستقبلاً، لمصلحة الاستمرار في القتال. إذ هو الذي يفكر بالنيابة عن الشعب السوري والمعارضة السورية، ولا حاجة لهم بإعادة النظر بحمل السلاح، مهما كانت المخاطر الحالية والمستقبلية؛ فهو لا يدفع ثمناً، ولذلك كان من السهل عليه أن يقدم هذه النصائح.

بدأ بشارة مقالته باستعمال مصطلح الإفقار، بدلاً من مفهوم ضعف التنمية والإهمال، فالإفقار هو عملية هادفة لمنع أحد ما من تحصيل وسائل العيش. ويدس الكاتب هذه الكلمة بنحو سلس داخل السياق ليخلق وعياً ينظر إلى النظام على أنّ هدفه إفقار الشعب. ثم يضع حالتي الإفقار وقمع الحريات، برأيه، في «خدمة هدفٍ سامٍ مثل الدفاع عن الوطن»، فكيف يكون الإفقار في خدمة الدفاع؟ فهل هذه إشكالية مقصودة، أم فشل في توظيف كلمة الإفقار في سياق منطقي متكامل؟
يرى الكاتب أنّ هذا «الإفقار» مبرر لفترات قصيرة، لكنّه «لا يبرر نظاماً ممنهجاً وممأسساً لاستباحة كرامة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم»، وهنا يكسر كل أطر الموضوعية في شيطنة النظام وجعله بنية ممنهجة وممأسسة لاستباحة الكرامة، ليظهر مديرو هذه المؤسسة على شكل شخصيات سادية إجرامية تعمل وتخطط وتبني المؤسسات لاستباحة كرامة المواطنين، وللمحافظة على الغاية السياسية لجهود عزمي بشارة والمنظومة التي هو جزء منها، وهي جعل المشكلة مع النظام السوري وجودية، ورفض الإصلاح، وتعميق الأزمة واستمرار سفك الدم من دون تقديم السلاح النوعي الذي يسمح للمعارضة المسلحة بحسم المعركة، لأسباب ليس هنا مكان عرضها.
يرى بشارة أنّه لا مانع من وجود قضية عادلة وهدفٍ سامٍ واقعي، مغفلاً وجودها الحقيقي وواضعاً إياه في دائرة الشك، من ناحية، ومن ناحية أخرى يرى أنّها تستخدم لمنح شرعية لنظام غير شرعي، ملمحاً إلى أنّ النظام غير مؤمن بهذا الهدف والقضية العادلة، وإنما هي أداة يستخدمها، في حين أنّ أي نظام يعمل لأهداف سامية وقضية عادلة سيكتسب شرعية تلقائية. وفي حين أنّ سوريا دفعت وتدفع أثماناً باهظة لقاء التشبث بالحقوق العربية، وليس السورية فقط، وكانت تستطيع أن تقدم تنازلات وتنال مكتسبات سياسية داخلية وإقليمية واقتصادية كبيرة كذلك، ولكن لإيمان هذا النظام بالمقاومة من حيث المبدأ، لا من حيث الاستخدام والتوظيف السلطوي، لم يخضع ولم يتراجع، ولهذا احتشدت أميركا وولاياتها العربية ضده.
يرى في ختام الجزء الأول من المقال، أنّ رفض الهيمنة الأميركية على المنطقة عمل مشروع، ناسياً أنّه يكتب تلك الكلمات وهو يجلس في قطر المحمية بالقواعد الأميركية، ويذكر أخيراً أنّ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي واجب يتعدى مرتبة الحق، مغافلاً القراء عن أنّ هذا الاحتلال لفلسطين إنما هو احتلال إسرائيلي بالسلاح والمال والدعم الأميركي الذي يحمي قطر ومشروعها الإقليمي في الوقت عينه الذي يمول الاستيطان والتسلح الإسرائيليين.
المقطع التالي يبدأه بشارة بالمبالغة وينتهي بإنكار الوقائع؛ ففي البداية رأى أنه لا شعب في العالم يتفهم تحمل التعذيب والاعتقال التعسفي والفساد المالي وكمّ الأفواه. ويذهب إلى حدود تصوير الشعب السوري وكأنه بأجمعه تحت التعذيب، وهي المبالغة التي يهدف بشارة ومن وراءه إلى تعميمها في الإعلام، تحفيزاً لكل سوري على حمل السلاح والمشاركة في المذبحة اليومية. ويختم بالقول إنّ النظام الذي برر هذا التعذيب الشامل للشعب السوري بحجة القضايا الكبرى لا يحق له ذلك، وخصوصاً أنّ «التجربة أثبتت عدم حصول أي تقدم في القضايا الكبرى ذاتها». هنا يريد أن يجعل سوريا دولة معزولة تفكر بطريقة كلاسيكية على صعيد الصراع مع إسرائيل، بعد تخلي العرب عنها في 1973، فيما وضعت في المقابل رؤية استراتيجية تحاصر إسرائيل وتضعفها بالتدريج، ونجحت في طردها من لبنان في 2000، ثم في ضرب بنيتها الداخلية لأول مرة في حرب تموز 2006 وحرب غزة 2008 بالصواريخ السورية.
يصر بشارة على وجودية الصراع، وهو هنا يسعى إلى قولبة الخطاب الوهابي في مفاهيم إنسانية حداثوية، لتبرير سيره كعلماني على آثار قدمَي عبد الرحمن دمشقية وأمثاله؛ إذ بدأ هنا بمهاجمة من يطالب بالحوار والإصلاح والحل السياسي، رغم أنّ كل نظريات حل النزاعات التي تعتمدها المؤسسات الدولية الرسمية وغير الحكومية، تبدأ أولى خطواتها بالحوار وتقريب وجهات النظر. هذه المؤسسات التي تعتبر، كبنية بشارة الفكرية، ناتجاً غربياً حداثوياً، لكنّه آثر التطرف لغايات معروفة. يتهم الكاتب المطالبين بالحوار بأنّهم يريدون من الشعب أن لا يفعل شيئاً ويترك مسألة الإصلاحات للحاكم، في وقت يرفض فيه الحاكم القيام بـ«أي» إصلاح جوهري. إنّها شيطنة لفكرة التحاور والتواصل وتوظيف موازين القوى الجديدة في سوريا والضغط الهائل الذي تعرض له النظام في تعديل سلوكه الداخلي لمصلحة المعارضة، ولكن ليس هذا هو الهدف، الهدف تعديل السلوك الخارجي، ولذلك يمنع الغرب ضيوفه المعارضين من الخوض في أي حوار كذلك.
يناقش بشارة من زاوية أخرى أنّ من يطرح المبادرة السياسية لا يملك أي سلطة لإقناع النظام بأن يتوقف عن إطلاق النار والقتل، فيما أي مبادرة سياسية تقوم على أساس وقف إطلاق النار، ويعلن النظام استعداده للدخول في الحوار السياسي، وترفض المعارضة أصل الحل السياسي، ويدعوها بشارة في نهاية مقاله إلى البقاء على هذا المبدأ والوصول في الصراع إلى أعلى احتدام ممكن.
يقع هنا في تناقض جديد، فيبرر للمعارضة الحصول على السلاح من أي طرف كان، على أساس أنّ النضال ضد الاستبداد يهدف إلى التحرر منه أولاً شرط عدم المس بالقضايا الشرعية، ثم يطالعنا هنا بإسقاط لقضية رفض الهيمنة الأميركية كلياً، فكيف تدعو المعارضة إلى مواجهة النظام على خلفية الظلم وتدعو إلى الاستعانة بأميركا التي راكمت تاريخها على الدماء؟
يغرق بشارة في النقطة السادسة من مقاله، في سوريالية المفكر البعيد عن التجربة الميدانية في إدارة صراع ضد أو مع الدول الكبرى، فيطلب من المعارضة أن لا تسمح للداعمين بممارسة التأثير عليهم لناحية الثوابت الوطنية، ولا باختراقها استخبارياً أو سياسياً. يحاول أن يوهمنا بأنّ هذا التأثير لم يحصل بعد، وبأنّ الاختراق لم يحصل حتى الآن، وبأنّ الغرب لا يمارس تهديداً على حياة كل قيادات المعارضة، وكأنّ تجربة بشير الجميّل في لبنان مضى عليها زمن بعيد، ونسيها الجميع!
يحاول في المقطع السابع أن يُخرج المعارضة من أزمتها المتعلقة بتنوع غايات داعميها ودوافعهم، فمنهم من لديه خلفيته الطائفية، ومنهم من لديه مشكلة مع مواقف النظام من إسرائيل، ومنهم من يرأس نظاماً غير ديموقراطي، ومنهم من لديه حسابات وأهداف غير أهداف الشعب السوري. ثم هو يصرّ على إغفال أنّ عناصر الاحتجاج لديه من النظام في سوريا، وهي الخلفية الطائفية، والعلاقة مع إسرائيل، لا ديموقراطية النظام، إنما تنطبق جميعاً على دولة قطر التي يتحدث من على أراضيها. وهي تسعى لتحتل موقع المرجعية الوهابية، وعرّاب التطبيع مع إسرائيل وأميركا. ويحاول أيضاً جعل مشكلات الداعمين مسألة نظر وتفكير لم تتحول بعد إلى أزمة ميدانية واقعية، من ذبح وهابي يومي، وتدخل إسرائيلي في الصراع، ورواج أفكار التقسيم على أسس قومية أو طائفية تناقض مفهوم الديموقراطية التعددية.
يتوعد الكاتب أيضاً، الشعب السوري، بأنّه في حال تخليه عن الصراع المسلح، فإنّه لن يعود إلى سابق العهد من الحكم الأمني الاستخباراتي، بل سيذهب إلى مشهد أسوأ وأكثر ظلامية، إنّه حكم «الشبيحة»، فيما يعلم مؤيدو النظام السوري ومعارضوه أنّ النظام لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه بعد الأزمة، وهو ملزم نسف منظومته الإدارية الداخلية بالتعاون مع المعارضة التي ينبغي أن تشكل جزءاً رئيسياً من البنية السياسية القادمة المفترضة في حال الوصول إلى الحل السياسي. ويختم بشارة المقطع بعبارة مثيرة للريبة، إذ يبدو أنّه كتبها على عجل، معتبراً أنّ مشكلة المعارضة ليست في هوية الداعمين لها، بل في قلة الدعم وفي براغماتية الداعمين وحساباتهم. ترى، كيف يفصل بشارة بين هوية الداعم وسياساته، وكيف يهول على المعارضة بمخاطر الحل السياسي؟
المقطع ما قبل الأخير خصصه بشارة لتبرئة نفسه من الانحياز إلى الفكرة الطائفية، مشيراً إلى أنّ من واجب المثقف الوطني الديموقراطي أن لا يتعب من التوضيح والتحذير من الطائفية، محذراً أو متهماً من يرفض الطائفية، ويشدد على دور سوريا العربية وقضية فلسطين، بأنّه يبرر الوقوف إلى جانب النظام السوري. وحينها، يعتبر بشارة، أنّه «لن يسمعه أحد، وسوف يفقد مصداقيته، وستكون النتيجة الوحيدة التي يحققها هي إلحاق الضرر بهذه القضايا التي يتحدث باسمها». يعني أنّه لا بد من أن تكون مع المشروع القطري لتحرير فلسطين عندها سنسمح للناس بأن يسمعوك، أما أن تكون مع الصواريخ السورية التي قصفت حيفا، فهذا إلحاق للضرر بالقضية الفلسطينية.
يختم عزمي بشارة المقال بالقول: «لا توجد قضية أهم من إسقاط النظام وضمان مستقبل سوريا». كيف يمكن معارضات متناحرة، تمارس كل دولة من الدول الداعمة تأثيراً خاصاً على كل فصيل فيها، وسط رواج خرائط التقسيم وأفكاره، وبدء الفصائل الوهابية في المعارضة حملات التطهير العرقي، وإن على نحو محدود، تمهيداً للتهجير وفرز المناطق توطئة للتقسيم... كيف لهذه المعارضات وسط هذه الفوضى أن تضمن مستقبل سوريا؟
* كاتب لبناني