الفتوى الضائعة في ملفّات السياسة


جميل أن يعلن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودار الفتوى أول أيام عيد الفطر السعيد في يوم واحد، والأجمل منه أن يكون هذا الإعلان اقتناعاً بأن وحدة المسلمين أهم من رؤية الهلال نفسها. لكن ما هو غير جميل تلك المصالح السياسية التي تتحكم في إعلان رؤية هلال رمضان أو شوال، وكأن هذه الرؤية أصبحت دائماً محل خلاف بين المراجع الاسلامية حتى داخل المذهب الواحد، في أحيان كثيرة. والسبب ضياع الفتوى في ملفات السياسة.
أصبح الخيط الأبيض بائناً بوضوح من الخيط الأسود، حيث يتبين بعد طول جدال أن القضية ليست قضية رؤية ولا التماس بقدر ما هي نكايات بين المؤسسات الدينية التي أصبحت وظيفتها الأساسية العمل في السياسة بعيداً عن الأخلاق والقيم الدينية.
المرجع الوحيد الذي فكّر في المصلحة الاسلامية العليا وفي جمع المسلمين على مائدة واحدة عند الافطار والاحتفال بعيدي الفطر والأضحى، معاً، هو العلامة الراحل محمد حسين فضل الله الذي اجتهد فأصاب، لكنّ الآخرين أصابوه بغيرتهم وحسدهم فلم يقتدوا به ولم يقبلوا بفتواه في اللجوء الى علم الفلك في تحديد رؤية الهلال.
هو العلامة الوحيد الذي لم يكن سياسياً في المواضيع التعبدية، فأفتى للشيعة بجواز تناول الافطار في الوقت نفسه الذي يفطر فيه أهل السنّة، مخالفاً آراء غيره من المراجع الذين يقولون بالإفطار بعد نحو ثلث ساعة من إخوانهم السنّة، بداعي الاحتياط.
لقد بدا التدخل السياسي واضحاً في تحديد مسائل تعبدية وروحية بحتة، بعدما بلغ السيل الزبى، ونزل المذهبيون من الطائفتين الى الشوارع استعداداً لإزهاق الأرواح باسم الحفاظ على المذهب، والتي لا علاقة لها بالروحانية ولا بالله.
كان يمكن علماء إيران والسعودية وكل علماء العالم الاسلامي أن يجتهدوا كما اجتهد العلامة المرحوم فضل الله، وفي فتوى رؤية هلال الصوم والافطار كنموذج مصغّر عن فتاوى كثيرة ينبغي أن تكون واضحة حتى تقرّب المسافات بين الأديان والطوائف وأهل المذاهب المتعددة. وإلا ما هي وظيفة مجمع التقريب بين المذاهب في طهران أو غيره من المؤسسات والجمعيات التي تقول إنها تسعى الى توحيد المسلمين، فيما تقوم بتفريقهم، ولا تجمعهم إلا على موائد المأكولات الدسمة أو المناقشات التقليدية التي تشهدها مؤتمرات عامرة بالبذخ والترف والبطر ولا طائل منها على صعيد خروج اجتهادات جريئة توحّد الصفوف وتنتشل الروحانيات من ألاعيب السياسة ونفاقها؟
عبد المعطي عبود