يُشكّل الحوار بروحية التسوية، لكن من دون مساومة، إحدى أبرز معضلات عالم اليوم. سياق الدمقرطة والعيش معاً، وبخاصة في مجتمعات تعددية، هو ضرورة ماسة تجاه امتداد ذهنية استنسابية، وذلك في سبيل استعادة المعايير التي هي ثمرة مكتسبات الحضارة. والحوار في المجتمع اللبناني خصوصاً هو ضرورة يومية. قد ينحرف عن هدفيته فيتحول الى مجرّد أداة في استمرارية الصراع على النفوذ وتغذيته أو كغطاء للانتهازية أو الاستسلام.


نعيش اليوم في زمن تنامي إرادة الحوار في العلاقات الدولية والعلاقات الداخلية وبين الأفراد والمجموعات، وذلك لمقاومة هويات منغلقة ونزاعات داخلية وبالوكالة ولتنمية الأخوّة والتضامن. ومن هنا أهمية المؤتمر الذي يعقده «معهد الدراسات الإسلامية والمسيحية» في جامعة القديس يوسف اليوم وغداً، تحت عنوان «وجوه حوارية: إشكالية، روّاد كبار وتوقعات مقارنة».
عموماً، يتم التركيز على الفاعلين في الحوار ووجوهه الريادية، التي بواسطتها يتجسّد الحوار وتُبنى الجسور ويتحقق الالتزام، أكثر مما سيتم التركيز على الحوار بذاته وعلى نحو تجريدي. يواجه الالتزام في الحوار حواجز وعوائق وصعوبات يعمل فاعلون رياديون على اختراقها ولا يخشون المخاطرة. في زمن تضخم إعلامي واستنساب قيمي وعلماوية على حساب الإنسانيات ومزالق وسجالات ومماحكات تُغذي النزاعات تحت ستار معالجته، تكمن الحاجة الى استعادة المصادر الإغريقية والرومانية للحوار في فكر سقراط وأفلاطون وشيشرون... وممارساتهم. الحوار منهج لاستكشاف مشترك لحقيقة بين أشخاص ذوي إرادة صادقة وكثمرة إصغاء مُتبادل وتلاحم أفكار وليس لمجرد انتزاع مكاسب أحادية وموقع نفوذ. لذا، يقتضي التمييز بين ثلاثة فضاءات للحوار:
أ. فضاء الحوار بين الأديان والثقافات: الهدف، من خلال تباين وجهات نظر، استكشاف حقيقة أسمى من وجهات النظر الفردية. هذا الحوار هو بين الأديان والثقافات والفقهاء...
ب. فضاء الحوار في الحياة العامة: يهدف الحوار إلى معالجة نزاع سياسي في مواقع سلطة ونفوذ ومصالح والتوصل إلى تسوية. يندرج هذا الحوار في شبكة مصالح ونزاع على مصالح ومواقع سلطة في سياق طروحات غير معلنة ونيات ظاهرة وغيرها مضمرة.
ج. جنود الحوار المجهولون: لا تنحصر الوجوه الحوارية بشخصيات بارزة ومعروفة. وجوه أخرى من الناس العاديين وغير المعروفين، في الحياة اليومية وفي زمن الأزمات والنزاعات المسلّحة، هم روّاد سلام ودفاع عن الحقوق غالباً في الشارع والحي والقرية... يقتضي تقدير هؤلاء الذين يعملون بتواضع وجرأة في قلب النسيج الاجتماعي فيُخاطرون في سبيل صيانة الوحدة والتضامن في ظروف عادية، كما في أوضاع استثنائية. هذه الوجوه هي، لحسن الحظ، عديدة. لكنه يقتضي اكتشافها.
الخلط بين الفضاءات الثلاثة يُفسد الحوار ويُغرق أصحابه في المخادعة وفي أسوأ الحالات يُختزل المجال العام في علاقات بين الأفراد، في حين أنّ المجال العام يخضع لقواعد حقوقية ناظمة. نميّز تالياً بين الوجوه الحوارية في الحوار الديني والثقافي والفقهي وبين الثقافات وفي العلاقات بين الأفراد وفي العلاقات المهنية، وبين الوجوه الحوارية في الحياة العامة، أي في المدينة التي تفترض بناء جسور في أوضاع متأزمة والتزام الفاعلين وتنمية قيم مدنية وسلم أهلي ومصلحة عامّة. نستثني من الوجوه الحوارية أشكالاً عديدة من الحوارات، ظرفية ويقوم بها غالباً سياسيون وأتباع بهدف التموضع والوصول إلى سلطة وموقع ومُحرّكها المصلحة الخاصة الآنية وليس المصلحة العامة. لا تخلو طبعاً لقاءات زائفة من بعض الفائدة لأنّها نابذة للقطيعة، لكنها تخرق كالسرطان المبادئ الأساسية لدولة الحق والقواعد الناظمة للحياة العامة والقيم المدنية ومكتسبات الخبرة المتراكمة في المواثيق اللبنانية. قد تتحول حوارات إلى أداة للتمظهر، وفي أسوأ الحالات إلى رياضة موسمية متكررة في سبيل استمرارية نزاع وتبرير توصيفه بالحرب الأهلية وطمساً لمعوقات وضغوط خارجية. نذكر في هذا السياق أنّه قبل وثيقة الوفاق الوطني ـــ الطائف في 22/10/1989 والتي أقرها مجلس النواب في 5/11/1989 توافق اللبنانيون على أربع عشرة وثيقة وفاقية على المستوى الرسمي، من دون أن تؤدي هذه التوافقات الداخلية الى وقف القتال. الحوار «الوطني» الذي يُستعاد تكرارياً بعد خبرات طويلة ومعاناة ومواثيق، وكأنّ الوطن قيد التأسيس، يُفقد الحوار صدقيته وهدفيته. يتطلب الحوار التزاماً معيارياً وقيمياً.
كلّ لبناني، في بلد صغير ومتعدّد الطوائف، حيث العلاقات يومية ومعجونة بالتبادل، هو حواري بأشكال ومستويات ومجالات متنوعة وفي إطار صعوبات ومعضلات ونجاحات. وكلّ جامعي ومثقف خبرته غارقة في الحياة ويعمل بهاجس أخلاقي، وبخاصة في الإعلام والتواصل، هو حواري، وبدون ذلك تمتد حالة من الانغلاق تتنافى مع المفهوم الجامعي والإنساني. مسار المؤتمر الذي ننظمه («وجوه حوارية: إشكالية، روّاد كبار وتوقعات مقارنة») هو بالتالي انتقائيّ مركّز على وجوه ريادية. لكن هذه الانتقائية غير مغلقة. يُشكِّل المؤتمر مرحلة أولى في برنامج سيستمرّ ليشتمل على وجوه أخرى ريادية وفي سبيل توثيق وإبراز تراث متراكم ونقله الى الأجيال الجديدة بواسطة مختلف وسائل التنشئة.
توجّه المؤتمر هو معياري ومركّز على وجوه حوارية انطلاقاً من ثلاثة اعتبارات:
أ. الصفة النموذجية فكراً وممارسة وشهادة حيّة وثابتة ومستمرة، بالرغم من العوائق والعراقيل والمعضلات.
ب. الالتزام العملي في التاريخ الثقافي والحياة العامة مع تأثير على تاريخ الفكر وعلى القرارات.
ج. الاعتماد الثابت على قواعد أساسية مُرتبطة بمبادئ دولة الحق وحقوق الإنسان وفي الحالة اللبنانية، بالمرجعية الميثاقية المُجسّدة بالخبرة المتراكمة وفي مقدمة الدستور اللبناني المعدّل.
الوجوه الحوارية بموجب هذه المعايير ينتمون إلى كل الطوائف من دون استثناء، وهم بفكرهم وعملهم، عابرون للطوائف. وعندما نتكلّم على وجوه حوارية هي شخصيات دينية، فمن الطبيعي اعتماد مقاربتين: مقاربة دينية في ما يتعلق بالحوار بين الأديان، ومقاربة عامة في ما يتعلق بالمجال العام.
هناك وجوه ريادية أخرى في مجالات غير الحوار. إنّ اعتبار الحوار القيمة العليا التي لا تسمو عليها أي قيمة أخرى هو إيديولوجية معاصرة ومريحة للحوار. هناك وجوه ريادية في مجالات أخرى في القداسة والتقوى والشجاعة والتضامن ومقاومة الظلم... يحتاج كل مجتمع الى أبطال بناة جسور، وأيضاً الى أبطال يجرؤون على قول «لا» ويتخذون قرارات صعبة لا ترضي المتنازعين. يهدف المؤتمر إلى دمج مختلف الوجوه الحوارية في البرامج الثقافية والتربوية، في لبنان وفي المجتمعات العربية عامة، وبخاصة في البرامج المدرسية والجامعية، وفي برامج الفلسفة والأدب والتاريخ والتربية المدنية...، إذ لا تنحصر البطولات في الأعمال الحربية. هناك بطولة الوساطة والوفاق والمسامحة والمساعدة الإنسانية والتضامن... هل الوجوه الحوارية واردة في كتابة تاريخ لبنان واللبنانيين وتاريخ العالم العربي عامة وفي بلدان أخرى ؟ تسمح المقاربة المقارنة للتاريخ historiographie باستخلاص توجهات ثقافية وتربوية تطبيقية.يُوفِّر لبنان الذي هو على مفترق في جغرافيته وتكوينه الاجتماعي، من خلال خبرته التي هي من أغنى تجارب العالم، تجربة ريادية إسلامية ـــ مسيحية قلَّما يتم إبرازها في الثقافة وبرامج التنشئة والتربية المعيشة. أنتج واقع العيش معاً مسيحيين ومسلمين في شبكات علاقات متعددة ويومية ثقافة وفكراً دينياً في لبنان لدى مسيحيين ومسلمين، مع إدراك لمفهوم «القريب» في الإنجيل وهو مفهوم روحي وعملي ومعيش وغير مرتبط بعقائدية مغلقة وبأي نص أُفرغ من روحيته. الحاجة إلى جهود في سبيل استعادة الأديان روحيتها في ظرف قد تتحول فيه الأديان الى إيديولوجيات وأدوات تبرير لهويات قاتلة وتعصب وتعبئة نزاعية. الحاجة إلى استخلاص وجوه أمل ومستقبل.
كان الحوار معيشاً، بمعاناة وتواصل واحترام القيم الناظمة للحياة العامة. لم يتوقف الحوار، لكنه تحوّل في بعض الحالات إلى أداة لاستمرارية نزاع وتغذيته وإلى رياضة موسمية للتشكيك المستمر ببديهيات البناء الوطني وتصوير كل ما يجري في لبنان حصراً بالحرب الأهلية. تكمن الحاجة اليوم إلى تحويل الحوار إلى تقليد راسخ ونقل روحيّته ومكتسباته ومعاييره إلى الأجيال الجديدة.
* مهندس فيزياء، عضو اللجنة التنظيمية للمؤتمر الدولي «وجوه حواريّة: إشكاليّة، روّاد كبار وتوقعات مقارنة» الذي يعقد اليوم وغداً في «جامعة القديس يوسف» في بيروت