منذ ما ينوف على الثلاثة أشهر، حتى يوم الجمعة، 3 آب الجاري، كان لا يزال مستمراً إضرابُ العمال المياومين، وجباة الإكراء، لأجل التثبيت، بوجه أخص، في مؤسسة كهرباء لبنان، واعتصامُهم في مواقع عملهم، ولا سيما في المركز الرئيسي، قبل أن يوافقوا على حله، لقاء وعود باستجابة جزء أساسي من مطالبهم، وتحت ضغط حرمانهم معاشاتهم، على امتداد كل تلك الفترة، مع انعكاس هذا الواقع وبالاً عليهم، وعلى أسرهم، وإفضائه، في حالة العديدين منهم ، إلى مآسٍ عائلية حقيقية.

وفي الواقع، وقبل توضيح الاستنتاجات والدروس، التي يمكن استخلاصها من تحركهم المشار إليه، وآفاقه، قد يكون مفيداً أن نكشف، ولو باختصار شديد، الغرابة منقطعة النظير، والمستدعية للكثير من الاستنكار، التي سبق أن لازمت وضعهم، منذ لحظة التعاقد معهم، للعمل في واحدة أساسية، وحيوية جداً ، من مؤسسات القطاع العام (!). فعدا كون قسم مهم منهم لا يزال في وضع العمل، باليوم، منذ أكثر من عشر سنوات، فيما آخرون مياومون منذ أقل من ذلك، كانت المؤسسة شديدة الحرص على عدم الدخول معهم في تعاقد مباشر، تاركةً ذلك لأفراد يتولون، هم تحديداً، تأمين العدد من الشغيلة الذين تحتاج إليهم، ومطلقةً على هؤلاء تسميةً خاصة، هي بالضبط، «عمال المتعهد»(!)، وذلك، في مسعىً واضح، لعدم الاعتراف بأيٍّ من الحقوق الشرعية لهؤلاء العمال. فهم لا يتمتعون بأي ضمان صحي، أو اجتماعي، ولا يتقاضون، عند الصرف، أو حتى إصابات العمل ــــ حسبما جاء في الرسالة التي وجهوها، قبل حوالى العامين، إلى الوزير السابق للعمل، بطرس حرب – أي تعويض. حتى إن العديدين ممن أصيبوا بعاهات دائمة، بفعل التعرض لحوادث كهربائية، أثناء العمل، لم يحصلوا حتى على اكلاف العلاج، ولا على تعويض الإعاقة. وحتى تعويض الوفاة المفترض إعطاؤه للأقارب الحميمين، حين حصولها، لا يزيد على الخمسة ملايين ليرة لبنانية، أو ــ كما كتبت اللجنة الممثلة للعمال، في 2 شباط 2010، للوزير المذكور نفسه، في الرسالة عينها ــ «أقل مما يُدفع، عادةً، حين تَنْفُق بقرة بحادث ما».
عدا ذلك، فلا قبض لأي أجر عن أيام الآحاد والأعياد الرسمية، بما فيها عيد العمال! فضلاً عن عدم الدفع لهم عن أيام الإضراب، عادةً، وقبل الإضراب الأخير، حتى حين لا يكونون هم الداعين إليه. والأنكى من ذلك انه، في سياق امتناع المؤسسة عن الاعتراف بعلاقة لها بهؤلاء العمال، فهي لا تدفع لهم مباشرةً، بل بواسطة من تصفهم بالمتعهدين، الذين يحصلون، لحسابهم الشخصي، وعلى حساب العمال – من ضمن عملية تنفيع تفوح منها رائحة الفساد المستشري في الدولة اللبنانية – على مبلغ مهمّ هو، بالمناسبة، أكبر من الأجر الذي يتقاضاه العامل، وقدره، حالياً، 28500 ل.ل. عن يوم العمل. بمعنى آخر، فعدا ما ينطوي عليه هذا من واقع الفساد الفعلي الأقصى لإحدى مؤسسات القطاع العام، الأكثر حيوية في بلدنا، فإنه يكشف شكلاً من التعامل مع العمال، كما لو كانوا أقرب إلى العبيد، كما جاء في وصف احد اعضاء لجنة الاعتصام الأخير لوضعه، ووضع زملائه، بعد استجابة هؤلاء، اخيراً، الضغوط القاسية التي تعرضوا لها، سواء من جانب الاتحاد العمالي العام، بقيادة غسان غصن، أو من جانب القوى السياسية البرجوازية الطائفية المسيطرة، وفي مقدمتها التيار الوطني الحر، من جهة، وحركة أمل، من جهة اخرى (وهي ضغوط يقول بعض العمال إنها وصلت إلى حد تهديدهم بإخراجهم من المؤسسة، عنوةً، عبر فرقة المكافحة!). وذلك لأجل فك اعتصامهم، وقبول ما عُرض عليهم من حلول، ليس واضحاً كيف سيتم تنفيذها، ومن منهم سيتمكن من الإفادة منها، وإلى أي حد، ولا سيما بخصوص عدد من سيشملهم التثبيت، بعد مباراة لا يعلم أحد بينهم، إلى الآن، ما هي شروطها وتفاصيلها، ومتى، وكيف ستتم.
هذا مع العلم بأنه قد جرى تضمين صيغة الحل، كما كان قد كشف عنها رئيس الاتحاد العمالي العام، في لقائه المياومين، في اوائل الشهر الجاري، بنداً أثار مخاوف هؤلاء وشكوكهم العميقة، هو ذلك الذي يتحدث عن «إجراء مباراة محصورة ، في مجلس الخدمة المدنية، وفق القانون الذي سيصدر، وبحسب ملاك المؤسسة وحاجتها...»، الأمر الذي يعطي انطباعاً شبه أكيد بأنه جرى الالتزام بالمشروع الأساسي لوزير الطاقة، جبران باسيل. وهو يلحظ، من ضمن خلفيات طائفية بحتة، عدداً محدوداً ممن سيتم تثبيتهم، لا يتجاوز المئات، وليس مجموع من يستحقون ذلك. وهو المشروع الذي كان احد الأسباب الأهم، وراء اعتصام العمال المياومين، وجباة الإكراء، الأخير.
في كل حال، لا يمكن الاكتفاء، في معرض الإحاطة بظروف هذا التحرك، الفريد من نوعه، في تاريخ الطبقة العاملة اللبنانية، وأسبابه، بما ورد أعلاه، وربما يكون أهمَّ من ذلك الخروج منه بالاستنتاجات والدروس المناسبة، مع تسليط الضوء على نقاط الضعف التي تعيِّن حدوده، ولكن أيضاً نقاط القوة، التي يمكن أن يسهم إدراكها والاهتداء بها، في إنجاح نضالات لاحقة لا تقتصر، بالضرورة، على عمال الكهرباء، بل تتجاوزهم لتشمل شتى القطاعات العمالية.
خلاصات ودروس
إن نقاط القوة، في تحرك مياومي الكهرباء وجباة الإكراء الاخير عديدة، وأهمها أنه شمل كل هؤلاء العمال، الذين يتجاوز عددهم الألفين والمئتين، بمعزل عن انتمائهم الطائفي والمذهبي، وعلى الرغم من المساعي المدانة لوزارة الطاقة، بقيادة الوزير باسيل، وإدارة مؤسسة كهرباء لبنان، لإثارة النعرات الطائفية على صعيدهم وفي العلاقة بينهم وبين سكان المنطقة التي تقوم فيها المؤسسة المشار إليها. لقد غلبت الهوية الطبقية، رغماً عن المصطادين في ماء الطوائف والمذاهب العكر، الهويةَ والانتماءَ الطائفيين، وهذا مكسبٌ أساسي يمكن البناء عليه، في معركة الشعب اللبناني الطويلة لإسقاط النظام الطائفي، والانضمام، هكذا، في تاريخ غير بعيد، إلى الحراك العربي الثوري العام.
أكثر من ذلك، لقد نجح العمال المياومون في تجاوز إضراب عام لم يكن مخططاً له أن يطول، ليتحول إضرابهم إلى اعتصام، فاحتلال لموقع العمل داما اكثر من 90 يوماً! وهو أمر من شأنه أن يمثّل قدوة للشغيلة، والمستخدمين، والموظفين، لاحقاً، في شتى القطاعات، في تحركات خاصة بهم سعياً وراء تحسين ظروف عيشهم وعيش عائلاتهم، وموازين القوى في ما بينهم وبين أرباب العمل، وغيرهم من ممثلي البرجوازية المسيطرة، كما ممثلي بيرقراطية الدولة والإدارات المشرفة على مؤسسات القطاع العام. علماً بأن ذلك لن يرتقي إلى مستوى لائق حقاً، وجدير بتضحيات الطبقة العاملة المحلية من شتى الجنسيات إلا بقدر ما تستوعب هذه، في آنٍ واحد، نقاط الضعف التي لازمت التحرك الذي نحن بصدده، بحيث تعمد إلى تجنبها، والتحرر من المعوِّقات التي تنطوي عليها.
أما نقاط الضعف هذه، فيمكن اختصارها بما يلي:
1- افتقاد صندوق الإضراب: لقد كانت إحدى المشكلات الأساسية التي تعرض لها المياومون تتمثل في افتقادهم الوسيلة المالية الأهم، التي كان توافُرُها سيتيح لهم المضي في اعتصامهم لمدة أطول وفرض مطالبهم على الإدارة من دون تنازلات ومن دون الخضوع لما تعرضوا له من ضغوط شتى لفك اعتصامهم، لقاء مكاسب جزئية للغاية وغير مضمونة. إنّ الاهتمام، منذ بداية التحرك، بتأمين الحصول ــ سواء عبر مخاطبة القوى العمالية والاجتماعية المستعدة للتضامن معهم محلياً أو حتى الحركات العمالية، عبر العالم ــ على الدعم المالي، الذي من شأنه أن يؤمِّن لهم ولو الحد الأدنى من حاجاتهم وحاجات تحركهم. هذا الاهتمام كان من شأنه أن يحول دون وقوعهم في ضائقة خانقة أدت دوراً حاسماً في الحيلولة دونهم والقدرة على الصمود في المفاوضات، لأجل حلّ يتناسب مع حقوقهم وتضحياتهم.
2- افتقاد التضامن الاجتماعي، والسياسي: ولقد تمثَّل ذلك في عدم الاهتمام الكافي لدى العمال وقيادتهم المرتجلة، بالعمل للحصول على تضامن شعبي واسع، عبر طرح قضيتهم، بشتى وسائل الاتصال، والإعلام، على العمال في مواقع الإنتاج المختلفة، وعلى الحركات النقابية والاجتماعية من جهة، لكن أيضاً، ومن جهة اخرى، على الحركات السياسية، التي تزعم التضامن مع قضايا الطبقات الشعبية، والجماهير الكادحة، وما إلى ذلك، وفضح هذه القوى والتشهير بها حين تمتنع عن إبداء هذا التضامن فعلياً وعلى الأرض. ونحن نشمل بهذه الحركات، بوجه أخص، تلك التي تزعم الانتساب إلى اليسار.
3- بؤس القيادة النقابية وخيانتها الطبقية: لقد كان واضحاً أنّ الاتحاد العمالي العام ممثلاً برئيسه غسان غصن لم يؤدّ أي دور يمكن اعتباره في إطار التضامن الفعلي مع العمال المياومين في مؤسسة الكهرباء. كان يتحرك فقط على اساس استعداده للتفاوض مع الإدارة، ووزارة الطاقة، والوساطة بينهما وبين العمال. وحين طُرح عليه، خلال التقائه لجنة الاعتصام، في يوم التحرك التصعيدي الكبير في 30 تموز الماضي، أن يعلن كتعبير جدي عن التضامن، يوم إضراب عمالي عام على الأقل، تهرَّب من ذلك بحجج شتى، واكتفى بالتعبير عن الدعم اللفظي. أكثر من ذلك، لقد حاول، في بدء اللقاء، إقناع اللجنة بعدم المطالبة بدفع الأشهر المتأخرة من معاشات العمال (!)، بحجة أن مطلبهم الأساسي هو التثبيت، ولا يجوز تمييعه بالسعي وراء الحصول على تلك المعاشات، التي كان العمال بأمس الحاجة إليها. وفي ما بعد، أدّى دوراً مكشوفاً في دعم قبول العمال بفك اعتصامهم، لقاء اتفاق سبق أن أوضحنا أنه يعيد المياومين عملياً إلى دائرة المشروع الأصلي، بما يخص التثبيت، للوزير باسيل! وهذا الواقع فشلت اللجنة في فضحه، وفضح كامل القيادة النقابية، بما هي قيادة خاضعة بالكامل لمصالح طبقية لا علاقة لها بمصالح العمال، وباقي ذوي الأجر، وباعت نفسها من البداية لأرباب العمل والشركات والبيرقراطية الإدارية في الدولة والقطاع العام، وبالتالي ينبغي تغييرها كلياً أو إعادة تأسيس اتحاد عمالي عام جديد، يمثل حقاً مصالح الطبقة العاملة.
4- الواقع السياسي المهيمن في البلد: وهو يتمثل في التقاسم الطائفي للسلطة، الذي، على رغم «التفاهم» القائم بين التيار العوني وحزب الله، يتيح استخدام هذا الطرف أو ذاك الانقسام الطائفي أو المذهبي، لأجل التعبئة على هذا الأساس، لإفشال تحرك عمالي طبقي. وفي هذا المجال، ثمة حاجة لإبراز ما لجأ إليه وزير الطاقة وتياره، من تسيير تظاهرات لأنصاره، من مواقع طائفية مخجلة، ضد تحرك عمال الكهرباء، وحتى الاعتداء على هؤلاء العمال، ورفع لافتات تعتمد التجييش الطائفي، بحجة أن عمال الكهرباء، وهم من غالبية طائفية محددة، يحتلون مؤسسة موجودة في منطقة لها طابع طائفي مختلف (!). وهو امر يتخذ طابعه المأسوي الخطير، ولا سيما حين نعلم أن مؤسس التيار الوطني الحر، السيد ميشال عون، زعم لدى عودته من منفاه، في 2005، أنه يحمل برنامجاً علمانياً، وتحدى الجماهير المحتشدة في ساحة الشهداء آنذاك، التي كان يقف بمواجهتها وراء عازل زجاجي، أن تحاسبه بقساوة إذا ما اتخذ لاحقاً أي موقف ذي طابع طائفي!
5- التعويل لدى العمال على دور الزعامات السياسية الطائفية: وهو ما كان واضحاً منذ البداية، حيث ظهر دور أساسي في المفاوضات لحركة امل وحزب الله والتيار الوطني الحر. وحصل في اكثر من مرة، أن اندفع عمال متحمسون في الهتاف، وتفدية هذا الزعيم الطائفي أو ذاك، بالروح والدم! لا بل كانت اللجنة القيادية، التي خاض المياومون اعتصامهم تحت إشرافها تأخذ بالاعتبار التمثيل السياسي المشار إليه، ولم يتم الانتخاب من القاعدة، وبصورة ديموقراطية، في عملية اختيارها. وهذا ما أثر في أدائها، وحال مراراً دون اتخاذ القرارات المناسبة، في لحظات حرجة جداً من التحرك. كما عبّر عن نفسه في حصول حالات من الفوضى رافقت بوجه أخص مراحل التصعيد، كما حصل في يوم التصعيد الكبير، حين جرى البدء بحرق الدواليب حتى من دون قرار من اللجنة بالذات.
6- غياب وعي كافٍ لدى المياومين بخطورة الخصخصة: فلقد تلازم اعتصام المياومين مع بدء الوزير باسيل تنفيذ الجزء من برنامج عمه، رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، المتعلق بالخصخصة، والذي كان أعلن عنه منذ الأسابيع الاولى لعودته إلى لبنان. هكذا حلت شركات تقديم الخدمات محل المتعهدين في العلاقة مع العمال، وبدأ هؤلاء يقبضون معاشاتهم منها، ولكن بعد توقيع عقود عمل معها، بانتظار إجراء المباراة المنوه بها اعلاه، وما قد يلي ذلك من تثبيت لجزء من المياومين. ولكن الأخطر من هذا كله إنما هو كون السيد باسيل ماضياً في مشروع قد لا يطول تنفيذه، ألا وهو خصخصة كامل مؤسسة كهرباء لبنان. وهنا يكمن الجانب الآخر، المقلق حقاً وكثيراً في المشهد. وهو ما لم يُثر، إلى الآن، اهتمام الأوساط ذات المصلحة المفترضة في إحباط هذا المسعى، ونحن نقصد بالضبط قوى اليسار التي نأت بنفسها عن تحرك المياومين في مؤسسة الكهرباء!
7- غياب يسار ثوري فاعل: ولقد بدا ذلك واضحاً، على امتداد الشهور الثلاثة التي دام خلالها الاعتصام. فإذا استثنينا تردُّد رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين، السيد كاسترو عبد الله من حين لآخر وفي أوقات متباعدة على مركز الاعتصام منفرداً، امتنعت الغالبية الكبرى للمنظمات، التي تنسب نفسها إلى اليسار، عن إبداء أدنى أشكال التضامن الفعلي مع التحرك. وباستثناء ناشطي «المنتدى الاشتراكي» الذين واظبوا على التواجد مع العمال والمساهمة في تحركاتهم ونشاطاتهم وإبداء الرأي في وسائل تطوير التحرك وإنجاحه، ومن ضمن ذلك إيصال أصوات المياومين إلى الحركات العمالية عبر العالم، كادت تخلو الساحة من الحد الادنى المطلوب على الأقل من التضامن النضالي مع هؤلاء.
لقد انتهى الاعتصام، ونجح الوزير باسيل في تلميع مشروعه الأساسي بخصوص التثبيت، كما نجح أيضاً في بدء تنفيذ مشروع تياره لخصخصة ما بقي من القطاع العام، بعد عبور المشروع الحريري، سابقاً، وتصفيته جانباً هاماً من هذا القطاع. مع ذلك تبقى المعركة التي خاضها المياومون مَعْلماً مضيئاً، إلى هذا الحد او ذاك، في تاريخ النضالات العمالية في هذا البلد، على أن يتم استيعاب دروسها جدياً، في المرحلة القادمة، والعمل لأجل وضع تلك الدروس والخلاصات موضع التنفيذ.
* كاتب لبناني