النتيجة التي أفضت إليها الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية تنطوي على قدر لا بأس به من الوضوح. هو وضوح يذهب في الاتجاه المعاكس لما ذهب إليه كثير من النخب (وعلى رأسهم رباب المهدي وبلال فضل و... إلخ) عندما ظنوا أنّ انخراطهم في حملة المرشح «التوافقي» (اقرأ: التلفيقي) عبد المنعم أبو الفتوح سيساعد على تجاوز حالة الاستقطاب القائمة في البلد. لقد اعتقد هؤلاء عن سذاجة محسوبة أنّ الإجماع الظاهري على أبو الفتوح من جانب قوى سياسية «عابرة للتموضعات الطبقية» سيجد صداه حتماً لدى طبقات شعبية بعينها. طبقات أظهرت استعداداً أولياً لملاقاة «نخبتها» في بحثها التجريبي، وتجرّع نظرية التوافق وإياها. بدا «الوضوح» هنا ملازماً للنخب التي صاغت تلك النظرية، أكثر منه للجماهير التي انحازت إلى «الخيار الثوري» من دون أن تمتلك الآلية الضرورية لتظهير ذاك الانحياز. طبعاً لم يستمر هذا الانطباع طويلاً، وأتت نتائج الانتخابات لاحقاً لتؤكد العكس، ولتظهر أنّ الوضوح ليس دائماً من سمات النخب المهيمنة على صناعة الخطاب الأيديولوجي. ففي مقابل كل صوت نخبوي اختار أبو الفتوح، كان هنالك ثلاثة أصوات اختارت حمدين صباحي (وكثير منها نخبوي أيضاً). هي لم تختره لمجرد أنّ خيار أبو الفتوح التلفيقي لم يناسبها تماماً، بل لأنّه بدا واضحاً بما يكفي لتبديد حالة الالتباس التي أريد لها أن تحشر فيها من جانب أصحاب نظرية التوافق. لم يكن هنالك بين البرامج الانتخابية لمرشحي الرئاسة ما هو أكثر التباساً من برنامج عبد المنعم أبو الفتوح. صحيح أنّ صياغة البرنامج بدت للوهلة الأولى مشوبة بنزعة يسارية واضحة، إلا أنّ نزوعها إلى «الميوعة» لدى مخاطبة القطاعات المحافظة (السلفيون وبعض الإخوان) بين «مؤيدي الرجل»، أتى ليؤكد ما سبق أن حذرت منه قطاعات ثورية متعاطفة مع أبو الفتوح وحملته، ورافضة لتلفيقها أيديولوجياً: شبهة الانحياز إلى الفقراء في برنامج يغازل اليمين الإسلاموي النيوليبرالي ستبقى شبهة فحسب. لقد تابعت أخيراً على فضائية «أون تي في» المصرية (وهي نيوليبرالية بالمناسبة، رغم «ثوريتها») المملوكة للرأسمالي نجيب ساويرس ندوة حوارية اشتركت فيها رباب المهدي، الماركسية المصرية وإحدى أهم المشاركات في صياغة البرنامج الانتخابي لعبد المنعم أبو الفتوح. في أحد مفاصل الحوار بدا انحياز المهدي إلى الطبقات الشعبية واضحاً تماماً. تحدثت بصراحة عن الصياغة اليمينية الواضحة لبرنامجي أحمد شفيق ومحمد مرسي، مرشحي «الفلول» والإخوان، وعن كون تلك الصياغة امتداداً فحسب للنهج النيوليبرالي الذي ميّز حقبة مبارك. سأحاول أن أجمل الانطباع الذي خرجت به من حديثها ذاك بجملة موجزة: الوضوح الذي أبدته في توصيفها ليمينية «الفلول» والإخوان كان نتاجاً للخيبة التي أفضت إليها صياغتها «الواضحة» ومن معها لبرنامج أبو الفتوح الانتخابي. ما كان بإمكانها أن تعيد الاستقطاب إلى حيث يجب أن يكون (يمين ــ يسار) لولا اقتناعها بانعدام جدوى إبقائه في الحيز الاستهلاكي ــ الانتخابي الذي كان فيه (ثورة ــ فلول). الأرجح أنّ رباب المهدي ليست وحدها من فعل ذلك. فهي في النهاية جزء لا يتجزأ من تيار يساري عريض يعيد اكتشاف ذاته وبلورة هويته الطبقية شيئاً فشيئاً، بعد عقود من تدجين اليسار المصري واحتوائه (اقرأ: سحقه). طبعاً لا يزال اليسار الراديكالي بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى يتخفّف تماماً من أحمال المرحلة الانتقالية وتناقضاتها. ومن تلك التناقضات مثلاً خوضه المعركة ضد العسكريتاريا الفاشية «جنباً إلى جنب» مع «أعداء طبقيين» (اليمين الإسلاموي المتمثل في الإخوان والسلفيين) يفترض أنّه على خصومة أيديولوجية دائمة معهم. بإمكان المرء أن يفهم رغبة اليسار في تجميد ذاك التناقض، ريثما تفضي عملية نقل السلطة إلى خواتيم منطقية. لكن المشكلة هنا هي في وجود أطراف لا تريد لهذه العملية أن تنتهي، على اعتبار أنّ انتهاءها سيجرّد عملياً الاصطفافات السياسوية التي أعقبت قطع الذراع المدنية المافياوية للنظام من أي قيمة تذكر. عند هذه النقطة تحديداً تنعقد مصالح مروحة واسعة من القوى اليمينية المعادية لإعادة إنتاج الاستقطاب على أسس أيديولوجية واضحة: بدءاً من العسكريتاريا الفاشية الحاكمة، مروراً بجيوبها المدنية المتمثلة بطبقة الكومبرادور المالي العميل للغرب (وبين هؤلاء رجال أعمال يعدّون أنفسهم ثوريين!)، وصولاً إلى اليمين الديني النيوليبرالي الذي فاجأته كتلة التصويت العقابي على أدائه الهزلي والمحابي للأغنياء والسلطة الفاشية في البرلمان. من المنطقي جداً أن يستميت هذا «الكارتيل» اليميني في الدفاع عن مصالحه، وأن يبادر إلى عزل كل من يحاول نقل الاستقطاب من ضفة إلى أخرى: من ضفة ثورة ـــ فلول إلى ضفة يسار ثوري ـــ يمين رجعي معادٍ للثورة. في المقابل ثمة انعدام حقيقي للقيمة لدى منطوق يساري (الاشتراكيون الثوريون مثلاً الذين دعوا إلى التصويت لمرسي في جولة الإعادة بحجة أنّه ليس فلولياً!) لا يبدو مكترثاً كثيراً بتجذير الاستقطاب أيديولوجياً، قدر اكتراثه بالوفاء لمتطلبات المرحلة الانتقالية ولو أتت أحياناً على حساب الطبقات الشعبية التي يحمل هذا اليسار لواء الدفاع عن مصالحها ومكتسباتها! ثمة مفارقة حقيقية هنا لا بد من التوقف عندها ملياً: التصويت الكثيف لحمدين صباحي من جانب الطبقات الشعبية في القاهرة والإسكندرية والسويس وكفر الشيخ والبحر الأحمر، كان بالدرجة الأولى تصويتاً ضد تفاهمات المرحلة الانتقالية التي يريد الاشتراكيون الثوريون وبعض أعضاء التحالف الشعبي الاشتراكي استئناف العمل بها مؤقتاً، ريثما تنقضي الانتخابات الرئاسية! نحن هنا إزاء تناقض مركزي لا ثانوي، كما يدعي رفاقنا في مصر. ذلك أنّ الدعوة إلى التصويت لمرسي في مرحلة الإعادة تحت لافتات تلفيقية ملونة هي بمثابة خيانة حقيقية للطبقات الشعبية التي قاطعت مرشح اليمين الإسلاموي في المرحلة الأولى، وكانت واضحة أكثر من نخبها بكثير في الإشارة إلى صدور ذاك المرشح عن المرجعية نفسها التي يصدر عنها اليمين النيوليبرالي الذي يعبّر عنه أحمد شفيق. لنقل إنّ وعي الجماهير لمصالحها هنا قد سبق بأشواط وعي النخب النضالية التي بقيت أسيرة تناقضات ثانوية تجاوزتها الكتلة الجماهيرية الصلبة، وأحالتها إلى مجرد هامش للمتن الأساسي لمعركتها اليوم. هو متن الدفاع عن مكتسباتها ومصالحها في وجه الهجمة الشرسة لليمينين النيوليبراليين الفاشيين الديني والعسكريتاري. ستبقى فاعلية أي حراك يساري راديكالي مشلولة إذا استمرت في تحييد نفسها عن هذه المعركة، ولن يكون نصيبها من النجاح في العودة إلى الصراع كبيراً، إذا ما أصرّت على تبديد التفويض الذي منحته إياها الكتلة الشعبية المؤيدة لصباحي (وجزئياً لأبو الفتوح). تفويض يقضي ببلورة تحالف تاريخي بين مرشحي الثورة الفعليين (لا الصوريين) يصعّد المعركة مع الإخوان و«الفلول» إلى حدود المواجهة الشاملة على عنوانين أساسيين: إعادة الاعتبار إلى السياسة بما هي صراع فعلي (لا صوري) بين يمين ويسار على تحقيق مصلحة الشعب الذي اختار معركته بوضوح يحسد عليه، مصالح الطبقات الشعبية في العمل والصحة والضمان الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة وفرض الضرائب التصاعدية على أرباح الشركات والمصارف و... إلخ هي ألف باء الصراع على من يحكم مصر في المستقبل، وعلى من يعيد إلى الصراع ذاك بعده الطبقي الفعلي. بالمناسبة، لماذا كلما حاول المرء الإشارة إلى هذا البعد من أبعاد الصراع يجري إسكاته فوراً وتهميشه وطرده من جنة الميديا العميلة لرأس المال الكومبرادوري؟ اسألوا ناشر جريدة الشروق، إبراهيم المعلم، أو صاحب إمبراطورية أوراسكوم تيليكوم نجيب ساويرس، أو نظراءهما في لبنان وسوريا وليبيا واليمن وتونس وباقي ميادين الصراع. اسألوهم فحسب من دون أن تنتظروا الجواب.

* كاتب سوري