عندما سيلجأ مؤرخو المستقبل إلى قراءة ومقاربة التحوّلات العربية الداهمة التي تشهدها المنطقة، سيكون أمامهم موضوع يصعب ضبطه في إطار قواعد صارمة، نتيجة الخلل الكبير الذي تعانيه هذه التحولات في أساسها ومرجعيتها وخطواتها والفاعلين فيها. كل ما حدث تخطى عجلة نبوءة الفكر واللغة، في وقت كان أقصى الرهان فيه على مستقبل لم تُهيّأ إمكاناته بعد على مستوى الوعي والإدارة، وفي ظل قطيعة ثقافية وحضارية عن الركض في حقول التجدد والاجتهاد، وبعد سلسلة طويلة من النكبات والمحن والهزائم والكبت الذي يُحتِّم نتيجة واحدة معروفة وهي الانفجار.


كان العرب يعيشون في زمن «ساوم واستسلم» و «السلام من أجل الطعام»، وإذا بهم يخرجون فجأة إلى فوهة النشاط والدينامية. وكان على الدارسين والمتابعين أن يتأملوا صورة المنطقة التي تمكث فوق مخزون هائل من الشباب الغاضب الذي يريد بعضه أن يصرخ بعقله وبعضه الآخر بغرائزه!
لم تخرج هذه التحوّلات والتغيّرات الضخمة من إفراز طبيعي، ومن تطور سياسي واجتماعي تتعامل فيه الشعوب مع حقائق الأوضاع القائمة نفسها بغرض إصلاحها، بل الأمر في معظمه كان مغايراً إلى حد كبير، حتى بدا المشهد العام منذ حركة البوعزيزي، مترنحاً بين الأمل المرغوب والتكسر المفتوح على التيه والمجهول. والشباب هم هم في كل عصر رائع أو مضنٍ آلة الحياة والموت معاً!
لكن لا بد من الاعتراف بأنّ الحَراكات العربية خلقت واقعاً جديداً، وطرحت سلعاً ثقافية وسياسية جديدة، وأخرجت إمكانات هائلةً إلى الفضاء الذي ظلّ إلى حين طويل أسير الاستبداد والظلم والاستفراد. والحَراكات أو الثورات كما يحبُّ البعض أن يُسميَها (التي في النفس أشياءُ منها) ظهّرت قوة الجماهير والشعوب من حالة ذهنية إلى قوة خارجية، ومن حالة صامتة إلى قوة ناطقة وصارخة، ومن حالة مُعطلّة ومغيّبة إلى قوة تحمل قيمة واقعية استراتيجية تأثيرية تغييرية مهولة.
إلا أنّ شعلة الثقة بالنفس وموجة الأمل التي أبطلت مفاعيل استراتيجية «إشاعة اليأس» على مدى العقود الماضية، لم تؤدِّ حتى الساعة إلى مكاسب وازنة لمصلحة الشعوب العربية، بفعل الأخطاء والخطايا الهائلة المصاحبة لهذه التحوّلات، ونتيجة انكشاف هذه التجربة أمام قوى الهيمنة الغربية، التي صنعت أو تدخلت في رسم إطار الصراع والتاريخ بما يخدم أهدافها. ذلك، خصوصاً أنّ المنطقة منذ اكتشاف النفط لم تستقر على حقائق في السلم أو وقائع في التسوية، بل كان الإطار العام على الدوام إطاراً صراعياً اتسم بوجود تناقضات وخلافات حادة بين مصالح وتوجهات الأطراف الفاعلة فيها بدرجات يتعذر التفاهم أو التسوية بشأنها.
لذلك فإنّ احتمال أن تتجه مآلات هذه «الثورات» إلى ما هو معاكس لها تماماً، أي إلى التعليق، أو أن تنتهي إلى انهيار كامل، احتمال قوي، لأنّ الصراع فيما تظهر من وقائعه الراهنة غير قابل للحسم النهائي في أي صورة من الصور.
ومن البديهي أنّ ما يجري اليوم يمثل لمشروع المقاومة في لبنان على وجه الخصوص، تحديّاً جسيماً نظراً إلى مركزية ومحورية المقاومة في معادلات المنطقة، التي انصبت جهودها منذ انطلاقتها لحسم الصدام التاريخي مع العدو الإسرائيلي لمصلحة الحق والعدالة.
إنّ التحديات الأولى تكمن، في سعي الولايات المتحدة الأميركية ومجموعة الدول الغربية والعربية المتحالفة معها إلى تخريب المفاهيم والقيم، وخلط الأمور وجعلها ملتبسة ومتناقضة، بحيث يتوافق ذلك مع أهداف زعزعة الاستقرار والسيطرة على الأنظمة والمنطقة. وقد بيّن هذا العمل الذي حكم توجهات القوى المعادية للأمة، تحت مسمّى «الحرب الناعمة»، الصعوبات في فهم وضبط المعايير الحاكمة، وحجم التعقّد في تحديد معاني الحرية والديموقراطية والمقاومة، وحق التظاهر على سبيل المثال. وفي العادة، عندما يطرأ عليها تغيير في حركة موازين محددات القيم والأفكار والتفكير، وتختل، علينا أن نتوقع تيهاً وضياعاً وتناقضاً في السياسات على كل المستويات.
ومن جملة أعراض هذا الأمر: تقدم الهدف الشخصي الذاتي على الموقف الاستراتيجي للأمة، وتراجع المبادئ لحساب المصالح، حيث نجد من الشواهد ما يكفي للدلالة على انحسار الفعل الأخلاقي والالتزام المبدئي، في سبيل وصول البعض إلى السلطة، متعمداً خلق أوضاع لا تتناسب البتة بل تتناقض مع حقائق الحرية والديموقراطية والعدالة أنفسها. ومن الأسئلة التي تُطرح في هذا السياق: ما يُفترض بالثورة أن تقوم به وهو تحرير الإرادة الوطنية، لا أن تقيّدها بتبعيّة جديدة لقاء أثمانٍ تتناقض مع ثوابت الثورة ومنطلقاتها. وقد انسحب هذا الأمر على المقاومة، التي نتيجة لالتباس مفهوم الحرية على سبيل المثال، ولتحفظها على بعض ممارسات ومواقف القيادات الجديدة في بلدان ما يُسمى الربيع العربي، ظُهرت على أنّها تقف في وجه حريات الشعوب، وهي التي تعمل في الأساس على حريّة الشعوب وفكّ قيودها من أسر الهيمنة الغربية واستبداد الحكام!
ولا شك أنّ إدراك العلاقة بين التطوّرات الحاصلة وسياسات قوى الهيمنة الغربية يعزز صدقية الحديث عن أنّ ما يحصل في دول الربيع ليس ثورة، بل فوضى، وأنّ هذه القوى تشارك وتتدخل في إنشاء وصياغة وتصميم هذه الفوضى ومجرياتها.
أما التحدي الثاني، فإنّه يكتسب خطورته من تفشي ظاهرة العداء الطائفي والمذهبي، وانتعاش وازدهار الدم الذي يقوم على الفعل العصبي، والذي يتستر بالدين لإنفاذ وإسباغ مشروعيته. ولا شك أنّ من يسّوق لهذه التجارة يعمق هزيمة الأمة على المستوى الأخلاقي والحضاري، ويتقصد تشويه الإسلام الذي لا يُعهد من أتباعه ضبط علاقاتهم إلا في إطار العنف والدموية!
وتتفرع من هذين التحدّيين مجموعة من الالتزامات التي تنبع من مسؤولية المقاومة، التي ما عادت تعمل في الأفق اللبناني حصراً، بل تتعامل وحقائق التطوّرات في المنطقة كجزء من مجالها في دائرة الأمة.
أولاً: كيفية مساندة «القيادات الحَراكية» الوطنية الجادة، على إنجاح عملية إدارة التحوّل في الأنظمة العربية، من أنظمة استبدادية إقصائية راعية للمصالح الغربية ومطبّعة مع العدو الإسرائيلي، إلى دول ديموقراطية ــ تعددية ــ حضارية تواجه مشاريع الهيمنة الخارجية والغطرسة الإسرائيلية.
ثانياً: المساعدة على تشكيل الحقل الديني من خلال التركيز على البعد الحضاري والقيمي للأديان وللإسلام على نحو خاص. وبعبارة أخرى المشاركة في رسم الخريطة الدينية على هدى إيحاء السماء وقيم الأخوة والمحبة والتسامح التي ترشح منها.
ثالثاً: المساعدة على تقليص التناقضات في السياسات وما يتصل بعملية إدارة الجماهير كمدخل لمعالجة كل المشاكل بالحوار الداخلي.
رابعاً: المشاركة في عملية تطوير آليات احتواء الأزمات لامتصاص العنف الطائفي والمذهبي ومنع الاضطرابات المتمادية على خطوط التنازع الديني والاجتماعي.
خامساً: العمل على معالجة الإشكالية التي تثيرها الصورة الغارقة في التعمية، والتي يظهر فيها التناقض بين الهوية الثورية للمقاوم الثوري الذي يؤدي مهمة وظيفية. والهوية الثورية للشعب الثوري الذي يقوم بمهمة رسالية قيمية إنسانية مجردة عن الحسابات!
سادساً: حل الإشكالية التي تفرق بين الغايات القومية والإسلامية والوطنية التي تضحي من أجلها الشعوب، وما يتلخص في مقاصد الاستقرار والأمن ووحدة المجتمعات.
إنّ هذه المسؤوليات ترتبط بالضرورة بموقع المقاومة وحضورها وبمستقبل المنطقة بالصميم. لذلك فإنّ الحقائق التي يُعمل على تثبيتها يجب أن تصب في وحدة الأمة وفاعليتها. وبناءً عليه، ينبغي إدراك مصادر التهديد الداخلية والخارجية لئلا تتحوّل «الثورات» مدخلاً لتقليل إمكانات الصراع مع العدو الإسرائيلي والقوى المستكبرة، لا لتكثير موارده وتوسيع مساحاته. والمقاومة معنيّة أيضاً بتقديم مقارباتها لهذه التحوّلات لتجنب سوء الفهم في مواقفها أولاً، ولإقناع الآخر ثانياً بأن يكون التغيير منطوياً على تحقيق إنجازات لمصلحة الشعوب، لا أن يكون محمولاً على تقسيم المنطقة ودحرجتها إلى مربعات التخلف والفتن.
الأمة في لحظة تاريخيّة استثنائية بكل المعايير، ومن غير الجائز الحديث عن قول فصل في محتملات نجاتها أو سقوطها، وهي من دون أدنى تردد واقعة بين اختيارين مصيريين: فإما أن تعود أمة حضارية رسالية علمية، وإما أن تستأنف حروباً طائفية ومذهبية وعرقية وقومية مفتوحة على المجهول.
* أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية