«... فكِّر في هذا وانظر هل يفي تعبك وتغريبك لجيشك وعسكرك وإنفاقك الأموال وتجهيزك الرجال وتكلُّفك الأخطار وتحمُّلك المشاق لطلبي، وأنا خالي الدرع سليم النفس، وهيبتك تنقص ثم لا تظفر من بلدي بطائل ولا تصل منه إلى مال أو حال ...؟».

من رسالة أبي سعيد الجنابي إلى المعتضد

مرَّ أكثر من عام على انتفاضة دوار اللؤلؤة في المنامة (الثورة المغدورة)، التي قُمعت بصورة دموية باستقدام قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية (يسميه البحرينيون احتلالاً) وبالاستعانة بقوات أو عناصر أو خبرات أمنية من بلدان أخرى، من بينها الأردن (أعلن الأردنيون أن ذلك التدخل «ليس باسمنا»). وبعدما ظنّ هؤلاء أن «غزوة» اللؤلؤة قد حققت النصر المبين على «المرتدين» الذين طالبوا بحقوقهم الطبيعية التي وُلدت معهم، بتجرؤهم على ولاة الأمر وشق عصا الطاعة لهم، وأنها سحقت الحركة الشعبية تماماً وإلى الأبد، شهدنا كيف انبعثت تلك الحركة من جديد في ذكراها الأولى.

استحضار التاريخ للعبرة، لا لإسقاطه على الحاضر

ابتداءً، لستُ من محبّي إسقاط التاريخ على الواقع الراهن في المقالات، فالتاريخ كما يعلم الجميع لا يعيد نفسه، لكنني هنا أسعى وراء ضرب الأمثال واستخلاص العبر وإبراز أهمية التاريخ، بامتداداته وظلاله التي تطوف في سماء حاضره وتحمل علاماته وبصماته، في حياة أي شعب وفي روحه على وجه الخصوص، وكيف يساعده بالتالي على استشراف مستقبله.
فما لا تعرفه الأطراف التي تدخلت في شؤون البحرين وشاركت في قمع الانتفاضة الشعبية (وهذا جهل) أو تنكره (وهذا مرض) أن في البحرين شعباً له تاريخ ممتد وجذور عميقة وتراث غني في مقاومة التدخل والظلم وإرساء العدالة والمساواة، فضلاً عن التنظيم والتكتيك، منذ حمدان بن الأشعث في سواد الكوفة في الثلث الأخير من القرن الثالث للهجرة حتى سقوط دولة «الألفة» التي أُنشئت في البحرين والتي زاد عمرها على عمر العديد من الدويلات العربية الحديثة «المستقلة» التي تدخلت فيها مجتمعةً.

«الألفة» بين ثورة حمدان ودولة أبي سعيد

لعل نظرة سريعة على ما هو رئيسي في أفكار وتنظيم ودولة ثورة الفلاحين والحرفيين (الصنّاع)، الذين سُمّوا القرامطة، تعطينا فكرة مختلفة تماماً عن الأفكار السائدة عنهم، بل نقيضاً للصورة التي رسمها الخلفاء العباسيون وأتباعهم ككفرة وزنادقة وخارجين عن الملة والجماعة وفجار إباحيين مجرَّدين من كل خلق أو ضمير لا يراعون إلّاً ولا ذمة، وأبالسة في أثواب بشر.
فقد ذكرت مصادر عديدة أن حمدان بن الأشعث، الملقب بقرمط، وهو الداعية الثاني للحركة المعارضة للخلافة العباسية في سواد الكوفة، التي سُمّيت باسمه، وضع نظاماً مالياً منضبطاً لحركته، فبدأ أثناء العمل السري، بجمع «الفطرة» من أتباعه، وقيمتها درهم واحد عن كل شخص، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى. ثم طلب منهم دفع «الهجرة»، وقيمتها دينار واحد عن كل من بلغ سن الرشد، وذلك لتأسيس دار الهجرة وصيانتها؛ وكان القادرون يدفعونها عن غير القادرين. ثم ما لبث أن طلب منهم دفع «البلغة»، وقيمتها سبعة دنانير؛ والبلغة معناها كمية الغذاء الضرورية لاستمرار الحياة. وبعد ذلك طلب منهم «الخُمس»، أي خمس ما يملكون ويكسبون. ولما لمس حماستهم وقناعتهم التامة، انتهى بهم إلى نظام «الأُلفة». والألفة تعني «أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد، وأن يكونوا فيها أسوة واحدة ولا يفضُل أحد منهم صاحبه أو أخاه في ملك يملكه، حتى إنه لم يبق في ملكية الفرد في الحركة إلا ثيابه وسلاحه».
هذا عن الثورة، أما في ما يتعلق بالدولة، فإن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أنه في دولة البحرين القرمطية كان الزعيم مجرد «أول بين مُثلاء» أو «أول بين أَسواء»، على حد تعبير المستشرق الهولندي دي خويه وبندلي جوزي، في مجلس للحكم يُطلق عليه اسم «العقدانية»، أي أهل العقد والحل، يتشاورون في كل صغيرة وكبيرة. وأما في ما يتعلق بالملكية فيصف المقريزي مجتمعهم على هذا النحو: «حتى إن الشاة إذ ذُبحت، يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من يُرسل لهم، ويُجزُّ الصوف والشعر من الغنم ويُفرَّق على من يغزله، ثم يُدفع إلى من ينسجه عُبياً وأكسية وغرائر، ويُفتل منه حبال ويُسلَّم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرازي القرب والروايا والمزاد. وما كان من الجلد ما يصلح نعالاً وخفاً عُمل منه. ثم يُجمع بعد ذلك كله إلى خزائن».
ويذكر الرحالة ناصر خسرو الذي زار دولتهم في عام 442 للهجرة أنهم «لا يأخذون عشوراً من الرعية، وإذا افتقر إنسان أو استدان، فإنهم يتعهدونه حتى يتيسر عمله، وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدة وآلات ويردَّ إلى الحكام ما أخذ متى يشاء ... وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً، ويدفع السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين ...» وهذا يعني أن دولة القرامطة في البحرين كانت دولة رعاية اجتماعية على نحو لافت، بل إن بعض الدارسين المعاصرين يذهبون إلى الاعتقاد بأنها كانت دولة «اشتراكية».
لم يكن أنصار دولة الألفة يخشون جحافل الجيوش، ولم تُجدِ معهم سياسة العصا والجزرة، ولم تردعهم أساليب التعذيب. ففي أولى معارك الخليفة العباسي المعتضد مع القوات القرمطية، عاد جنوده الكُثر يجرُّون أذيال الهزيمة على أيدي نفر قليل من المقاتلين القرامطة. ولما بلغه الأمر، استشاط المعتضد غضباً إلى حد سبِّ جيشه: «لعنة الله على نيّف وثمانين ألفاً يهزمهم ألفان وسبعمئة». وعندما سُئل أحدهم عن سر انتصارهم ذاك، وهم القلة القليلة، أجاب: «نحن نطلب نجاتنا في الثبات وهم يطلبونها في الهرب».
وكان أبو سعيد الجنابي، عندما علم بقيام المعتضد بتجريد جيش عرمرم لمهاجمة البحرين، أرسل له رسالته الشهيرة التي قلَّب فيها كل احتمالات المعركة وانتهى إلى حتمية انتصاره وهزيمته جيش المعتضد:
«... فو الله لو أنفذتَ لي جيشاً من الجيوش مع الثلج والريح والندى فيجيئون من المسافة البعيدة والطريق الشاق، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، فإنما غرضهم أن يبدوا عذراً في مواقعتنا ساعة ثم يهربون ... وأكثر ما تقدر عليه أن يجيئوا فيستريحوا ويقيموا ويكونوا عدة لا قِبل لي بهم، فيهزموني إذا قاتلوني، ولا يقدر جيشك على أكثر من ذلك. فما هو إلا أن أنهزم حتى قد بعدتُ عن هذا الموضع عشرين فرسخاً أو ثلاثين فأجول في الصحراء شهراً أو اثنين ثم أكبسهم على حين غرة فأقتل جميعهم. وإن لم يستو هذا لي وكانوا متحررين، فما يمكنهم الطواف خلفي في البراري، ثم لا يحملهم البلد في المقام ولا الزاد. فإن انصرف الجمهور، وبقي الأقل فهم قتلى سيوفي ... ففكِّر في هذا وانظر هل يفي تعبك وتغريبك لجيشك وعسكرك وإنفاقك الأموال وتجهيزك الرجال وتكلُّفك الأخطار وتحمُّلك المشاق لطلبي، وأنا خالي الدرع سليم النفس، وهيبتك تنقص ثم لا تظفر من بلدي بطائل ولا تصل منه إلى مال أو حال ...؟».
أما هول التعذيب الذي تعرَّض له القرامطة، فإنه يظهر صارخاً في إحدى الحالات التي كتب عنها الطبري، حيث قدَّم وصفاً تفصيلياً لتعذيب أول أسير قرمطي قبل مقتله: «... ثم أُمر به فقُلعت أضراسه، ثم خُلع بمد إحدى يديه فيما ذُكر ببكرة وعُلِّق في الأخرى صخرة وتُرك على حاله تلك من نصف النهار إلى المغرب، ثم قُطعت يداه ورجلاه من غد ذلك اليوم وضُربت عنقه وصُلب بالجانب الشرقي، ثم حُملت جثته بعد أيام إلى الياسرية فصُلب مع مَن صُلب هناك من القرامطة». ويقول المسعودي إن المعتضد كان يتفنن في تعذيبهم كأن «يسدّ أنف الأسير وأذنيه وفمه وينفخه ويبقيه على تلك الحال حتى تخرج روحه من دبره». أما مأساة الحلاج في محاكمته وتعذيبه وصلبه وقتله فمعروفة للجميع.
وكان الكتاب القرامطة يتمتعون بصلابة غير عادية أمام الإغراءات وتحمُّلٍ مشهود له للحرمان وضنك العيش، إلى حد أن بعضهم أكل الحشائش البرية مع المواشي، كما فعل أبو حيان التوحيدي، أحد أكبر كتّاب عصره، وانتحر آخرون بعدما ضاقت بهم الدنيا بما رحبت. وإذا سقط قلم أو وهنَ ضمير، أو تصوَّروا ذلك، انبرى كتّابهم وشعراؤهم لفضحه والتنديد به وتناوله بأقذع لسان. فهذا ابن لنكك يهجو المتنبي، أعظم شعراء عصره، غير متهيب من شهرته ومكانته المرموقة وشاعريته العملاقة وسلاطة لسانه، لأن الأخير رأى أن صاحبه تخلَّى عن قضيتهم في سبيل طموحه الشخصي، ويهاجمه بأبيات مقذعة، على ركاكتها، مع أن هناك من يعتبر أن المتنبي كان يخطط، على طريقته، لإقامة إمارة قرمطية:

«ما أوقح المتنبي فيما حكى وادّعاه
أُبيح مالاً عظيماً حتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناهُ من ذاك كان غناه».


وفي إحدى رسائله، يصف بديع الزمان الهمذاني، وهو أحد كتابهم، أصحاب الأقلام المأجورة من الكتَّاب على أبلغ وأعمق نحو: «ما اتسعتْ دورهم إلا ضاقت صدورهم، ولا أُوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا نقص معروفهم، ولا ورمت أكياسهم إلا ورمت أنوفهم، ولا صلحت أحوالهم إلا فسدت أعمالهم، ولا فاض جاههم إلا غاصت مياههم، ولا لانتْ برودهم إلا صلبت خدودهم».
ولم تستطع ظروف القمع الحالكة والتضييق وفرض القيود المشددة عليهم أن تحول دون توصيل آرائهم وأفكارهم بأشكال مختلفة. فعندما اتخذت السلطة المركزية في بغداد تدابير تعسفية بحظر نسْخ وبيع وتداول كتب القرامطة وكتاباتهم، لجأوا إلى الكتابة الرمزية. ويذكر عدد من المؤرخين أن الوراقين في بغداد جُمعوا مرتين وأُجبروا على تقديم تعهد مشفوع بالقسَم بعدم بيع كتب الحلاج والتعاطي بها في المرة الأولى، وبالامتناع عن نسخ كتب الشلمغاني وأتباعه في الثانية. وكانوا قد جُلبوا على عجل في عهد المعتضد وأقسموا أن يمتنعوا عن نسخ كتب الفلسفة والتعاطي بها. وقد أكّد إخوان الصفا بوضوح كاف كيف استخدموا الترميز: «وجب علينا وصلُح لنا أن نُخفي ما نريد أن نكشفه ونستر ما نريد أن نوضحه بعلامات ينغلق معناها ويعتاص حلها ويعسر فتحها إلا على من هو من أهلها». فما بالك اليوم مع ثورة الاتصالات وتقانة المعلومات ودخول الشبكة العنكبوتية إلى حجرات النوم والانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي.
أما السلاح القديم الجديد، سلاح رمي الخصوم والمعارضين بالزندقة والإلحاد، فتكاد لا تسلم منه معارضة في التاريخ العربي الإسلامي. وهو حقاً سلاح لئيم، وعلى الرغم من أنه لم يلغْ في لحم أحد كما ولغَ في لحم القرامطة، ولم يشوِّه صورة أحد مثلما شوَّه صورتهم، فإنهم لم يستسلموا له ولم ينكمشوا ولم يصغِّروا أكتافهم، وإنما فعلوا كل ما بوسعهم لكسب الأنصار والمتعاطفين من بين الفقراء والمستضعفين والمظلومين.
ففي رد أبي طاهر الجانبي، الزعيم الثاني لدولة البحرين القرمطية، على الخليفة المقتدر بالله الذي كان قد اتهمه بالكفر وارتكاب الفواحش، لم يفزع من تلك التهمة ولم يرتبك أو يضع نفسه في موضع الدفاع كمتهم، وإنما شنَّ هجوماً معاكساً عليه وعلى حاشيته وأبواقه، مُعيداً السهم إلى نحر مُطلقه ومُلصقاً التهمة بصاحبها: «خبِّرني أيها المحتج لهم والمُناظر عنهم في أي حد من كتاب الله وأي خبر عن رسول الله إباحة شرب الخمور وضرب الطنبور وعزف القيان ومعانقة الغلمان، وقد جمعوا الأموال من ظهور الأيتام واحتووها من وجوه الحرام ...».
ثم يزيد أبو طاهر على ذلك بالسخرية من المقتدر وتسفيهه والحط من شأنه. وقد كانت تلك طريقتهم في تأليب العامة على السلطان وتشجيعهم على انتقاده، أي من خلال الانتقاص من هيبته وتبديد الهالة المحيطة به؛ فيسخر أولاً من تسميته بالمقتدر وأمير المؤمنين، مع أنه أضعف الخلفاء العباسيين، حتى إن بعض جواري قصره كن يتمتعن بنفوذ سياسي في الدولة ويتدخلن في شؤون القضاء: «أي جيش صدمك فاقتدرتَ عليه! أم أي عدو ساقك فابتدرت إليه! لأنت أمير الفاسقين أولى بك من أمير المؤمنين». وهكذا يُرينا تاريخ البحرين أن فيها شعباً ومعارضة عصيّين على الترويض، وينبئنا بأن الطغيان والعدوان إلى زوال.
* كاتب أردني