يُقال إنّ الشاه الأخير لإيران كان لا يعرف ما يجري في الشارع خارج قصره، لكنّه كان قادراً على مناقشة الخبراء ساعات في مواضيع تخصّصية، كصناعة النّفط وانتاج الفولاذ والطّيران الحربي. من يقرأ كتاب محمّد رضا بهلوي «قصّة الشّاه»، يكتشف أن الرّجل لم يولد ليكون طاغية، أو ليدخل السياسة في المقام الأول، بل هو ببساطة مراهقٌ مهووسٌ بالتقانة وبالأرقام، تماماً كالشبّان ذوي النظارات السميكة، الذين يملأون كليات الهندسة. إلّا أنّ الوراثة ـــــ والارادة الخارجية ـــــ جعلتا منه امبراطوراً. في كتابه، الذي نشره بُعيد اخراجه من الحكم، لا تجد، في فصول كثيرة، أي أثر للسياسة أو للمجتمع، بل تعدادٌ لا ينتهي لارتفاع السد الذي بناه الشاه، وطول الطرق التي شقها الشاه، وترتيب ايران عالمياً في انتاج هذه المادة أو تلك. مفهوم «القوميّة ـــــ التقنية» (techno-nationalism) يجد تعبيره الأقصى، والأكثر رثاثةً، في نظرة الشاه المخلوع الى السياسة والتنمية.


غير أنّ قلب الشّاه كان في المكان الصحيح. لا يمكن أيّ انسان أن يتنطّح للحكم وللشأن العام بغير أن يملك دراية ـــــ بل وشغفاً ـــــ بتقنيات المشاريع الكبرى، التي تمثّل البنية التحتيّة للدولة الحديثة وانعكاسها المباشر في العالم المادّي. أمّا في حالة الأمم التي لا تزال في طور التكوّن، فإنّ تكنولوجيا التنمية تصبح بأهمية تكنولوجيا السياسة. ومن يعرف شيئاً عن التقنيات التي تهزم الطبيعة وتمثّل الجغرافيا وتبني الأمم، فلا بدّ له أن يقع في حبّ أبدع هذه الوسائل وأعرقها: القطار والسكة الحديد.
في 1879، كتب كارل ماركس عن القطار، مشيراً إلى أنّ مد خطوط الحديد هو العلامة الأساس على نشوء اقتصاد صناعيّ حديث، واصفاً القطار بـ«درّة العقد» في الرأسمالية الصناعية. أيّام ماركس، كان القطار في قمّة مجده، لم تكن الطرق السيارة والعربات الشخصية قد راجت بعد، وكانت سكك الحديد هي الوسيلة الوحيدة لنقل البضائع والركاب بكميّات تجارية ولمسافات بعيدة. في أواخر القرن التاسع عشر، كان وصل قرية أو مدينة بالقطار يعني دمجها بالاقتصاد الكوني المعولم، فيما كلّ ناحية من العالم لم تصلها السكة كانت لا تزال تعيش ـــــ بكل المقاييس ـــــ في القرن السابق. السكة الحديد بنت اقتصاداً وطنياً للأمّة الألمانية الوليدة، وألمانيا تمكّنت من القتال بفعاليّة على جبهتين خلال الحرب العالمية الأولى لأنّها كانت تملك شبكة قطارات تمكّنها من نقل ثلاثين فرقة بين الجبهة الشرقية والغربية خلال ساعات ـــــ حينما تدعو الحاجة. في الحقيقة، فإنّ كلّ خطط المانيا الحربية، التي كانت تتحسّب لقيام حرب ضد فرنسا وروسيا في آن واحد، كانت تعتمد على فعالية شبكة القطارات الالمانية. «خطّة شليفين»، التي عدّلت لتصبح «خطّة مولتكة»، صمّمها جنرالات القيصر حتّى يهزم الجيش الالماني فرنسا بسرعة، ويخرجها من الحرب خلال اسابيع، ثمّ ينقل ملايين الجنود الى الجبهة الشرقية للتفرّغ للعدوّ الأخطر والأطول نفساً: روسيا.
حين أراد قياصرة روسيا أن يبنوا دولةً مركزيّة، شقّوا خطّاً حديدياً عبر سيبيريا يصل موسكو بفلاديفوستوك. أغلب المدن والبلدات في الداخل الأميركي ولدت مع بناء خطً السكة العظيم ـــــ الّذي وصل ساحلي القارّة ـــــ وانتشرت على طول خطّ سيره. صار بالإمكان أن يسافر المرء بين نيويورك وسان فرانسيسكو (ابتداءاً من 1869) خلال أقلّ من اسبوع، بدلاً من رحلة برية تستغرق أشهراً على طرقات غير معبّدة وجبال تُغلق الثلوج ممرّاتها أشهراً في السّنة.

أعجوبة الحداثة

من أهمّ ميّزات القطار أنّه استوعب كلّ ابتكارات الحداثة وتطوّر معها وواكب جديدها. أنت حين تستقلّ قطار ركاب سريعاً في فرنسا أو اسبانيا أو اليابان اليوم، فإنّك ستطوي المسافات بسرعة يفوق معدّلها ـــــ في كثير من الأحيان ـــــ 300 كيلومتر في الساعة، أي السرعة نفسها التي يبلغها متسابقو الفورمولا واحد على الحلبة في لحظات الجموح المجنونة. أمّا آخر الصيحات في عالم القطارات، التي لم يجر اعتمادها بعد على نطاق واسع، فهي تقنية «الماغلف»: قطارٌ يطير على وسادة مغناطيسيّة، فلا يلامس السكة، بل يعلوها بأشبار بقوّة التناذر المغناطيسي. ولأنّ قطار «الماغلف» لا يحتكّ بالسّكة، فإنّ الحدّ الوحيد لسرعته هو مقاومة الهواء، بمعنى آخر، يمكن هذا القطار أن يبلغ سرعات تقارن بالطائرة (النماذج الحالية تسير بين 450 ــ 600 كيلومتر في الساعة).
إن شاء أحدٌ أن يُعطي سبباً عقلانياً بارداً حتى نحب القطارات، فهو التالي: اذا أردت أن تنقل أي شيء، بشراً أو جماداً، في رحلة شعاعها 800 كيلومتر، فإنّ القطار يبقى الوسيلة الأفعل والأسهل والأكثر توفيراً من بين كلّ البدائل المتاحة. بصياغة مختلفة: في أغلب الحالات وفي أغلب الأماكن، لا يوجد أي سبب لأيّ بلد حتّى لا يبني قطاراً، ولا توجد أي وسيلة نقل تزاوج بين فعالية القطار وسرعته. لولا القطار، لما تمكنت اميركا اليوم من نقل الفحم، بعشرات ملايين الأطنان سنوياً، من المناجم في الولايات الشمالية الى معامل الطاقة في الشرق والجنوب. لا شيء كالقطار يسمح بنقل أعداد مهولة من البشر بين المدن وداخلها، الطرق السيارة والأوتوسترادات سيخنقها الاكتظاظ قبل أن تنقل عُشر كمية الناس والبضائع التي يتيحها خطّ قطارات مزدوج (ونعرف، من هنا، أنّ بيروت، مثلاً، ستبقى مدينةً فاشلة حتّى يصير فيها نقلٌ عام وخطوط مترو، إذ ليس بإمكان أي مدينة في العالم، ولو كانت مساحتها أضعاف بيروت، أن تتعايش مع مليون سيارة).
حتّى اليوم، لم تزل للقطارات قيمة رمزيّة لا يستهان بها. حين أرادت الصين أن تثبّت مكانها بين الدول الصناعية المتقدمة، بدأت بشقّ أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في التاريخ. حين بدأت الصين بالبناء، في 2004، لم تكن تملك كيلومتراً واحداً من خطوط القطارات السريعة، اليوم، تمتدّ هذه الشبكة على أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، أي ما يفوق ما بنته باقي دول العالم مجتمعة.
لكنّك إن رمت المثال الأرقى والأكثر ابهاراً لعمل القطارات، فعليك أن تقصد اليابانيين. مجرّد فكرة ربط اليابان بخطّ سريع تبدو مجنونة للوهلة الأولى: بلدٌ مؤلف من جزر، أغلب سكّانه يتمركزون على سواحل متعرّجة، والجزر تخترقها عشرات السلاسل الجبلية، وليس فيها سهولٌ ممتدّة يمكن أن يمدّ عبرها خطّ مستقيم، لكنّ اليابانيّين خطّطوا، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، لقهر الطبيعة وربط قطبي اليابان، طوكيو وأوساكا، بقطار سريع يمتدّ على أكثر من خمسمئة كيلومتر. خطّ «شينكانسن» الأوّل افتتح في 1964، والشبكة اليوم تغطي اليابان على طوله، والرحلة بين طوكيو وأوساكا تستغرق ساعتين ونصف ساعة. الإبهار الياباني لا يتجلّى في التحدّي الهندسي، ولا في تكنولوجيا قطاراتهم، التي ظلّت الأحدث والأسرع عالميّاً، بل في أنّهم ابتكروا نظاماً ينقل مئات الملايين من البشر سنويّاً بدقة وفعاليّة لا مثيل لهما في العالم. قطارات الشينكانسن اليابانيّة تصل الى محطّاتها ضمن ستّ ثوانٍ من موعدها، كمعدّل، ومنذ افتتاح الشينكانسن منذ ما يقرب من نصف قرن، لم تحصل حادثة قطار مميتة واحدة. بالمقارنة، استلزم القطار السريع الصيني بضعة أشهر بعد افتتاحه حتّى يشهد أول حادثة تصادم كبيرة قُتل فيها العشرات. ما هو أهمّ: الشركة التي تدير خطّ «توكايدو» بين طوكيو وأوساكا هي شركة رابحة، وهي ستبني خطّاً جديداً بين المدينتين بتمويلها الخاصّ. الخط الجديد سيكون من نوع «ماغلف»، ستفوق سرعته الخمسمئة كيلومتر في الساعة، وسيكون أكثر من 60% من مساره في أنفاق تشقّ تحت الأرض أو في بواطن الجبال.

التنمية والسياسة

ما هي العلاقة بين القطارات والسياسة؟ بلادنا مثالٌ ساطع: من وجهة النظر الموضوعيّة، يبدو المشرق العربي مكاناً مثالياً لبناء السكك الحديد. بلاد منبسطة، أغلب سكّانها يتمركزون في جزر مدنيّة، كالواحات، تفصلها الصحاري بعضها عن بعض. وقدر هذه المراكز الحضرية، عبر التاريخ، كان في أن تزدهر عبر التواصل في ما بينها ومع العالم الأرحب ـــــ الّا أنّك لن تجد خطّاً حديثاً واحداً بين إسطنبول والصين. في بلادنا، القطارات تتكلّم بغيابها، وتروي مشاريعها المندثرة ـــــ كخطّ الحجاز ـــــ جزءاً من قصّة فشلنا في أن نصير دولاً حقيقية.
بذلت، في العقود الماضية، مجهودات هائلة لطمس أيّ تفكير تنمويّ عند العرب ينطلق من قواعد محليّة. ليست هناك منطقة في العالم ـــــ باستثناء أفريقيا ـــــ يصل نفوذ المؤسسات الدولية فيها إلى المبلغ نفسه في تخطيط المستقبل الاقتصادي والتنظير للتنمية واحتكار اصدار التقارير والداتا «الموثقة» الّتي تقوم عليها الدراسات.
سُحقت كلّ نظرة تنموية بديلة لليبراليّة السوق المنتصرة (أو حتّى مكمّلة لها) في اطار نقد الاشتراكيّة و«مصائبها» ـــــ وهذا صار فنّاً لدى الأكاديميين والكتّاب في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. حتّى سنوات قليلة مضت، كان على كلّ دارسي اقتصاد الشرق الأوسط في المعاهد الأميركية الابتداء بكتاب آلن ريتشاردز وجون واتربوري (الرئيس السابق للجامعة الأميركية في بيروت)، والكتاب يشرح عملياً كيف أنّ الاشتراكية دمّرت اقتصادات المنطقة، وأنّ اصلاحات السوق هي التي ستنقذها. شيطنة الاشتراكية وتأريخها في بلادنا يمثلان بحد ذاتهما موضوعاً مستقلاً: في أغلب البلدان العربية، كمصر مثلاً، لم تطبَّق الاشتراكية بالمعنى الفعلي لأكثر من عقد ونيّف، تبعته عقودٌ ثلاثة من الاصلاحات الليبراليّة، لكنّ النخبة لا تزال الى اليوم (كما كان يفعل السادات) تحمّل الاشتراكية مسؤولية الوضع الاقتصادي (بالمناسبة، إنّ الدراسات الاقتصادية الجدية التي تنشر أخيراً عن سياسات عبد الناصر التنموية تخرج، غالباً، بتقويم مختلف تماماً عن السردية الليبرالية السائدة والمكرّسة).
الهيمنة الثقافية لخطاب البنك الدولي وصندوق النقد يجب ألّا تعمينا، فنتوهّم أنّ لهذه المؤسسات نظرية اقتصادية متماسكة ومجرّبة. عدا مصادرة القرار الاقتصادي المحلّي، واجبار دول المنطقة على اتخاذ السياسات السوقية التي يطلبها النظام الاقتصادي العالمي في حينه، فإنّ المؤسسات الدولية الليبرالية لم تقدّم إلينا خطاباً متّسقاً عن التنمية، بل رحلةً في الغيبيات لمجموعة من المنظرين/ الموظّفين تحاول باستمرار مداراة فشل سياساتها وتبرير وجودها ورواتبها العالية. حين ذهبت الى الولايات المتحدة للدراسة، في أوائل الألفية، كان البنك الدولي لا يزال متمسّكاً بالنسخة الأصولية من سياسات «توافق واشنطن»، على طريقة اصلاحات جيفري ساكس: تحرير الأسواق كهدف بذاته، اصلاحات هيكلية متشابهة في كلّ مكان، تقليص الدولة واخراجها من كلّ المجالات. بعدها بسنوات قليلة، ومع تكشّف الفشل الكارثي للسياسات الاقتصادية الليبرالية من الأرجنتين الى أفريقيا، تجد منظرّي البنك الدولي وقد قرروا الدخول في حلقة نقد ذاتي، والابتعاد عن المفاهيم «التبسيطية» للاصلاح، واعتنقوا جماعياً المدرسة المؤسسية الجديدة كبديل نظريّ عن الأصولية الليبرالية التي صار يصعب الدفاع عنها. بدأ اقتصاديو البنك باقتباس ثيدا سكوتشبول ودوغلاس نورث (اباء المدرسة المؤسسية)، بسبب وبلا سبب، وبالكلام عن «نقل الخبرات بدلاً من الرساميل»، وشعارات أخرى كثيرة لا تغني عن تنمية وعن مفهوم حقيقي للاقتصاد السياسي. ثمّ، في السنوات الأخيرة وبعد حرب العراق، خفت وهج المدرسة المؤسسية، وبدأت تيارات جديدة تظهر في أدبيات المنظمات الدولية وتتكلّم عن التنمية المجتمعية و«التنمية من تحت»، لكن ليس ضمن مفهوم تشاركيّ توزيعيّ كما قد يتوهّم القارئ، بل على اساس أنّ الاصلاحات الاقتصادية التي تقودها المنظمات العتيدة ستعيد تشكيل ميزان القوى المجتمعية على نحو يخدم «الدمقرطة» ـــــ التي دخلت، فجأة، الى معجم المنظمات الاقتصادية. فصارت المنظمات الدولية لا تكتفي بمصادرة القرار الاقتصادي الوطني فقط، بل تتورّط أيضاً في مشاريع «هندسة سياسية» للمجتمعات التي شاء القدر، وحظّها العاثر، أن تقع بين أيدي هؤلاء الموظّفين.
أكثر ما يزعجني شخصياً، في كلّ هذه التقلبات الايديولوجية، هو أنّ أيّاً منها لن يبني لنا قطارات، كما قال ماركس في القرن التاسع عشر، القطار هو تتويجٌ للنجاح الاقتصادي الصناعي، لا مسبّب له، وهو العلامة على بناء سوق وطنيّة ناجحة. كلّ خبرات البنك الدولي والمنظمات الشبيهة تسخّر من أجل ادامة الوضع القائم، فيما من ينظر الى منطقتنا يدرك بسرعة أنّ اقتصادها «سياسيّ» بالدرجة الأولى، وأنّه لا حياة ولا مستقبل لشعوبها الّا بادخال تغييرات جذرية على الواقع وعلى الخريطة.
حين نتكلّم عن «سايكس ـــــ بيكو» وعمّا يمثّله المشروع التقسيمي، فإنّنا غالباً ما نركّز على الجانب السياسي ونغفل التأثيرات الحقيقية والملموسة والمعيشة لهذا التقسيم. ما خنق مدينة حلب في القرن الماضي، مثلاً، كان سايكس ـــــ بيكو، إذ أصبح القسم الأكبر من ريف حلب فجأة في تركيا، وما هي المدينة الا وحدة انتاج يحيط بها ريفٌ يرفدها؟ السياسة العربيّة أكملت مفاعيل الحرب العالمية الأولى، فخلق «الأخوة» البعثيون في سوريا والعراق عزلةً حضارية واجتماعية لم يعرف البلدان نظيراً لها منذ قرون، فصارت الموصل والجزيرة وحلب تعيش في عوالم مختلفة، بدلاً من أن تكون جزءاً من دورة اجتماعية متّصلة.
حين كتب الكسندر غرشنكرون عن التنمية والتصنيع، ابتدع مفهوم «أفضلية التخلّف»، بمعنى أنّ الدول المتأخرة تنموياً قادرة بالذات بسبب تخلفها على النموّ على نحو أسرع بكثير من الدول المتقدمة. في الدول المتأخرة، يكون عائد المشاريع المفيدة أعلى بكثير من نظيراتها في الدول الغنيّة، وتكون كلفتها أقلّ. في اليابان، لن يغيّر بناء خطّ شينكانسن ثانٍ بين طوكيو وأوساكا شيئاً كثيراً في بنية الاقتصاد، كلّ ما سيفعله هو أنّه سيخفض مدّة الرحلة بين المدينتين من ساعتين ونصف ساعة الى ساعة ونيّف، بل إنّ تأثيره سيكون متواضعاً بالقياس على كلفته الهائلة (يمكنك أن تربط كل أفريقيا بسكك الحديد بكلفة خمسمئة كيلومتر من الخطوط في اليابان أو بريطانيا). تخيّلوا، بالمقارنة، التأثير الذي قد يحدثه قطارٌ حديث بين دمشق وبغداد، يصل العاصمتين في ثلاث ساعات وبكلفة منخفضة؟ لن يحوّل حدث مماثل مسار الاقتصاد والتجارة الاقليمية فحسب، بل سيؤدّي أيضاً الى تغييرات حقيقية في الديموغرافيا وفي الثقافة بالمشرق. وبالمنطق نفسه، فإنّ شبكة قطارات كفوءة قد تجعل من المشرق العربيّ معبراً للبضائع بين الصين واوروبا. ستتمكّن السفن القادمة من الصين وآسيا من افراغ حمولاتها جنوب البصرة، كما كانت تفعل قبل قرون، حتّى يتم نقلها الى أوروبا بالقطار خلال أقل من يومين، موفّرةً اسابيع في البحر. وهناك بالفعل خططٌ موضوعة لوصل غرب الصين بآسيا الوسطى، ثمّ ايران، وبعدها اوروبا مباشرةً بالقطار.
هذه الأحلام والاحتمالات تبقى، بالطبع، أسيرة البيئة السياسية والرؤى التي تمثّل واقعنا. القطارات، كمشاريع التنمية وبناء الأمم، لا تأتي من تلقاء نفسها، بل هي نتاج جهد بشريّ ومخيّلة سياسية تهزم الجغرافيا وتغيّر مجرى التاريخ. وحين تنادي الطوائف أتباعها ويظهر الوهن الكامن في المجتمع، كما تشهد بلادنا اليوم، تضحي إمكان تخيّل مستقبل مختلف مسألة حياة أو موت. حين تتحدّانا الطّوائف والقبائل، يضحي أمامنا خياران: إمّا أن ننضمّ اليها، أو أن نخترع وطناً أكبر منها وأقوى.
* طالب دكتوراه علوم سياسية
في جامعة كاليفورنيا ــ بيركلي