أثارت الدعوة إلى تضمين مطلب إلغاء «الاتفاقية الأمنية» و«اتفاقية الإطار الاستراتيجي» بين العراق ودولة الاحتلال، الولايات المتحدة، في أي مشروع برنامج ديموقراطي لقائمة انتخابية اقترحناها في مقالة سابقة نشرت في «الأخبار»، استغراب البعض، في ما عدّ البعض الآخر هاتين الاتفاقيتين نافلتين، ولا ضرورة للمطالبة بإلغائهما، على اعتبار أنّ الاتفاقية الأمنية تعتبر منتهية ومستنفدة الأغراض بعد إتمام انسحاب قوات الاحتلال، أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فهي، كما قيل، مجرد نص لا أهمية له ومكتوب بعبارات عامة وفضفاضة حول التعاون بين البلدين.

إن القول بأن الاتفاقية الأمنية تعتبر منتهية ومستنفدة الأغراض غير صحيح إطلاقاً. فأولاً، لم يتم التأكد تماماً، حتى الآن، من أنها لا تتضمن أي ملاحق سرية ذات أهداف معينة. وثانياً، هناك فقرات وردت فيها بصيغة مفتوحة وغير محددة بسقف زمني تنفيذي، وخصوصاً ما يتعلق بما تسميه الاتفاقية تقديم الدعم والإسناد والمساعدة المادية واللوجستية إلى الجانب العراقي في شتى الميادين. وثالثاً، صحيح أن الوجود العسكري الرئيسي والمباشر للاحتلال سُحِب، ولكنَّ وجوداً عسكرياً غير مباشر للاحتلال بصفة مدربين ومستشارين، أعدادهم بالآلاف وليس بالمئات، ما يزال موجوداً في أضخم سفارة لأميركا في العالم في قلب بغداد، كما لم يكشف بعد عن العدد الحقيقي الرسمي لهذا الوجود العسكري.
أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فأمرها مختلف تماماً، ولا يصح قطعاً وصفها بالمنتهية أو التي استنفدت أغراضها لأنها وضعت لمستقبل بعيد المدى، وهي تعلن ذلك صراحة في إحدى فقراتها التي تقول حرفياً (تظل هذه الاتفاقية سارية المفعول ما لم يقدم أي من الطرفين إخطاراً خطياً إلى الطرف الآخر بنيّته على إنهاء العمل بها، ويسري مفعول الإنهاء بعد عام واحد من تاريخ مثل هذا الإخطار). فلنمعن النظر في هذا الشرط، وحتى لو أراد العراق إلغاء هذه الاتفاقية، فلن يتم له ذلك إلا بعد مرور عام كامل، يمكن للولايات المتحدة أن تفعل خلاله «الأعاجيب»!
في هذه الفقرة يكمن أحد الأخطار التي تهدد الاستقلال والسيادة العراقيتين غير المكتملتين بفعل استمرار خضوع العراق للوصاية الدولية تحت اسم بنود الفصل السابع للأمم المتحدة. بعض الخبراء الاستراتيجيين اعتبروا الوضع المفروض على العراق، اليوم، أكثر قسوة وثقلاً من الوصاية الاستعمارية القديمة، فهذا البلد ما يزال تحت طائلة نص دولي ملزم يبيح استخدام القوة ضده عند تهديده الأمن والسلم، ويعطي للجهة الدولية وهي مجلس الأمن الدولي صلاحية اتخاذ القرارات دون الرجوع الى البلد المعني نفسه، مثلما ينص هذا الفصل حرفياً.
بالعودة إلى موضوع «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» نسجل عدة مُغَيَّبات تتعلق بها:
إنّ الاسم الكامل لهذه الاتفاقية هو «اتفاق الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة». وقد عبَّر عن أهدافها بوضوح أحد مؤيديها هو الكاتب سامر مؤيد الذي اعتبر أن دواعي وأهداف عقد هذه الاتفاقية واستجلاء أهميتها تكمن «في ترسيم أفق العلاقات المستقبلية بين البلدين في سياق الرغبة المشتركة لإقامة علاقة طويلة الأمد، وتلبية الحاجة لتوفير الدعم اللازم لإنجاح العملية السياسية في العراق». هي إذاً اتفاقية مخصصة لمستقبل طويل الأمد وهدفها توفير الدعم للعملية السياسية في العراق، أي لنظام انتخابي قائم على أسس محاصصة طائفية وعرقية. أما مشروعية هذه الاتفاقية فهي موضع شك كبير: كشف الباحث العراقي فؤاد قاسم الأمير في دراسة حديثة له أن هاتين الاتفاقيتين تم تمريرهما في مجلس النواب العراقي دون الحصول على ثلثي الأصوات كما ينص الدستور، وفي وقت قياسي لم يتسنّ فيه للنواب قراءة أو مناقشة أو تعديل أي شيء فيهما، بل عُرضتا للتصويت يوم 27/11/2008دون أنْ يطلع عليهما النواب قبل ذلك.
من جهة أخرى، فإذا كان مجلس النواب العراقي قد مرر الاتفاقيتين بالشكل الهزيل الذي تقدم وصفه، فإن المُشَرِّعين الأميركيين في «الكونغرس» لم يشرِّعوا الاتفاقيتين حتى الآن، وهذا يعني أن العراق هو الطرف الوحيد الذي ألزم نفسه بالخضوع لأحكامهما، أما أميركا فليست في هذا الوارد.
إن الموضوعة القائلة بأن «اتفاقية الإطار الاستراتيجي تعتبر نافلة، ومصوغة بعبارات إنشائية وفضفاضة كأي معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين» هي محاولة يائسة لنفي اتهام الاتفاقية بأنها تكرس تبعية العراق على المستوى الاستراتيجي للولايات المتحدة، بما يؤدي الى إدماجه في الاقتصاد المقود من قبل هذه الدولة الإمبريالية التي دمرته وقتلت مئات الآلاف من العراقيين. لتفنيد هذه الموضوعة، سنحتج بما كتبه أحد المدافعين عن هذه الاتفاقية، تقدم ذكره قبل قليل، وقيّم فيها إيجابياً هذه الاتفاقية لأنها مثلما قال تضع الإطار التفصيلي لمسار العلاقة والتعاون المستقبلي بين الحكومة العراقية والحكومة الأميركية في شتى الميادين بما يفترض أنه سيسهم في تعزيز وتنمية التجربة الديموقراطية في العراق على أساس الاحترام المتبادل والمعايير المعترف بها للقانون الدولي، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. ولكنه اعترف بالحقيقة، وإنْ بلغة قابلة للتأويل سياسياً، فأضاف قائلاً (إنّ مثل هذه الاتفاقية تعدّ بمثابة سلاح الرمق الأخير الذي سيحفظ ماء وجه الإدارة الجمهورية عند لحظة الوداع أمام الزحف الديموقراطي).
هي إذاً معاهدة تكتيكية أراد بها الجمهوريون الحفاظ على مصالح أميركا الاستراتيجية في العراق وجني ثمار حربهم بطريقة أخرى وصدِّ تقدم الحزب الديموقراطي الذي أوصل أوباما إلى الرئاسة، فوجد هذا الأخير الثمرة العراقية ناضجة في انتظاره. أما قول د. سامر بأن الشعب العراقي لن يكون بعيداً (عن دائرة تحصيل المغانم المترتبة على عقد مثل هذه الاتفاقية، طالما مثَّل الغاية التي تنشدها أيه حكومة ديموقراطية تسعى إلى البقاء على سدة الحكم بالاستناد إلى شرعية صناديق الاقتراع). فهو كلام ملقى على العواهن ليس إلا، وليس له سند من الحقيقة على أرض الواقع. ومن الدلالات المهمة قوله إنّ الولايات المتحدة استثمرت تجربتها التاريخية في ألمانيا واليابان لإعادة الارتباط والتوازن بين حلقات الأمن والتنمية لتحريك القاطرة السياسية بقصد توفير الحاضنة الآمنة لمصالحها الحيوية في هذه الرقعة الساخنة من العالم. فالعراق في سبيله، إذاً، أو هو واقع فعلاً، في نمط من التبعية للولايات المتحدة لا تختلف في شيء عن تبعية اليابان وألمانيا فاقدتي السيادة لها، إلا في شيء واحد هو أن العراق سيكون محروماً من ثمار الصعود الاقتصادي والعلمي والمالي الذي جنته هاتان الدولتان وسيبقى محكوماً من قبل ميليشيات وأحزاب الطوائف والعرقيات المتخلفة. إنّ الكلام عن تبعية العراق الاستراتيجية للولايات المتحدة ليس افتراضاً أو تخميناً، بل هو واقع حال وقد اختارت هذه الدولة الإمبريالية أساليب في منتهى الدهاء لربط العراق بها عن طريق صفقات التسليح الضخمة والابتزاز بالفصل السابع وتحريك حلفائها كالكويت جنوباً لقطع العراق عن الخليج العربي بواسطة ميناء مبارك الكبير، ودعم تركيا في مشروعها لقطع وتجفيف دجلة والفرات وغير ذلك من أساليب وممارسات تتكشف يوماً بعد آخر.
أما عن التناقضات الصارخة التي تعج بها اتفاقية الإطار الاستراتيجي، فيمكن أن نكرر ما ذكره الكثيرون عن التناقضات التي يعج بها نص هذه الاتفاقية المهزلة كزعم أصحابها الاستناد إلى مبادئ الاحترام المتبادل والمعايير المعترف بها في القانون الدولي، فيما هي نتاج لحرب غزو واحتلال مدمرة شنتها الولايات المتحدة، أي الطرف الأول، على العراق الذي هو الطرف الثاني فيها. أو كزعمهم التقيد بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، في حين تؤكد الاتفاقية في قسمها الثاني على أنّ الولايات المتحدة ستبذل أقصى جهودها لدعم وتعزيز الديموقراطية ومؤسساتها في العراق. أفلا يعتبر ذلك شكلاً من أشكال التدخل في الشأن الداخلي العراقي؟ أما عن التبعية، فهناك اعتراف مباشر يسقط كل ادعاء بالاستقلالية جاء على لسان الكاتب المدافع عنها نفسه وقال فيه (وفي هذا السياق ينبغي التحذير من مغبة التبعية وانعكاساتها على النظام والمجتمع العراقي، ففي علاقة بين طرفين أحدهما بحجم الولايات المتحدة الأميركية والآخر بحجم العراق، لا بد من أن تميل كفة التبعية والتأثير لمصلحة الطرف الأول على حساب الطرف الثاني، فتصبح سياسات العراق رهناً بإرادة الولايات المتحدة، ولا سيما في الجوانب التي تنظمها هذه الاتفاقية وحيثما ترد الحاجة). أما عن الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي ستحل بالعراق نتيجة قذف العراق في ما يسميه الباحث «أتون الانفتاح على السوق العالمي الذي هندست فضاءه هذه الاتفاقية في ضوء مرامي القسمين الخامس والسادس» فستكون أخطر من أي شيء آخر جرى التحذير منه حتى الآن. إن هذا الباحث الذي لا يخفي تأييده لهذه الاتفاقية يحذر مرة أخرى من تآكل حدود السيادة الوطنية، وتتعرض بنى الدولة العراقية الجديدة بصورة غير محسوبة لتقلبات ومتطلبات ذلك السوق العالمي المتماهي الأبعاد والحدود، الأمر الذي سيؤدي إلى حدوث تشوهات وتصدعات خطيرة في الهوية الوطنية والثقافية والبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العراقي. ولكنه، وهذا أمر يثير الاستغراب والعجب فعلاً، يعتبر هذه الكوارث مجتمعة ليس إلا ثمناً بخساً سيدفعه العراق من جراء فتح أبوابه على محيط العولمة المتلاطم عبر نافذة الاتفاقية ومتطلباتها. أما الخلاصة التي يخلص إليها فإن مقدمتها المتفائلة تتعاكس مع نهايتها المتشائمة، إذ يحاول الدمج بين ما يسميه «خطى واعدة تقطعها هذه الاتفاقية على صعيد تنمية العراق» وبين «تحديات ستواجهها الحكومة في حماية مجتمعها ومواطنيها من مخاطر الاندماج في ملكوت العولمة»، فهل يتعلق الأمر بمجرد تحديات أم كوارث محتمة الوقوع؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فلماذا لا نجنب العراق وشعبه هذه الكوارث بأن نقطع جذرها بإلغاء هاتين الاتفاقيتين الخطرتين مع دولة الاحتلال، ونتوجه شرقاً بمشروع تنموي واجتماعي وحضاري مستقل وديموقراطي، نحو القوى الصاعدة كالهند والصين وروسيا وليس باتجاه الغرب المنحدر صوب الفوضى والإفلاس والانهيار التام والذي بدأت تباشيره تلوح من اليونان وستلحق بها إسبانيا وإيطاليا وحتى الولايات المتحدة ذاتها، وهي صاحبة أكبر مديونية خارجية وداخلية في تاريخ البشرية فاقت أحد عشر تريليون دولار؟
* كاتب عراقي