العودة. شعار تخرج به الأموال المختفية في حسابات معقدة أو تحت أغطية مصرفية ثقيلة. إنّها الفرصة الأخيرة للتمساح النائم. هذه دولته والثورة عابرة الانتخابات احتفال مثالي للعودة. احتفال يشارك فيه الجميع أو يتورطون، للسير على إيقاع يجعل من الثورة مجرد حملة نظافة للنظام القديم. تظهر أنياب الدولة العميقة في الشائعات المستوحاة من أساطير شراستها ودفاعها الشرس عن بنيانها المتهافت في الداخل بغلاف متماسك.


ماذا لديها لتعود؟ لديها شبكة مصالح خفية تبحث عن إعادة تشغيل، ليعاد ربط كتلة البيروقراطية بكتل الثورة لتدار الماكينات المعطلة وتسير المياه في الأنابيب من جديد. البنية كما هي تبحث عن محفز لتفاعل جديد، ومخصب يحقن الجسد النائم في البحيرات المسحورة، بأفكار الثورة ليتحصن منها، ولتشحنه من أجل سنوات جديدة، كما حدث عندما تجددت كلّ الأنظمة في الدولة الحديثة على بنية اخترعها وصاغها محمد علي. لم تختلف الملكية عن الجمهورية الا قليلاً، الرئيس ملك عائلته من الجيش. والملك استثنائي بطولته حاضرة كما كل رئيس، والتوريث هو تداول في السلطة بين ورثة من الدم الأزرق (في العائلة) أو الكاكي (من الثكن). مبارك أراد خلط التجارب والعينات ليكون وريثه من العائلة رئيساً للجمهورية. اختلاط دماء، وأساليب قادت الى نهايته او كارثته، التي عاقبته آلهة الدولة بالنفي الى أماكن معقمة (شرم الشيخ/ المركز الطبي) لكي لا يصبح عقابه سابقة يقاس عليها.... فالمحاكمة هنا تدمير للنظام (الملك ترك عرشه بخطاب يتنازل فيه ابنه، ومبارك تنازل عن سلطته لمجلسه العسكري). التنازل ثم النفي ضمانات لاستمرار «شرعية» على الورق في دولة شرعيتها من قوتها لا من شيء آخر.
تسير الدولة في مصر على تقاليد تخصها وحدها. تستوعب الثورات وتغيّر النخب وفق مشيئة الغالب المسيطر، والمستمر، والمتحكم في طبيعة التغيير. وهذا ما يجعل الاحتقان مستمراً مع حدث خارج المنهج مثل ثورة «25 يناير». المجتمع وضع أصابعه في شرخ السلطة ووسعها، وتريد السلطة استعادة صلابة سبيكتها بنزع أصابع المجتمع، أو تذويبها وانصهارها في سبيكة جديدة. الرئيس هنا هو جسر العودة الى سريان دولة تعطل تأسيسها منذ لحظة ولادتها، هذا اذا دخل في شيفرة لسلطة واعاد إليها حيويتها المفقودة، او دفعها الى الصدام الجديد مع المجتمع. ليس امام الرئيس الا الذوبان او الصدام. الذوبان قد ينتج مركباً جديداً لسبيكة السلطة، حسب قوة عنصر الرئيس وفاعليته، او يعيد انتاج السبيكة القديمة بكل شوائبها. اما الصدام، فسيحدث عاجلاً او اجلاً، حسب حنكة اجهزة الدولة العميقة، وايضاً حسب هندسة الفراغ السياسي الجديد، بعد انتخابات الرئاسة. ماذا سيفعل الرئيس مع الدولة العميقة؟ الرئيس مهمته كما يبدو من سير الاحداث منذ ١١ شباط/ فبراير، هي التفاوض مع العسكر والدولة العميقة. يبحث العسكر منذ بداية الثورة عن مفاوضين من المدنيين ليرسموا موقعهم في الجمهورية الجديدة. هم لا يريدونها جديدة، ويخططون لاستمرار بنيتها العميقة مع تساقط طبقة الطلاء القديم. الدولة العميقة في مصر لا تدافع عن أيديولوجية دولة (علمانية مثلاً) او توجهاتها (قومية ترتبط بالعروبة مثلاً)، لكنّها تدافع عن مجموعة مصالح متضاربة بما يعني تحوّلها الى مافيا كاملة الأوصاف.
الدولة العميقة في تحوّلها الى مافيا، تمنح تحوّلها ملامحها النبيلة المعتادة، وتصوّر أنّ وجودها هو مصلحة الدولة العليا. وهنا يمكنها ان تقنع القطاعات المذعورة من هجمة الإسلاميين بأنّ مدنية الدولة في يدها، بينما توحي للإسلاميين بأنّها تريد تحجيم العلمانيين. لا تنجح الدولة العميقة/المافيا الا بترسيم المعسكرات وفق استقطاب يزداد عنفاً، ويتخذ ملامح حرب اهلية باردة (تسخن احياناً، لكن ليس الى درجة تعكس عدم السيطرة). المفاتيح كلّها إذن في يد الدولة العميقة بأداء المافيوزو الطيب. يقتل الثوار في الشارع ويبكي عليهم امام الشاشات ثم يدعو الشعب الى العرس الديموقراطي. وهو عرس يبدو في كلّ مرة عبثياً، وتحت تهديد السلاح، إذ حدثت انتخابات البرلمان في ظلّ موقعة محمد محمود، والرئاسة ستجري في ظل موقعة العباسية. في كلّ موقعة رسالة اعلان قوة بالسلاح، والغموض، وبالاختلاف حول جدوى الصراع مع المجلس العسكري. في محمد محمود نفذ البرلمان المنتخب في العرس الديموقراطي ما اراده المجلس العسكري، وفي العباسية لم يبق مدافعاً عن حق المعتصمين الا شريحة ثوار لا يزالون يحتفظون بنقاوة فكرة «٢٥ يناير». هنا يبدو مسار الانتخابات كأنّه يسحب دائماً بعيداً عن الثورة، ووفق ايقاع المجلس العسكري ترسيخاً لقوته. فالاستقطاب بعد الاستفتاء حدث في ظل فوران التنظيمات الاسلامية السعيدة برضى الدولة العميقة عنها، وارتباك الليبراليين بين الفزع من اعادة انتاج طالبان والدفاع عن افكار استهلكها نظام مبارك، ليجعل بها الاستبداد أنيقاً. هكذا لم تعد مهمةً اسئلة من نوع: اين الجدل الدائر حول الدستور اولاً ام الانتخابات اولاً؟ الدستور لا يزال في ثلاجة البرلمان الذي ينتظر رصاصة الرحمة من المحكمة الدستورية، والانتخابات تدار باعلان دستوري يضع فيه المجلس العسكري صلاحيات الرئيس، ويغيّر شكل الدولة. أي إنّ الانتخابات ستحصل قبل ان نفهم او نعرف صلاحيات الرئيس.
العبث اذن منتج من منتجات مافيا الدولة العميقة، التي تعمل بدون جهاز سياسي ولا تشكيلة اجتماعية تدافع عنها. لم يبق لها إلا بلطجية ورجال اعمال لا يريدون ممارسة السياسة، لكنّهم يسارعون إلى دفع الاموال في العمليات القذرة التي يعودون من خلالها إذا فاز مرشحهم (الأصلي او البديل). العودة اذن هي الحلم المعلق بالتصويت في انتخابات الرئاسة، وهي مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى من حملوا تصاريح تكوين الثروات ايام مبارك، واختفوا في السراديب الفترة السابقة، لأنّهم كانوا بلا مركز في اعلى السلطة. الآن امامهم فرصة للوصول من جديد، وإعادة تشغيل ماكينات النظام.
هكذا يحركهم خيال العودة إلى الحركة الشرسة من أجل تثبيت مرشح، وهم لا يعرفون مشاعر الدولة العميقة التي اضطرت في آخر سنوات مبارك إلى حماية من تراهم اليوم أغبياء، دفعوا النظام الى الكارثة. هل تحب الدولة العميقة رئيساً تدعمه شبكات الاموال من السراديب؟ أم تفضل رئيساً ملامحه ثورية، لكنّه لا يتصادم مع الدولة العميقة ولا يخطط لتفكيك الاستبداد، لترتاح الدولة العميقة بعد شهور من الدفاع عن استقرارها الذي كان صعباً؟ من الأسهل في التفاوض؟ من الأصلح ليكون طرفاً في علاقة حب معقدة؟ الصلاحية هنا نسبية، وحسب نجاح الرئيس القادم في صنع معادلته الخاصة. هل الرئيس الفلول سيخلص إلى النهاية لكتلته الانتخابية؟ والرئيس صاحب الخلفية الثورية، هل يتصادم مع البنية المستقرة للدولة الأمنية وشبكات الرأسمالية المتوحشة، أم يتصالح معها ويكتفي بتهذيب قطاعها المستفز؟ اول رئيس بعد الثورة سيكون إذن إصلاحياً، وسيسقط امام الصراع على هندسة الفراغ السياسي وهي المعركة الأهم أمام الثورة.
كيف يتسع الفراغ امام كتل سياسية، يبدو أنّ ميلها بعيد عن الحسم الايديولوجي المغلق، أميل الى الطيف السياسي منها الى الحزب او الفصيل السياسي، وهذه ميزة ابو الفتوح بالنسبة إلى أنصاره من تيارات تعادي مشروع الدولة الدينية (بدرجاته المتباينة). وهي ايضاً القدرة المضمرة للبرادعي، باعتباره مجمع لطيف واسع يضم ليبراليين ويساريين وسلفيين يلتقون عند بناء دولة حديثة تقبل التعددية، يسمونها مدنية، وهو الاسم المشفر للعلمانية عند فريق البرادعي، بينما الطيف الملتقي حول أبو الفتوح يبدو أميل إلى إعادة تفعيل فكرة الدولة الدينية المغلفة بملامح حديثة. الطيف يكسر الجمود السياسي، ويعيد هندسة الفراغ المغلق الآن أمام قطعان لا سياسية، تتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين على أنّها فرقة ناجية، الرابط بين عضويتها هو مصلحة الجماعة لا اكثر، وفي الطرف الثاني للدولة العميقة وزبائنها من المنتفعين والمتشوقين إلى إعادة فتح نادي الحظ للحبايب والمحاسيب. المنافسة على نادي الحظ هي كل ما في الفراغ السياسي المحكوم بإيقاع العلاقة بين الدولة والجماعة، لكن الانتخابات الرئاسية ستفتح المجال السياسي أمام هندسة فراغ جديد. ويبقى الرئيس هنا، عنصراً قائماً بذاته، عصياً على التفاعل إن كان ينتمي الى الفراغ السياسي القديم، او ربما يدفع التفاعل الى محطة جديدة من تجديد ماء البحيرة للتمساح، لينام مطمئناً على دولته.




كتكوت يشرب الشاي بالياسمين

يسقط الرئيس القادم. كتكوت لا يحب الشاي بالياسمين. ربما لا يعرفه أو شعر بكراهيته منذ اصبح رمزاً لاستيعاب الثورة. في الفيلم يغلي الشخص غضباً، ويقتحم مكتب رجل الأعمال المسيطر حتى يشرب الشاي بالياسمين، ويعود هادئاً.
الشاي بالياسمين اصبح رمزاً من رموز استيعاب الدولة العميقة للثوار، خاصة من هؤلاء الذين تتطاير الشعارات من افواهم وتبدو حنجرتهم اشجع اجزاء وعيهم. كتكوت لا يعرف الدولة العميقة. ويريد رئيساً يساعده اذا مرض او اذا عجز عن عمله في تصليح اجساد السيارات. يتأكد كتكوت أنّ لا الدولة ولا الرئيس يرون ملايين مثله من «الصنايعية» والعمال الصغار. لا يرونهم الا ساعة التصويت ولهذا يبحث عن رئيس مختلف وسيمنحه صوته، كنوع من الاستثمار في المستقبل.
رحلة كتكوت الى صندوق الانتخابات هي الاولى رغم انّ عمره الآن يلهث باتجاه منتصف الثلاثينيات، فقد كانت الدولة العميقة تتعامل مع الصناديق كما يتعامل سائق التاكسي القديم الذي يضع العداد لكنّه لا يعمل. هكذا، فالدولة العميقة نفسها التي منعت الانتخابات وجعلتها مسرحية، واختارت الرئيس على طريقة الكهنة خلف الستائر السوداء هي نفسها التي ستقول عبر اجهزة دعايتها وعبر مندوبيها المبتسمين على الشاشات وجنرالاتها السعداء بأنفسهم وبلمعة الكواء على بدلاتهم الجديدة، سيقولون إنّ هذه اول انتخابات نزيهة، اي بعد ٦٠ سنة تقريباً من اعلان الجمهورية.
لأول مرة سينتخب كتكوت رئيساً، ولا يصدق انّه من الممكن ان يكون مصرياً من لحم ودم من الذين يراهم صباحاً او مساء. يتصوّر انّه كائن من عجينة اخرى، يمثل دوراً امام الشاشات ثم يعود الى موطنه الطبيعي حيث جزيرة كل من فيها يشبهونه يحكمون ويستمتعون ويتركون لنا الحياة المخيفة لنتعارك فيها على مكان في الميكروباص او المستشفى أو في بيت ٨٠ متراً كاملة. ربما قرأ كتكوت عن رئيس يقبل الناخبين على طريقة جميل راتب في فيلم «طيور الظلام»، أو الآخر الذي يلقي وعوداً براقة وسيجعل المصريين يلعبون التنس على الترعة، أو الذي سيطرق مثل عمر بن الخطاب على ابواب الفقراء ويترك صرة من الدنانير وعشاء ساخن من «الكبابجي». لكنّه يريد رئيساً آخر يعرف أنّ الانتخابات القادمة لن تأتي به، رئيس يعترف بوجوده، ولا يعامله بكل هذه الشفقة والحنان التي تؤكد له انّه سيظل في الهامش، وسينتظر الفتات او يتسوله. فتح كتكوت عينيه على اتساعهما عندما حكينا له عن صانع الأحذية الذي اصبح رئيساً في البرازيل، وعبر بها من بلاد تقتل اطفال الشوارع لكي لا يفسدون منظر الحياة على الاغنياء الى بلد يلامس اقتصادها مناطق الامان والتقدم. هذه هي المعجزة بالنسبة لكتكوت عندما يصبح لمن يعيشون في الهامش مكان داخل دائرة السلطة.
آلاف من المهمشين دخلوا هذه الدائرة، لكنّهم على الباب كانوا يشربون الشاي بالياسمين ويتحوّلون الى كائن سلطوي يتحدث كما يتحدث أهل السلطة ويتصرف كما لو كان منهم او تربى على دروسهم الكهنوتية ودخل شبكات مصالحهم كأنّه ابن مدلل لطبقات تستهلك الماركات العالمية اكثر من صانعيها. كيف سيدخل الرئيس القادم هذه الدائرة؟ هل سيتعامل على أنّه الساحر، صاحب المعجزات الذي يدخل الصحراء فتخضر؟ هل سيحقق العدل بلمسة من يده التي تمتد عبرها يد الشعب؟ ام انّه سيفهم حدود دوره في اللعبة؟ هل سيفهم أنّه لم يعد من الممكن اعادة انتاج عمر بن الخطاب حتى لو كانت النوايا صادقة لأنّ السياسة مثل الصناعة لا يمكن أن تحل فيها أزمات العصر الذي نعيشه بآليات عصر آخر؟ هل سيفهم أنّ النوايا وحدها لا تصنع المعجزات، وأنّ كلّ اشواق المصريين لن تتحقق بمجرد الايمان بأنّ الرئيس هو مبعوث العناية الالهية؟ الرئيس الذي يتصوّر نفسه مبعوث العناية، سيقع في الفخ. سيشرب الشاي بالياسمين ويذوب في الدائرة التي ندور فيها من ٦٠ سنة. لم تكن هناك نوايا طيبة أكثر من نوايا «ضباط يوليو»، ولا ينافس عبد الناصر في النبل أحد من الرؤساء الذين اختارتهم لنا الدائرة نفسها التي حكمت بها الدولة منذ سقوط الملكية.
لكنّهم من فرط شعورهم بالخوف على الشعب اعادوه الى البيت ليحموه من نفسه، من ارادته المزورة. ابعدوه لأنّهم يعرفون مصلحة الدولة. تلك الكلمة الغامضة. كلمة السر في الاستبداد هي الشاي بالياسمين الذي سيخدر الرئيس القادم اذا تصوّر أنّه يمكن ان يحكم بدون تعلم اسلوب التفاوض مع الدولة العميقة التي كما قلت تحوّلت الى مافيا دفاع عن مصالح خفية. هذه المافيا تتصوّر انّ مصلحة الدولة العليا عندها، وانها رغم الخراب الذي اوصلت مصر اليه لا تزال تفهم اكثر في مصلحة الدولة، والرئيس اما ان يدخل في الدائرة او سيتحول الى رئيس عاطفي حنون يبكي على من تذبحهم دولته العميقة. قلت من قبل إنّ اغلب المرشحين بالنسبة لي هم «فضل وبواقي» المجال السياسي لنظام مبارك. هل يمكن ان نصنع جسراً من هذه «الفضل والبواقي» إلى جمهورية جديدة؟






الحرب الأهلية الباردة ورحلة البحث عن استقرار ما بعد الثورة



هذه انتخابات اقل من صانعيها الاساسيين، اولئك الذين لم يضعوا شجاعتهم في الأدراج قبل ١٨ شهراً. لم يكن احد في مصر يفكر في انتخابات الرئاسة، وكان الجميع بمن فيهم الاشاوس من الاخوان وغيرهم، يبحثون عن صفقة يفاضلون فيها بين الأب او الابن من عائلة مبارك. كانت هذه هي الواقعية السياسية قبل «٢٥ يناير» التي فتحت بوابات جديدة أمام العمل السياسي الذي كان محشوراً في مسارات واقعية بين النظام أو الجماعة. الواقعية عادت في الانتخابات الى سطوتها، واضافت انحطاطها. بدا الاعتراف بالعجز مبرراً للدخول في توليفات براغماتية، وتبريرها تبريرات ثورية، او سياسية، رغم انّ الانتخابات في مصر، وعبر سنوات عملية لا سياسية، والسقوط في غواية الجماهير الانتخابية، هي استدعاء لعجز ما قبل الثورة التي قدمت اقتراحات متنوعة من بينها الدخول في حلف انتخابي تحت سطوة اصحاب مشروع دولة الشريعة. هذا احد الاقتراحات البراغماتية، التي يرى اصحابها من اليساريين والليبراليين انّها حل من ظهرُه الى الحائط، او من يريد تفكيك كيانات تشغل الفراغ السياسي عبر ترويج الاستقطاب العلماني ــ الاسلامي. اخلاق اقلية انتخابية يبدو اعترافها بأقليتها مفرطاً، يختصر السياسة في الانتخابات، ولا يعتبر الحلف البراغماتي حلاً بين الحلول، بل الحل الوحيد والمخرج الباقي لكي لا يتحوّل العلمانيون الى اقلية بمعناها الطائفي.
افراط في التركيز على تأثير الانتخابات في صنع السياسة، فالاخوان المنتصرون في معركة البرلمان انتصارهم واقعي لا سياسي، ولم يترجم سياسياً بل تحوّل الى لعنة تجعلهم يهربون الى الامام. كما انّ تعدد الاختيارات والخيارات، هو المخرج من هذه المتاهة اللاسياسية التي يراد بها اعادة غلق المجال السياسي، المختلف بالطبع عن مجالات التشجيع الكروي بالانقسام حول فريقي الاهلي والزمالك.
اللعب على المضمون هنا ليس مضموناً، وفكرة تفتيت الاصوات، ميتافيزيقا جديدة تنطلق من تصور أنّ السياسة تسير فقط وفق المسارات الواقعية او النظرية المعروفة، وليست وليدة ابداع وخروج عن هذه الواقعية. السياسة هي فعل حتمي، من وجهة النظر هذه ، ولا بد من اعادة ترتيبها من داخل هذه الواقعية، ورفض او تجريم محاولات كسرها من خارجها او بعيداً عن حساباتها. وهي رؤية لا تساند في الواقع، رغم تباينها، الواقعية المنحطة التي يروج لها هؤلاء الباحثين عن مكان في قلعة السلطة. مكان سيظل صغيراً لأنّهم وصلوه صغاراً. نعم وصلوه بتآمر على الروح الجديدة من اجل مصلحة قصيرة الاجل. السياسة لعب على المصالح، لكن هناك فرقاً بين ان تلعب بقانون الطفيليات او ان تلعب كالطائر امامه افق مفتوح، وهذا ما اراده الشهداء والشجعان الذين تقدموا الصفوف الاولى والذين كانوا يلقون بهواتفهم المحمولة ليلة موقعة الجمل لكي لا يستمعوا الى توسلات العودة من الميدان. لم ينسحب الثوار بينما كان اغلب اصحاب الاصوات العالية الآن يحجزون ادوارهم امام الكاميرات ليرسلوا تحية الى مبارك على خطابه العاطفي، او ينتظرون من عمر سليمان مكالمة ليعدهم بمكان تحت عين النظام. لم يكن هؤلاء او معظمهم خونة للثورة، لكنّهم كانوا محدودي الافق، نظرتهم اضيق من الاتساع الذي حققته شجاعة الثوار، وارواحهم مرهقة لا تعرف التفكير الا في توسيع شروط العبودية، لا التحرر نهائياً.
لا اخجل الآن وانا اقول إنّك تذهب الى صندوق الانتخابات بواقعية مثل واقعيتهم. كأنك حاربت لتنال الفتات. كأنك دافعت عن بيتك لتسكن حجرة في بيت السلم. هذا ما يجعلني اتأكد انّ محاولتي لتذكيرك لن تعني شيئاً بعدما تحوّلت الانتخابات الى حرب اهلية باردة، لن يخرج منها سالماً من يفوز بالرئاسة، ولا جمهوره، ولا الشعب المنتظر أن تنتهي مسرحية الثورة ليعود الى النوم. الاستقرار لن يعود بوصول شخص جديد الى قصر الرئاسة، ولا صوتك في الصندوق سيخرج منه المارد الذي يضغط لك على زر الاستقرار. لم يعد الاستقرار الى بلد دفع ثمن عبوره الى المستقبل، وحاصروه في الكمين لكي لا يصل لمبتغاه.
لم يعد الاستقرار الى بلد يطارد روح الثورة الذي اخرجها من تحت اطلال ما كان يسمى دولة، ولم يكن في الحقيقة سوى حفرة او «خرابة» تعايش معها الناس فأصبحت عش الاستقرار اللذيذ. هل تنتخب اليوم مرشحاً ليرجع لك الامن في يوم ام ستذهب ارادتك الى مرشح يوزع الرشى اليوم لكي لا يمنعها غداً؟ هل سيذهب صوتك الى من سيحكم بشرع الله؟ ماذا يعني كل هذا وقد نجح الاغواء قبل الاخير للخرابة؟ عادوا الى الخرابة لأنّهم لم يتحملوا بناء دولة نشعر فيها جميعاً بإنسانيتنا، ونغادر فيها زمن العبودية. لم يتحمل عشاق الواقعية تغيير برنامجهم اليومي وروتين حياتهم من اجل ان نرى ما دفع الشهداء والمصابون فاتورته. المعركة لم تنته. بدأت حين كسرنا اقفاص العبودية. لكنّها لا تزال مستمرة بعدما اعيد طلاء الاقفاص وتجددت آليات الترويض ورفعت شعارات الواقعية للقبول بما يلقى من شرفات الدولة العميقة.
الدولة العميقة التي اذكر أنّها ليست عميقة الا في دفاعها عن مجموعات مصالح خفية اي انّها مافيا، تبدو الآن في مرحلة طيبتها. اشترت صناديق جديدة، واقامت السرادق من اجل عرس جديد، وتنتظر الرئيس لتبدأ معه مرحلة اخرى من الترويض.
رئيس بدون دستور، وتتحدد صلاحياته من المجلس العسكري، اي من الواجهة العلنية للدولة العميقة التي تخطط لعودة الشعب الى الاقفاص. هذه الدولة العميقة عادت إلى دورها طاردة الاشباح التي تخيف الشعب قبل النوم. هذه الدولة تعامل الفلول وورثة مبارك بتأفف، وتعد بأنّها ستتصرف مع عفاريت الدولة الدينية، رغم انّها تريد أن تضم كل الاشباح تحت جناحها.
الدولة العميقة لا تحمي الدولة المدنية، لأنّه لم تكن هناك دولة مدنية. كانت دولة استبداد تستخدم كل ما يمكنها ان تستخدمه لتنجح في استبدادها. وطنية ممكن، دين لا يضر، حداثة يا جماله.
دولة الاستبداد اسسها من لا يعرفون في السياسة او القادمون من عالم لاسياسي، وظللت عقيدتهم منع السياسة وتمويتها إلى ان انفجرت «٢٥ يناير» بكل هذا التسييس الذي تحاول كمائن الدولة العميقة مطاردته. اذهب الى الصندوق اذن لكن تهرب من الكمين وقبل ان تضع صوتك في الصندوق انظر الى السماء او حرر نفسك من الاوهام لتشعر بروح الشهيد تدفعك إلى الامام.