بين حصول الحرب الأهلية حقيقة، والتهويل بالحرب الأهلية فارق قلما يُنتبه له في الصراع الدائر في سوريا وحولها حالياً. فإذا كانت الحرب الأهلية واقعة حقيقية يستدل بها بطوائف تتقاتل طائفياً على السلطة، أو على إفناء بعضها بعضاً، فإنّ التهويل بالحرب لا يغدو أن يكون أكثر من إيديولوجيا تستحضر مخيال وقائع الحرب الأهلية بغية الترهيب والتحشيد خلف خط سياسي ما، أو مسار ما يراد للأحداث أن تمشي به.


تشبه إيديولوجية الحرب الأهلية كل الإيديولوجيات، وآخرها إيديولوجيا الديموقراطية، التي تستبعد أول ما تستبعد الديموقراطية الحقيقية لصالح خطاب ديموقراطي أجوف، لا يستهدف إلا الوصول إلى السلطة، عن طريق تحشيد الجماهير كيفما اتفق.
التهويل من الحرب الأهلية السورية الذي يستخدمه صانعو القرار في العالم والفاعلون الأساسيون في الأزمة السورية اليوم (وهو أمر تكاثف خلال الفترة الأخيرة) ينتمي إلى هذا النوع من الإيديولوجية، التي لا تستهدف إلا تخويف السوريين والعالم من الحرب الأهلية، إما لتبرير صمتها المخجل وتأخرها عن إنقاذ السوريين من نظام مستبد باطش لدى البعض، أو بغية التغطية على الوضع الحالي الذي تريده بعض الدول أن يبقى قائماً لاستنزاف سوريا دولة وشعباً، أو التغطية على دعم النظام لدى دول أخرى. هنا يغدو الخطاب نوعاً من التغطية على المصالح التي تسبق أية أخلاقية لم توجد في عالم السياسة يوماً، ولعل صرخة منظمة العفو الدولية أخيراً من تحوّل الأمم المتحدة إلى أداة بيد دول كبرى تشي بهذا الأمر.
روسيا تحذر من الحرب الأهلية السورية، معتبرة أنّ دعم المعارضة بالسلاح يدفع باتجاه تلك الحرب، بينما تعتبر واشنطن أنّ سياسة موسكو في سوريا، والتغطية على النظام السوري في مجلس الأمن الدولي، هما ما يسببانها، عدا تبرير عدم التدخل العسكري حتى اللحظة بالتخوف من اندلاع تلك الحرب (بعد مدة قد يتدخلون وينسى كل خطاب التهويل هذا!). وهما خطابان يدلان على نحو عملي على استخدام الإيديولوجية تلك بغية تحشيد الرأي العام ضد الطرف الآخر، بغض النظر إن كانت الحرب الأهلية ستقع أم لا (البعض يقول إنّها بدأت!)، بل يغدو أحياناً هذا التهويل نوعاً من الدفع باتجاهها، وإن بدا أنّه يحذر منها. الأمر نفسه ينطبق على الموقف الأوروبي الذي يغطي عجزه عن انتهاج سياسة واضحة تجاه سوريا بالتخوف من الحرب الأهلية. المفارقة الكبرى أنّ النظام السوري كان أول من استخدم خطاب التهويل بالحرب الأهلية، على لسان المستشارة السياسية بثينة شعبان بعد أشهر من انطلاق الانتفاضة. بعدها انتقل الخطاب وتعولم بطريقة مرعبة، تشي بأنّ النظام السوري تمكن من دفع الجميع إلى تكرار مقولته تلك والاقتناع بها، فيما بات هو عملياً يرد بطريقة أخرى، تستنكر تلك الحرب ومن يهول بها، كما رد أخيراً الناطق باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي على قول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنّ سوريا قد تقع فريسة حرب أهلية. هنا يبدو جلياً أنّ خطاب السلطة السورية آخر ما يهمه وقوع تلك الحرب من عدمها، بل يسعى إلى استغلال «التهويل بالحرب الأهلية» لقطف ثمار تلك السياسة، لذا وجدناه يهول بها في البداية، وهو يرد بقسوة على من يهدد بها أخيراً، بمعنى أن الأمر خاضع للاستغلال السياسي، وحسبما تقتضيه الحالة التي تخدم تأبيد وجوده. لكن يبقى السؤال الأصعب: هل ثمة حرب أهلية حقيقية في سوريا الآن؟ أو هل يمكن أن تقع إن بقي هذا التهويل بها، الذي لا يستهدف عموماً إلا وقوعها، وإن ادعى الحرص على عدم وقوعها؟
كنت من أوائل الذين حذروا من المسألة الطائفية في سوريا، وقت كان الكلام محرماً عنها آنذاك، عبر اعتبار أن في سوريا حالة طائفية مستترة بفعل قوة السلطة السورية التي استغلت الطائفية عبر احتكار استخدامها لأجل ديمومتها. الآن بعد عام ونصف عام من التهويل بالحرب الأهلية والعنف واتجاه بعض أنصار المعارضة نحو السلاح، انتقلت الحالة الطائفية في سوريا من مستترة إلى معلنة، لكنّها حتماً لم تصل حدود الحرب الأهلية المعلنة بين طوائف ضد طوائف أخرى. رغم كل ما حصل وهو فاجع حقاً، لم يدخل السوريون في صراع طائفي يستهدف طائفة الآخر، بقدر ما يستهدف الموالي للنظام أو المعارض له، إذ إنّ السلطة، وهي الطرف الأبرز في العنف، تثابر على استخدام كل شيء بغية ديمومتها، مستهدفة جميع المعارضين بعيداً عن النظر إلى طوائفهم، مع محاولة تمييز طائفة عن الأخرى بطريقة التعامل العنفي (عنف أقصى ضد السنّة، عنف أقل ضد الطوائف الأخرى). عنفها هنا ليس سياسة طائفية بحتة، بقدر ما هو براغماتية تستخدم الطائفية بهدف الحفاظ على السلطة، ودليل ذلك عدم تهاونها سابقاً واليوم مع معارضين ينتمون إلى الطائفة التي يظن البعض أنّ السلطة تتصرف بدافع من انتمائها إليها، لا بدافع انتمائها إلى السلطة فقط، ودليل ذلك عدد الجنود الذين يسقطون من تلك الطائفة. فلو كانت حسابات السلطة طائفية هنا، لكانت تزج بأبناء الطوائف الأخرى لحماية أبناء طائفتها، بينما هي حقيقة تستخدم الجميع وقوداً لها.
في المقابل حافظت الثورة رغم كل التهويل على حد أدنى من الانزلاق نحو الحرب الأهلية (دون نفي الأخطاء الكثيرة التي وقعت بها في هذا المجال، والتي سبق أن تحدثنا عنها في مقالات أخرى). فحالات الاستهداف الطائفي بعينها نادرة، إذ إن الموقف العام الذي يحكم تصرفاتها، هو الموقف من النظام لا الطوائف، دون أن يعني هذا أنّ استهدافاً طائفياً بعينه لم يحصل، لكن على نحو جزئي جداً. فالاستهداف الأساس يكون بحسب الموقف من النظام، لأنّ المتابعة الدقيقة لما يجري على الأرض حقيقة (وهي تكاد تكون أحياناً عكس المعلن والمقصود إعلانه بتلك الطريقة) تثبت أنّ الاستهداف يجري وفق الموقف من النظام مع أو ضد ومن طرفي الصراع. لكن هل هذا يعني أنّ خطر الحرب الأهلية غير قائم؟
في القراءة السورية المغلقة داخلياً، والمستندة إلى قراءة حوادث الخطف والقتل التي جرت وتحليلها على نحو علمي، يبدو أنّ خطر الحرب الأهلية قليل جداً (حتى الآن)، لأنّ السوريين من الطرفين لا يريدون الانزلاق بهذا الاتجاه، على الرغم من حدة الخطاب الطائفي المحتقن والمعلن أحياناً، ورغم تجني البعض أنّها بدأت فعلياً.
إلّا أن خطر نشوب الحرب الأهلية قد يتفاقم مع دخول مراكز جديدة على خط الأزمة، لكن من خارج سوريا، من قاعدة مأجورة باتت تستخدمها كل الأطراف في الداخل السوري، ومن صراع شيعي/ سني بات يتمدد على المنطقة كلها، مع اتجاه السعودية نحو تأجيج هذا الصراع لمواجهة الحضور الإيراني من جهة، ولمنع امتداد الربيع إلى منطقة الخليج عبر حرفه عن أهداف الحرية والديموقراطية باتجاه صراع سني/ شيعي، من جهة أخرى.
وإذا عرفنا أنّ ميدان هذا الصراع الإقليمي/ العالمي هو الساحة السورية، التي تتعرض لاستغلال النظام طائفياً وبعض التشيكلات المسلحة المشكلة لخدمة أجندة خارجية حتماً (وهنا لا نعتبرها معارضة، وإنما مجرد أداة)، وتهويلات الدول الفاعلة في الداخل السوري من الحرب الأهلية، مع اتجاه الداخل نحو الضعف بفعل إطالة زمن الصراع، وبفعل العنف الممنهج الذي يتعرض له فعلياً ورمزياً، فقد نكون أمام احتمال تهتك هذا الداخل، لأنّ حجم القوى الفاعلة فيه أكبر من أن يحتمله. هنا نفهم تماماً الهدف الحقيقي من التهويل بالحرب الأهلية، وهو إشعالها حقاً، فهل تنجح؟
* شاعر وكاتب سوري